شرح كتاب التوحيد 108

شرح كتاب التوحيد 108

الدرس في شرح كتاب التوحيد 108، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الغلو وتحريمه

الغلو هو مجاوزة الحد في الدين، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه لأنه يؤدي إلى الهلاك سواء كان هلاك الأديان أو الأبدان. الغلو محرم ويسبب الفساد في الدين والتغيير والتبديل في شرع الله.

أضرار الغلو وعلاقته بالهلاك

الغلو يؤدي إلى الهلاك سواء كان في الاعتقادات أو الأقوال أو الأعمال، وقد أدى إلى هلاك الأمم السابقة. التنطع هو نوع من الغلو ويتمثل في التعمق والتكلف في الكلام والأفعال.

صور الغلو ومظاهره

الغلو يشمل الاعتقادات والأقوال والأعمال، ويتجلى في تجاوز الحد في التعبد لله. المبتدعة يغالون في أفكارهم ويجعلونها دينًا لهم، مما يسبب الهلاك والفساد في الدين.

خاتمة وتأكيد على التحذير من الغلو

الغلو في الأشخاص أو العبادات أو الآراء والأفكار باطل ويسبب الهلاك، ويفسد الأديان والأبدان. أسأل الله أن ينفعنا بما قلنا ويصلي على نبينا محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في مسألة التحذير من الغلو، وقد مرت معنا الآيات وهكذا الأحاديث التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الصدد في التحذير من الغلو، وعلمنا أن الغلو هو مجاوزة الحد. وفي هذا الحديث الذي بين أيدينا، وهو قوله عليه الصلاة والسلام «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»، هذا الحديث رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، وهذا الحديث له قصة، وقصته أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمارات، أي التي يرمي بها الجمرات، فقام ابن عباس رضي الله تعالى عنه والتقط لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حصيات كحصى الخذف، وهي الحصى الصغيرة، تسمى حصى الخذف، بحيث يرمى بها بإصبعيك، تخذف بها. فأخذ نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الحصيات السبع ووضعهن في كفه، فقال عليه الصلاة والسلام «أمثال هؤلاء فرموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». فهذا الحديث، إخواني في الله، أنموذج حي يوضح فيه نبينا صلى الله عليه وسلم معنى من معاني الغلو. مع أن الحديث يتحدث عن مسألة رمي الجمرات، وأن المسلم والحاج خاصة لا يبحث عن الحصى الكبار كما نراه في مناسك الحج من بعض المسلمين، من ربما يأتي بالحصى الكبير لكي يرمي به، فهذا الحديث دل على أن الإنسان إنما يختار ما قل لأنه يؤدي الغرض. فقال عليه الصلاة والسلام «أمثال هؤلاء فرموا، وإياكم والغلو»، أي لا تتجاوز الحد، لا تتجاوز الحد في هذا الباب. فقال عليه الصلاة والسلام «فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو». والهلاك يحتمل أن يحمل على أمرين اثنين، إما على هلاك الأديان، وإما على هلاك الأبدان. فهلاك الأديان بمعنى الفساد، وهلاك الأبدان بمعنى العذاب. فعلى القول الأول «إنما أهلك من كان قبلكم الغلو» أهلك أي الذي أهلك دينهم، فأصابه بالفساد وبالانحلال والانحراف، فغيروا معالم الدين، إنما كان ذلك بسبب غلوهم، بسبب غلوهم ومجاوزتهم، فحصل التغيير وحصل التبديل، كما نرى في الأمم السابقة، أولئك الذين غلوا في أنبيائهم، أو قل غلوا في رهبانهم وأحبارهم، حتى أصبحوا يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، غلو في الصالحين وفي الأحبار والرهبان لدرجة التغيير والتبديل لشرع رب العالمين، هذا فساد في الأديان وهلاكها. فأديانهم إنما هلكت بالغلو، هذا المعنى الأول. أو يحمل المعنى الثاني في الهلاك بهلاك الأبدان، أي بمعنى العذاب، أي أن الله ما عذبهم بأن أنزل سبحانه وتعالى عذابا من السماء إلا بسبب هذا الذنب وبهذا الجرم، عاقبهم الله، عاقب ماذا؟ عاقب أبدانهم، عاقب أجسامهم، فكان بسبب الغلو هلاكهم، بسبب الغلو كان هلاكهم، فهلكوا، أنزل الله عز وجل عذابا من عنده جل وعلا. إذن قوله عليه الصلاة والسلام «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» يحمل هنا الهلاك إما على هلاك الأديان، وإما يحمل الهلاك هنا على هلاك الأبدان. وهذا الحديث، إخواني في الله، فيه إشارة واضحة لتحريم الغلو، وذلك من جهتين: من قوله عليه الصلاة والسلام «إياكم» أي احذروا، فحذر نبينا صلى الله عليه وسلم من هذه الظاهرة. وأيضا الوجه الثاني أنه سبب للهلاك «أهلك»، فمن أراد أن يتعرض للهلاك فليدخل في باب الغلو، والعكس بالعكس، من أراد السلامة والمعافاة