شرح كتاب التوحيد 111

شرح كتاب التوحيد 111

الدرس في شرح كتاب التوحيد 111، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من اتخاذ القبور مساجد وسبب لعن اليهود والنصارى

النبي محمد صلى الله عليه وسلم حذر من اتخاذ القبور مساجد، ولعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، مما يدل على عنايته بأمر التوحيد.

صور وأشكال اتخاذ القبور مساجد

العلماء فسروا اتخاذ القبور مساجد بأنه يشمل الصلاة على القبر أو إليه، البناء عليه، وتحري العبادة عنده، وهي أفعال محرمة وتدخل في اللعن.

تأكيد تحريم التعبد عند القبور

اتفق العلماء على تحريم التعبد عند القبور، حتى لو كان القصد التقرب إلى الله، لأن ذلك يخالف النهى الشرعي وقد يعتبر شركًا أو بدعة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلزمنا في هذا الباب، والذي بواب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟» ومر معنا بالأمس ما جاء في حديث أم سلمة حول كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من التصاوير، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذلكم أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلكم الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: «ولهما عنها»، أي في البخاري ومسلم عنها، أي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله أو لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا». هذا الحديث من الأحاديث الدالة على ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى من التغليظ والتحذير فيمن عبد الله عند قبر. وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «لما نزل»، الفعل مغير الصيغة، والمراد من ذلكم لما نزل، أي لما نزل ملك الموت وأعوانه على رسول الله عليه الصلاة والسلام. لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق، أي جعل يطرح خميصة له على وجهه، والخميصة هو الكساء الذي فيه وعليه أعلام. قال: «طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها»، وهذا إشارة إلى ما كان يعانيه ويقاسيه عليه الصلاة والسلام من سكرات الموت. فدل أن هذا الحديث في الرمق الأخير من حياته عليه الصلاة والسلام، وذلك في مرض موته. قال: «طرحا فكان يجعل الخميصة العباءة أو الغطاء على وجهه، فإذا اغتم أراد أن يتنفس كشف عن وجهه». قالت: «قال وهو كذلك»، ورجعت الأمر إلى ما يكون في الأذهان كيف سيكون حاله في تعب وفي شدة. صلوات ربي وسلامه عليه. قال: «فقالت وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى». واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله الخاصة. وهذه الجملة «لعنة الله على اليهود والنصارى» تحتمل أنها خبرية دعائية أن الله يلعنهم بما كان من فعلهم، أو أن الله قد لعنهم خبرية أن الله قد لعنهم، أو أن النبي يدعو عليهم بأن الله يلعنهم بما كان من فعلهم. وكلمة اللعن تدل على أن هذا الأمر من كبائر الذنوب ومن عظائم الأعمال، لأن الكبيرة كل ما تبعد عليه صاحبه بوعد بنار. بلعن كهذا الحديث «لعنة الله على اليهود والنصارى». وفي هذا الحديث كذلك من الفوائد المهمة ما كان من عنايته عليه الصلاة والسلام بأمر التوحيد، وهو في الرمق الأخير. معتنى نبينا بأمر كاعتنائه بتوحيد الله أولا وآخرا، في بداية الدعوة في منتهى. وها هو ينازع الموت عليه الصلاة والسلام، وجعل نصب عينيه قضايا التوحيد، بحما حما والذب عنه والمنع لكل ما يقدح في توحيد الله أو ما يكون