الدرس في كتاب الطهارة 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة، ويبين معنى الغرة والتحجيل وأثر الوضوء يوم القيامة في تمييز أمته. كما يربط بين وضوء النبي وتمييز أمته يوم القيامة عند حوضه.
يصف حوض النبي بأنه عظيم وكبير، ويذكر صفاته مثل بياض مائه وأنه أحلى من العسل باللبن، ويبين أن النبي يصد عنه المرتدين والمنافقين وأهل البدع والأهواء يوم القيامة.
يشرح منزلة الصحابة وأهمية اتباع سنة النبي ليكون المرء من أولى الناس بالشرب من حوضه يوم القيامة، ويبين أن أهل السنة والجماعة هم الأقرب للشرب من حوضه لتمسكهم بسنة النبي.
رب العالمين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال مسر بن الحجاج أبو الحسين أني سابوري القشيري رحمه الله: حدثني هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثني بن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم بن عبد الله أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». هذا الحديث يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا هريرة رضي الله عنه توضأ، فبالغ في غسل اليدين حتى كاد يبلغ المنكبين -يعني غسل اليد وشرع في العضد وارتفع حتى كاد أن يبلغ المنكب- هذا المنكب، قال: إذا فعل في اليد اليمنى ثم اليسرى، ثم غسل رجليه ورفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء». غرا محجلين يعني: فيهم آثار بياض ونور في نواصيهم وفي أيديهم وأقدامهم في مواضع الوضوء. وذكرنا في الدرس الماضي أن أصل الغرة بياض يكون في ناصية الفرس، والتحجيل بياض في قوائمه. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أمته -يعني أمة الإجابة من أهل الإسلام من يصلون ويتوضؤون- يأتون يوم القيامة غرا محجلين، غرا يعني: فيهم بياض في نواصيهم، ومحجلين يعني: فيهم بياض في أيديهم وأقدامهم من أثر الوضوء -يعني من علامات الوضوء-. وهذه فضيلة لهذه الأمة، وكذلك أيضا فضيلة للمسلم المصلي أن يأتي يوم القيامة وعليه آثار الوضوء: بياض في ناصيته، وفي يديه، وفي قدميه. ثم قال: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل». من استطاع أن يطيل -يعني يزيد في إطالة هذه الغرة-. وهذه اللفظة والجملة حكم عليها بعض أهل العلم بأنها مدرجة من قول أبي هريرة، وليست من قول النبي عليه الصلاة والسلام. ورجح ذلك جمع من الحفاظ، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله، شيخ الإسلام. وذلك أن إطالة الغرة لا تعقل؛ لأن إذا أطال مسح الناصية سيدخل في الرأس، ومعلوم أن فرض غسل الرأس والمسح ليس الغسل، فلو طال غرته وبالغ في ذلك، معنى هذا أنه سيغسل جزءا من رأسه، وهذا خلاف السنة وخلاف الواجب في الرأس وهو المسح. فلهذا قال من قال من أهل العلم أن مثل هذا لا يمكن أن يكون من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. أما قوله: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء»، هذا من قول النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي أهل الإسلام وأهل الإيمان عليهم آثار الوضوء في وجوههم وفي أيديهم وأقدامهم. أما الأمر بالإطالة هذا في نسبة للغرة لا يعقل فيها الإطالة، بخلاف التحجيل في القدمين وفي الساقين هذا قد يعقل فيها الإطالة، لكن في الناصية وفي الغرة هذا لا يمكن. قال رحمه الله: حدثنا سويد بن سعيد وابن أبي عمر جميعا عن مروان الفزاري. قال ابن أبي عمر: حدثنا مروان عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق عن أبي حازم عن أبي هريرة. وأبو حازم الراوي عن أبي هريرة هو سلمان الأشجعي، وهناك أيضا أبو حازم آخر يروي عن سالم بن سعد، واسمه سلمة بن دينار. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه». قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذ؟ قال: «نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء». قال رحمه الله: حدثنا أبو كريب ومحمد بن العلاء وواصل بن عبد الأعلى، واللفظ لواصل، قال: حدثنا ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي -ما اسمه أبو مالك الأشجعي؟ سعد بن طارق- قال: عن أبي حازم -ما اسمه أبي حازم؟ سلمان الأشجعي- والراوي عن سالم بن سعد هو سلمة بن دينار، قال: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبلا الرجل عن إبله». قالوا: يا نبي الله، أتعرفنا؟ قال: «نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء، وليصدن عني طائفة منكم، فلا يصلون، فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟». قال رحمه الله: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر عن سعد بن طارق عن ربعي بن حراش عن حذيفة وابن اليمان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن حوضي لأبعد من أيلة من عدن، والذي نفسي بيده، إني لأذود عنه الرجال كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه». قالوا: يا رسول الله، وتعرفنا؟ قال: «نعم، تردون علي غرا محجلين من آثار الوضوء، ليست لأحد غيركم». هذان الحديثان يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن له حوضا. والحوض هو: مجمع الماء. والمراد به: الحوض الذي أكرم الله عز وجل به نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام حوضا عظيما كبيرا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبعد من أيلة من عدن» -يعني من أيلة من الشام إلى عدن طوله-. وهذا الحوض ذكر النبي عليه الصلاة والسلام من صفاته أنه أشد بياضا من الثلج -أي ماؤه أشد بياضا من الثلج- وأحلى من العسل باللبن، وآنيته أكثر من عدد النجوم -أي نجوم السماء-. وجاء في بعض الأحاديث الأخرى أن طوله مسيرة شهر، وعرضه كذلك مسيرة شهر، وأن له ميزابان ممدودان من الجنة، أحدهما من ذهب والآخر من فضة، وأنه يمد من نهر الكوثر من الجنة الذي أعطاه الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام. وأن من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يصد الناس عنه -يعني يأتيه الناس يريدون أن يشربوا من حوض النبي عليه الصلاة والسلام فيمنعهم النبي عليه الصلاة والسلام ويبعدهم- كما يذود الرجل إبل غيره عن إبله وعن حوضه، كما يبعد الإبل ولا يتركها تشرب من حوضه. كذلك يفعل النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ حتى تشرب أمته من هذا الحوض. قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذ -يعني في ذلك الموقف العظيم واجتماع الخلائق جميعا أولين والآخرين- هل تعرف أمتك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم» -يعني علامة لكم سيما أي علامة ليست لأحد من الأمم-. قال: «تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء». فهذا الحديث فيه دليل على إثبات وجود الحوض -حوض النبي عليه الصلاة والسلام الذي أكرمه الله عز وجل به-. وهذا قول أهل السنة والجماعة، خلافا لأهل الأهواء والمعتزلة ومن نحا نحوهم ممن أنكر الحوض ولم يقل بثبوته، زعما منهم أن الأحاديث الواردة فيه آحاد، وأن الآحاد لا تثبت في باب العقيدة. وقولهم باطل مردود، والحديث إذا صح وجب الأخذ به واعتقاد مدلوله، سواء كان في باب العقيدة أو في باب العبادات أو غيرها. وفيه كذلك أيضا بيان شيء من صفات هذا الحوض الذي يؤتيه النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا في أن النبي عليه الصلاة والسلام يتقدم أمته إلى حوضه حتى يهيئه لهم، ويبعد من أراد أن يشرب منه ممن ليس من أمته. وهل هذا الحوض يعني خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو أن هناك أحواضا لغيره من الأنبياء؟ الصحيح أن لكل نبي حوضا، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. لكن أكثر وأعظم هذه الأحواض هو حوض النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثر من يرد على حوضه هو حوض النبي عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك أيضا أن أمة النبي عليه الصلاة والسلام يبعثون يوم القيامة وعليهم آثار الوضوء، عليهم آثار الوضوء في وجوههم وفي أيديهم وأقدامهم، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يعرف أمته بآثار الوضوء. وهكذا أيضا في هذا دليل على أن تارك الصلاة ليس بمسلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن يعرف أمته بآثار الوضوء، والذي لا يصلي ولا يتوضأ معناه لن يكن فيه أثر الوضوء، إذا لا يعرفه النبي عليه الصلاة والسلام، لا يعرفه النبي عليه الصلاة والسلام يكون حاله كحال غيره ممن ليس من أمته، أو كذلك ممن كان من أهل الكفر والضلال. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه سيصد ناسا ويذادون عن حوضه عليه الصلاة والسلام، ويدافع النبي عليه الصلاة والسلام عنهم، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وهؤلاء كما ذكر أهل العلم أنهم على أصناف. أو ذكر العلماء في ذلك أقوالا. يعني من هؤلاء الذين يذادون ويبعدون عن حوض النبي عليه الصلاة والسلام وهم من أمته. فقيل: من ارتد عن الإسلام ممن كان مسلما وارتد عن دين الإسلام. ومنهم كذلك المنافقون، فهؤلاء يذادون ويبعدون عن حوضه عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم غيروا وبدلوا. وقيل كذلك: أهل البدع والضلال، أهل البدع والضلال ممن كانت بدعهم لا تصل إلى حد الكفر، فإنهم كذلك يذادون ويبعدون عن حوضه عليه الصلاة والسلام. وقيل كذلك أيضا: من وقع في الردة بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أظهر وأقرب هذه الأقوال أن الذين يبعدون هم: من ارتد عن الإسلام ممن ينتسب إليه، وهكذا المنافقون، وهكذا أيضا أهل البدع والأهواء، أهل البدع والأهواء كذلك أيضا يذادون ويبعدون؛ لأنهم غيروا وبدلوا، كما أخبر عليه الصلاة والسلام فيشمل قوله عليه الصلاة والسلام: «هل تدري ما أحدثوا بعدك وغيروا وبدلوا». يدخل في ذلك أهل الردة وأهل النفاق، وكذلك أيضا أهل البدع والأهواء الذين لم تصل بدعتهم إلى حد الكفر. بخلاف الكافر فإنه لا يرد حوض النبي عليه الصلاة والسلام. وقد يقال كذلك: أن هؤلاء أيضا قد لا يردون على حوض النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم ممن ينتسب إلى الإسلام -يعني البدع والأهواء البدع الكفرية كالرافضة والجهمية ومن كان على شاكلتهم- فإنهم على أنهم ممن يعني ينتسب إلى الإسلام وليسوا من أهله. فهؤلاء كذلك أيضا يذادون ويبعدون. وأولى الناس بالشرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام: من شرب من حوضه في هذه الدنيا، كما قال ابن القيم رحمه الله: حوض النبي عليه الصلاة والسلام هو شريعته وسنته عليه الصلاة والسلام، من نهل منها وشرب منها -أي تعلم سنة النبي عليه الصلاة والسلام وعمل بها- فهذا من أولى الخلق ممن يرد على حوضه عليه الصلاة والسلام يوم القيامة. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن أيوب وسريح بن يونس وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعا عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا». قال: «أولسنا إخوانك يا رسول الله؟» قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». قال: «كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟» قال: «أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟» قال: «بلى يا رسول الله». قال: «فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا». قال رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز عن الدراوردي. وحدثني إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: حدثنا معن، قال: حدثنا مالك جميعا عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». قال: بمثل حديث إسماعيل بن جعفر، غير أن حديث مالك: «فليذادن رجال عن حوضي». هذا الحديث يخبر أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أتى المقبرة -يعني لزيارة من فيها من الأموات، أو أتى المقبرة لشهود جنازة أو دفن ميت- فقال: مسلما على أهل القبور: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وقول: أتى المقبرة، المقبرة هي: محل دفن الموتى، هي محل دفن الموتى. وهذا الدعاء مما يشرع ويستحب عند زيارة القبور أن تسلم على من فيها بقولك: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وقوله عليه الصلاة والسلام: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». مؤمنين؟ هذا من حصول الموت والانتقال من هذه الدنيا والمصير إلى حياة البرزخ. فكيف يعلق هذا الأمر بالمشية؟ «وإن شاء الله بكم لاحقون». ذكر أهل العلم في ذلك أقوالا. ومن أظهرها: أن هذا من باب التبرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك من باب التبرك. «وإن شاء الله بكم لاحقون». وإن كان هذا أمرا محققا، لكن قال: «إن شاء الله» تبركا وامتثالا لأمر الله جل وعلا: «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله». وقيل: غير ذلك. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وددت أن قد رأينا إخواننا». فقال الصحابة رضي الله عنهم: «أولسنا إخوانك يا رسول الله؟» قال: «أنتم أصحابي». أنتم أصحابي، والمعنى: هذا أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ليسوا بإخوانه. الجواب: لا. لكن قوله: «أنتم أصحابي» يعني: لكم منزلة أعلى، لكم منزلة أعلى ممن يأتي بعدكم. فأنتم لكم شرف الصحبة؛ أنكم لقيتم النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه وهذه منزلة لا يعادلها شيء، لا يعادلها شيء، وفضل لا يعادله فضل. والصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك. فإذن: الصحابة لهم منزلة أعلى، هم إخوانه وأصحابه. ومنزلة الصحبة كما سمعنا أعلى. ولهذا قال: «أنتم أصحابي». لكن هناك من هو دونكم في المنزلة، وهم من يكون له شرف الأخوة ممن لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: «إخواننا الذين لم يأتوا بعد» -يعني من أهل الإسلام وأهل الإيمان-. فقالوا: «كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك؟» أمتك كثير، كيف تعرف ما تميزهم؟ قال: «أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة -يعني فيها بياض في نواصيها وفي قوائمها في أيديها وأقدامها- بين ظهري خيل دهم بهم -يعني خيل سوداء ليس فيها شية من البياض- قال: ألا يعرف خيله؟ ألا يميز هذه الخيل التي فيها بياض في نواصيها وقوائمها من الخيل التي هي كلها على لون واحد أسود؟» قالوا: «بلى يا رسول الله». قال: «فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء» -يعني أمته عليه الصلاة والسلام-. قال: «وأنا فرطهم على الحوض». ومعنى فرطهم: يعني يتقدمهم. الفرط: الذي يتقدم فيهيئ الحوض لمن أراد أن يشرب. ثم أخبر أنه يذاد رجال عن حوضه عليه الصلاة والسلام كما يذاد البعير الضال -يعني الضائع الذي يأتي إلى حوض من الحياض أو مع بعض الإبل الأخرى، وإذا أكل أو شرب أن يشرب من الحوض فيذاد ويبعد ويطرد-. وهكذا يفعل ببعض هذه الأمة. قالوا: ناديهم: «ألا هلم» -يعني تعالوا اشربوا من هذا الحوض-. فيقال: «إنهم قد بدلوا بعدك». قال: «فأقول: سحقا سحقا» -يعني بعدا بعدا-. هذا فيه كما مر: أن أهل البدع والأهواء ممن غير وبدل دين الله عز وجل وما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه ممن يبعد ويذاد عن حوضه عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم غيروا وبدلوا. وفيه كذلك دلالة على أن أهل السنة والجماعة من تمسك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام وعمل بها ولم يغير ولم يبدل، فهم أولى وأحرى الناس ممن يشرب من حوضه عليه الصلاة والسلام. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم منهم ممن يرد حوض النبي عليه الصلاة والسلام ويشرب منه شربة لا يظمأه بعدها أبدا. طيب الله صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.