التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 22

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

القناعة بالكفاف وتوزيع الأرزاق بحكمة إلهية

يشرح المقطع معنى قول أبي حاتم البستي: "كفى من العيش ما قد سد من عوز" مستدلاً بحديث النبي ﷺ أن من أصبح آمناً معافى عنده قوت يومه فقد أوتي الدنيا بحذافيرها، وبدعائه ﷺ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً". ويؤكد أن الزيادة على الكفاف فضل من الله إن جاءت بحلال، وأن تفاوت الأرزاق والدرجات بين الناس تقدير إلهي لحكمة التكافل والانتفاع المتبادل، فلا ينبغي التطلع لما في أيدي الآخرين بطرق محرمة.

القناعة والغنى الحقيقي

القناعة بما يسد الحاجة هي الغنى الحقيقي لأهل الفضل، وقد يكون الفقر خيراً للإنسان لأنه يدعو إلى التواضع وقبول الحق، بينما الغنى غالباً يورث الطغيان والترف. الغنى الحقيقي ليس بكثرة المال بل بغنى النفس والرضا بما قسم الله.

الحرص والقناعة مفتاح الفلاح والسعادة

يبيّن المقطع أن صاحب الحرص يبقى غضبان غير قانع حتى لو امتلك ثروة طائلة، بينما القانع بما رزقه الله يحقق الفلاح الحقيقي في الدنيا والآخرة. ويستدل بأحاديث النبوية التي تصف طمع ابن آدم وتؤكد أن المفلح من أسلم، ورُزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه، فالقناعة كنز لا يفنى وتورث راحة البال وانشراح الصدر.