فيه القدح في كماله. كهذه المسألة، إذ أن بناء القبور، بناء المساجد على القبور من ذرائع الشرك. لهذا اهتم نبينا بهذا الاهتمام وبهذه النصيحة «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وسيأتي معنا أنه لا فرق بين أن المسجد يبنى على قبر أو أن القبر يدخل إلى المسجد، فكل ذلك يدخل في حكم المسألة يدخل في اللعن. سواء كان المسجد هو الذي بني على قبر أو أن القبر هو الذي أدخل إلى المسجد، فكل ذلك يدخل في اللعن. وقد نبه العلماء رحمهم الله تعالى في قوله عليه الصلاة والسلام كهذا الحديث، وما شابهه من الأحاديث باتخاذ القبور مساجد، أن ذلك يحمل على عدة صور ليست صورة واحدة كما يظن الكثير من الناس. ولهذا العلماء في كتب التوحيد وما يتعلق بأحكام الجنائز يفصلون في هذا الحديث بذكر الصور التي يكون بها صاحبها قد اتخذ القبر مسجدا. من أوائل هذه الصورة أن يتخذ القبر مصلى يصلى عليه، أن يتخذ القبر مصلى ومحلا للسجود. وقد أشار إلى ذلك ابن حجر الهيثم رحمه الله تعالى في الزواجر، فتحدث عن هذه الصورة فقال: «واتخاذ القبر مسجدا معناه الصلاة عليه أو إليه». يهمنا الصلاة عليه، وصورته أنه يفترش القبر ويأتي على القبر ويسجد على القبر مباشرة. وهذا من أفضع الصور ومن أشنعها ومن أقبحها. ويؤيد هذا المعنى من التحذير في السنة النبوية ما جاء من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، رواه الطبراني بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصل إلى قبر ولا تصل على قبر ولا تصل على قبر». وهذا الحديث يحسنه العلامة الألباني رحمه الله. هذه الصورة الأولى. الصورة الثانية من اتخاذ القبر مساجد: الصلاة إليها، بأن تجعل القبر يا عبد الله بينك وبين القبلة. القبلة أمامي وهذا قبر فاجعله بيني وبين القبلة. أتحرى هذا؟ أتحرى هذا؟ وقد جاءت الأدلة على ذلك ما جاء ذلك في صحيح مسلم من حديث مرفد الغنوي، من حديث أبي مرفد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها». فلا تصل إلى جهة القبر. والمرة معنا في درس أمس ما يتعلق بأثر عمر رضي الله تعالى عنه عندما رأى أنسا يصلي بإزاء قبر، فنادى فيه: «القبر القبر». عند عبد الرزاق قال: «أردت أن أقول: القبر لا تصل إليه». فقال: «القبر القبر». فقال أنس: «فرفعت رأسي إلى السماء، حسبته يقول: القمر القمر». وهذا حذر رواه البخاري معلقا، لكن جاء موصولا عند عبد الرزاق. فهذه من الصور كذلك المنهية، وهي تدخل في اتخاذ القبر مساجد أن تجعل القبر في جهة سجودك وصلاتك وأنت تصلي. الصورة الثالثة من اتخاذ القبر مساجد: البناء، أن يبنى على القبر مسجدا، أن تشاد المساجد تشاد تشاد البيوت، وهي بيوت الله تشاد على قبر. أن تشاد على قبر، وهذا للأسف مما نجده في هذه الأزمان، لربما أن بعض الناس ممن حرموا التوفيق، وخاصة من أرباب الأموال، لربما تعرض عليه المساجد والبقاع لكي يقوم بتشييدها، لكن قبل أن ينظر إلى البقعة يبحث عن قبر حتى يشاد مسجده. سبحان الله، حرمان هذا من الحرمان العظيم. يبحث عن مكان يجد فيه ليس الأجر، يجد فيه اللعنة «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فهذه الصورة الثالثة، وهو أن تتخذ القبور مساجد، وذلك بالبناء عليها. ويدل على ذلك ما سيأتي في حديث الباب، وكذلك ما جاء من حديث عبد الله بن مسعود: «إن من شرار الخلق عند الله من تقوم عليهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». فهذه الصورة الثالثة. هناك صورة رابعة كذلك أشار إليها العلماء، وهي مما تدخل في اتخاذ القبور مساجد، وهي أن تتحرى العبادة والتعبد عند القبر. وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن تتحرى العبادة والتعبد عند قبر، كحال بعض الناس إذا أراد أن يتنفل يحرص أن يكون تنفله عند قبر. بل إن بعض الناس إذا أقيمت الصلاة في بعض الجوامع يتحرى أن يصلي في مسجد فيه قبر، لماذا؟ لأنه يرى أن هذا المسجد فيه من القدسية والقداسة ما ليس في غيره من المساجد. من أين جاءت القدسية؟ يقول: ببركة هذا الميت. سبحان الله، بركة؟ بركة يا عبد الله أمنها سخط وغضب من الله. لكن الله يطمس على من شاء من عباده ممن حرموا التوفيق والتوحيد. فمن الناس من يتحرى أن يتعبد الله عند قبر، حتى أن من الناس من ربما إذا أراد أن يقرأ قرآنا أتى عند قبر. بل وقد وجدت هذا في نفسي، بل وجدت بنفسي عندما كنا في بلادي كنانة في مصر، فمررنا على مسجد جامع المساجد مسجد الحسين على ما أذكره. فكانت هناك غرفة وفيها تابوت، فإذا بنا ستعبدون الله عند هذه الغرفة في داخل الضريح عند الضريح، فمنهم من يقرأ القرآن، ومنهم من يتحرى الدعاء. هذا من اتخاذ القبور مساجد، يوجد هذا. وهذا مما ذكر العلماء أنه يدخل في النهي. وقد اتفقت كلمة العلماء على التحريم لهذا الفعل الشنيع أن تتقصد القبور لكي تتعبد الله فيها. فهذه أربع صور مما تدخل في اتخاذ القبور مساجد. ثم قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «قال: وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا». يحذر ما صنعوا، أي أن النبي يحذر من هذا الصنيع. فدل على أن هذا الذي تلفظ به نبينا ليس فقط حكاية عن حال اليهود والنصارى، بل أراد منه نبينا أن يوصل حكما شرعيا للأمة، وأن هذا الفعل وهذا الحكم ساري المفعول، فهو يحذر أمته من عدم الوقوع في الذي وقعوا فيه من كان قبلنا. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «يحذر ما صنعوا»، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قالت: «ولولا ذلك لأبرز قبره»، وهذا من كلامها رضي الله تعالى عنها. ولولا ذلك، لولا أنه خشي من أن تفعل أمته ما فعلت اليهود والنصارى بأنبيائهم، أنه يتخذ قبره مسجدا، فماذا فعل؟ فخشي من إبراز قبره. فماذا كان الذي قد علم؟ وقد علم الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في غرفته، ما أخرج إلى البقيع، هناك مقبرة مقبرة أهل المدينة البقيع، ما من صحابي يموت في المدينة إلا ودفن في البقيع، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن في غرفته. لماذا؟ حماية، حصانة، رعاية، عناية لمقام التوحيد. خشي عليه الصلاة والسلام أن يفعل معه كما فعلت اليهود والنصارى مع أنبيائهم. فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا». خشي عليه الصلاة والسلام من ذلكم، فما فعل ذلك. وهذه كذلك من أحد الأسباب التي لأجلها دفن نبينا في غرفته وفي حجرته في حجرة عائشة. وهناك سبب آخر ذكره الصديق رضي الله تعالى عنه: أن الأنبياء تدفن حيث تقبض، أن الأنبياء تدفن حيث تقبض، أي في أماكنها التي تقبض فيها الأرواح. فالحاصل إخوانا في الله أن هذا الحديث فيه إشارة لما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح. فالنبي نهانا عن بناء المساجد على القبور، كما نهي اليهود والنصارى من بناء كنائسهم على أجداث الأنبياء والرسل. فكل ذلك مما نهي عنه. ومع أن الفاعل لذلك لربما أراد أن يتعبد الله، لكن لما كان ذلك بإزاء وبجوار قبر نهينا عن ذلك. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.