في دينه وبدنه فلينأ بنفسه عن الغلو، فلا يغلو في دين الله جل في علاه. وفي قوله رحمه الله «ولمسلم» أي في صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا. وهذا النص وهذا الحديث إما أنه خبر بمعنى أن الهلاك حاصل وقد حصل في حق من غلا وتنطع، فهو هلك لا محالة، وإما أنه دعاء، فهي إما جملة خبرية وإما أنها جملة دعائية، أي «هلك المتنطعون» أي أن الله سيصيب من غلا في دينه وتنطع سيصيبه بالهلاك. والتنطع كما قال العلماء هو التعمق في الشيء، وهو نوع من أنواع الغلو، فلا تتنطع. وحتى أدخل العلماء التنطع حتى من حيث الكلام والنطق، فمن التنطع مثلاً ما يفعله بعض الناس أنه يتشدق في كلامه ويتشدق في عباراته، تجد إذا تكلم يتكلف الكلام، لماذا يتكلف حتى يظهر على أقرانه؟ هذا التنطع. أو كذلك ما ذكره العلماء من صور التنطع في الكلام استخدام وحشي الكلام، أن يأتي بكلمات قليلة الاستعمال ما أحد يستعملها فيأتي بها ويجعلها على لسانه حتى يتميز بين الناس أنه قد أوتي فصاحة، هذا التنطع، فلا يفعل ذلك. وانظر إلى علمائنا، مع أن الله قد آتاهم فصاحة وعلماً بعلوم اللغة، لكنهم يتحدثون مع الناس بما يعرفونه وبما يعقلونه، لا يعبرون بالكلمات الوحشية الغريبة النادرة التي يصعب فهمها، هذا من التنطع. فالشاهد إخواني في الله أن التنطع سبب من أسباب الهلاك. فهذا الحديث والذي سبق يدل على أن الغلو في أي باب، سواء كان في باب العبادات، في الذي يختار رمي الجمار من الحجارة الضخمة قد وقع في الغلو، أو ذاك الذي يتشدق في كلامه قد وقع في الغلو. وبهذا تعلم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله أن الغلو عام في الاعتقادات والأقوال والأعمال والأحوال في كل شيء، فلا تتجاوز الحد يا عبد الله، حتى في تعبدك لله، الشرع جعلك حدا فلا تتجاوز الحد. رأى نبينا صلى الله عليه وسلم رجلا يمشي قد أنهكه التعب، فسأل عنه، قالوا: يا رسول الله، إنه نذر أن يحج ماشيا. نذر أن يحج ماشيا، هل نذر في الحج ماشيا خصيصا أو لها فضيلة؟ هذا ليس لها خصيصا وليس لها فضيلة، بل هذه كلفة على النفس. فلما رأى نبينا هذا الجهد الذي بذله هذا الرجل، قال عليه الصلاة والسلام «مروه فليركب، مروه فليركب، إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني، إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني». لا داعي أنك تذهب هذه المسافات وعندك الذي تركبه، هذا من الغلو، تجاوز الحد. وعندما دخل المسجد فوجد حبلا ممدودا، فسأل عن هذا الحبل، قالوا: يا رسول الله، إنه حبل زينب، تصلي الليل فإذا تعبت، تعلقت به. تعبت من طول القيام ما أرادت الجلوس وما أرادت الانصراف، فتعلقت بالحبل. قال عليه الصلاة والسلام «حلوه، حلوه، وليصلي أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد، فإذا فتر فليرقد». فالإسلام، إخواني في الله، جاء بالدين العدل، هذه لا كلفة فيه ولا مشقة. فعلى ما تدخل العنت يا عبد الله في دينك؟ فلا يجوز مجاوزة الحد في التعبد لله عز وجل. وهكذا قل في الآراء والأفكار، وهذا الذي وقع فيه المبتدع، على حد سواء، ما من مبتدع ضلال إلا وابتلي بهذا النوع من أنواع الغلو، ولا ولا بد، لأنه ما أصبح مبتدعا إلا بأفكاره. ذاك الذي يرى الإرجاء، وذاك الذي يرى سفك الدماء، وذاك الذي يرى التجهم، وذاك الذي يرى التجسيم، وذاك الذي يرى التمثيل، وذاك الذي يرى التحريف، وذاك الذي يرى التعطيل لأسماء الله وصفاته، وهم شاربون، ثم بعد ذلك بعدما تلذذوا بهذه الفكرة جعلوها هي دينهم، يقاتلون ويناضلون ويوالون ويعادون لأجلها. هكذا المبتدعة، حتى في هذه البدع الطرقية، لربما يناضل من أجل هذه البدعة، يوالي عليها، بل يجعل أن من فعلها هو المحب لله والرسول، ومن تركها التارك لمحبة الله ورسوله، ولربما أفنوا الأعمار وبدلوا الأموال في سبيل هذه البدعة. وبالمقابل، والله ما فعل هذا مع دين الله، لا مع فرائضه ولا مع واجباته، بل هم من أكسل الناس، لكن في بدعتهم عندهم غلو مجاوز للحد، يمتحنون الناس ببدعتهم، كما فعل أصحاب فتنة محنة خلق القرآن عندما امتحنوا الناس على هذه البدعة، غلو. وهكذا قصة عبد الله، ما من مبتدع إلا وغلا في بدعته، هذا من الغلو في الأفكار. فالشاهد إخواني في الله أن الغلو بشكل عام، سواء كان في الأشخاص أو كان في العبادات والطاعات أو كان في الآراء والأفكار والمناهج، كل ذلك باطل، بل هو سبب للهلاك، به تفسد الأديان، وكذلك به هلاك الأبدان. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.