عاقبة الطمع وعدم القناعة

من يطمع ويحرص على الزيادة دون قناعة بما آتاه الله يعيش في غضب وهموم لا يعلمها إلا الله. وختم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال أبو حاتم البستي رحمه الله في منظومته "عنوان الحكم": "كفى من العيش ما قد سد من عوز، ففيه للحر إن حققت غنيان". قال الشارع - فقه الله -: "كفى من العيش ما قد سد من عوز"، أن يكفي الإنسان فيما يتعلق بقوته العيش، وهو ما يقتاته الإنسان وما يحتاجه لقوته، يعني ما يعيشه ويسد به جوعته وحاجته. قال: "فيكفي من العيش ما قد سد من عوز"، أي سد من حاجة، يعني يكفيه الشيء الذي يكون به قوته وغذاؤه. وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح آمنا في سربه، عنده قوت يومه، معافى في بدنه، فكأنما أوتي الدنيا بحذافيرها»، وهو حديث حسن. «من أصبح آمنا في سربه» يعني في بيته، وفي قريته، وفي بلده. «معافى في بدنه» من الأمراض والأسقام. «عنده قوت يومه» ما يقتاته في هذا اليوم ويسد حاجته، «فكانما أوتي الدنيا بحذافيرها». قال: «عنده قوت يومه»، فإذا يكفيه ما سد من عوز، يعني ما يسد حاجته. وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»، أي ما يقتاتونه ويسد حاجتهم. ما زاد عن ذلك فهو فضله وزيادة. فإن تيسر للإنسان الزيادة على ذلك بغير ظلم، فلا حرج، فلا حرج في ذلك، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. والمقصود أنه إن تيسر للإنسان الشيء القليل الذي يسد به حاجته فهذا يكفيه، ولا يتطلع إلى ما هو زائد عن ذلك، وربما لا يتحصل عليه إلا بالطرق المحرمة، فلا ينبغي أن يتشوف لها وأن يتطلع لها. والله جل وعلا قد يعطي الدنيا لأناس، يفتح عليهم ويوسع عليهم، ويضيق على آخرين لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، فيعطي جل وعلا من يشاء ويمنع من يشاء، كما قال عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وهكذا أيضاً يقول جل وعلا: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. الله عز وجل جعل الناس درجات لينتفع بعضهم من بعض، جعل هذا غنياً وهذا فقيراً وهذا مسكيناً، وهذا عنده العمل الفلاني وهذا عنده العمل الآخر، ليسخر بعضهم لبعض في الانتفاع وينفع بعضهم بعضاً. وهكذا أيضاً في قوله جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾. الله فضل بعضكم على بعض في الرزق، هذا زاده وهذا أنقص عليه، كل ذلك بقدر الله سبحانه وتعالى. فإذا وجد الإنسان ما يسد حاجته فالحمد لله، يحمد الله على ذلك ويقنع بما أتاه الله سبحانه وتعالى. قال: "وزيادة، لكن الكفاية ما سد من عوز". يقول عليه الصلاة والسلام: «عنده قوت يومه»، أي طعام اليوم الذي هو فيه. قال: "ففيه للحر إن حققت غنيان". الحر عرفنا المراد به، وأنه المراد خيار الناس وأفاضلهم. فالحر فيما سد من عوز غنيان، أي يغنيه ويكفيه، ويجد أنه مغنٍ له وكافٍ له. "ففيه للحر إن حققت غنيان"، أي إن حققت في الأمر وتبصرت به، وجدت أن الحر من الناس، أي أهل الفضل والخير، يعتبرون وجود قوت الإنسان غنىً وكفاية، لأن ما زاد على ذلك فضلة، أي زائد عن قدر الحاجة. إذن: "كفى من العيش ما قد سد من عوز، ففيه للحر إن حققت غنيان"، يعني خيار الناس وأفاضلهم يغنيهم ذلك ويقنعون به، ويرضون بما قسم الله سبحانه وتعالى لهم. وربما كان ذلك خيراً للإنسان أن يكون فقيراً، فربما لو أغناه الله لطغى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. إذا أغناه أصابه الطغيان والترف والتكبر، فكونه فقيراً هذا خير له، كونه فقيراً هذا خير له. ولهذا تجد أن أكثر أهل الغنى أهل إعراض في الغالب، تجدهم من أهل البطر والترف والانهماك في الشهوات والمعاصي، إلا من رحم الله، إلا من رحم الله منهم. فربما كان الفقر للإنسان خيراً لهم من الغنى، لأن الغالب في الفقير المسكنة والتواضع وقبول الحق وعدم التكبر، فربما كان هذا الحال خيراً للإنسان مما لو أغناه الله سبحانه وتعالى. قال: "و ذو القناعة راضٍ من معيشته، وصاحب الحرص إن أثرى فغضبانه". قال: "و ذو القناعة راضٍ من معيشته"، يعني حتى وإن قلت ذات يده فهو راضٍ عن معيشته، لأن الغنى غنى النفس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس الغنى بكثرة العَرَض»، يعني عرض الدنيا، أموالها ومتاعها، «ولكن الغنى غنى النفس»، أن تكون غنياً في نفسك، قانعاً بما آتاك الله سبحانه وتعالى، هذا هو الغنى، هذا هو حقيقة الغنى. ليس يكون للإنسان متاع الدنيا وأموالها، ولها تجد أن بعض الأغنياء عندهم من الأموال الشيء الكثير، ومع ذلك ما عنده قناعة، ما عنده قناعة، يريد الزيادة ولو بطرق المحرم، ما يبالي، يريد أن يتزود من المال وأن يزيد غنى، فهو مع كثرة المال الذي في يده فقير، هو فقير، لأن حقيقة الغنى هو غنى النفس. قال: "و ذو القناعة راضٍ من معيشته"، يعني حتى لو كانت أموراً قليلة فهو راضٍ. "وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان"، الشخص الحريص على الدنيا والذي ليس له قناعة، حتى ولو كان ثرياً ثراءً فاحشاً، غضبان، ماذا؟ يعني غير مطمئن وغير راضٍ، وهي سخط، يرى أن ما عنده قليل، يريد الزيادة. ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لا تمنى وادياً آخر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له وادياً ثالثاً، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». يعني حتى يموت ويدخل القبر ويدفن، فهنالك يقنع من هذا التمني وهذا التشهي. فالإنسان الأصل فيه أن عنده الطمع، يحب الزيادة والكثرة، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى. قال: "فذو الحرص وإن أثرى فغضبان". ولهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول فيمن كان فقيراً وقليل ذات اليد لكن عنده قناعة: "إذا ما كنت ذا قلب قنوع *** فأنت ومالك الدنيا سواه لا فرق بينك وبين ملك الدنيا *** إذا كنت قانعاً". ترى هذا القليل كثيراً، ترى ما أتاك الله سبحانه وتعالى كثيراً وتقنع به، فتعيش براحة وطمأنينة وكذلك انشراح صدر، ربما لا يجد من عنده كنوز الدنيا لا يجد هذه الراحة، ممن عنده كنوز الدنيا. إذا القناعة كنز عظيم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه». هذا المفلح: من أسلم، وفقه الله للإسلام، فإذا لم يوفق للإسلام فهو خاسر، ولو كان عنده من الدنيا ما عنده. والأمر الثاني: رزق كفافاً، عنده ما يكفيه، عنده ما يكفيه ويسد حاجته. زد على هذا القناعة، لا بد من القناعة. قد يكون الإنسان عنده ما يكفيه لكن ما عنده قناعة، فهذا يتطلع إلى ما هو زائد عن ذلك، ويسعى إلى تحصيله ولو بطرق المحرمة: السرقة، والرشاوي، والكذب، والتزوير، إلى آخره. لكن القانع هذا هو المفلح، «وقنعه الله بما آتاه»، عنده قناعة ورضا بما قسم الله سبحانه وتعالى له، هذا مفلح، تحقق له الفلاح في الدنيا والآخرة. وهذا حديث عبد الله بن عمرو في مسلم، وحديث فضالة بن عبيد في السنن: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، ورزقه الله كفافاً وقنع». «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، ورزق كفافاً وقنع»، قنع بهذا الرزق وهذا الكفاف الذي آتاه الله، فهو مفلح. إذن هكذا ينبغي أن يكون المسلم: إذا آتاه الله عز وجل من العيش ما يسد حاجته، فليرضَ بذلك، وليقنع بما أتاه الله سبحانه وتعالى، وحينئذ يعيش في راحة وطمأنينة، وكذلك انشراح صدر، ويتحقق له الفلاح بإذن الله في الدنيا والآخرة. وأما إذا طمع وحرص على الزيادة، ولم يقنع بما أتاه الله، فسيعيش في غضب وضيق، وهموم وغموم، لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا القدر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.