الدرس في شرح كتاب التوحيد 113، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث النبي حول شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد وتحذير من يفعلون ذلك. نبينا حذر من بناء المساجد على القبور لما فيه من مضاهاة لدين الله وتشبه باليهود والنصارى.
يناقش المؤلف مسألة وجود قبر الرسول في المسجد النبوي ويوضح أن المسجد والقبر كيانان مستقلان. المسجد بني في حيز خال من القبور ودفن النبي في بيته في حجرة عائشة.
يُناقش المقطع توسعة المسجد النبوي في عهد الوليد بن عبد الملك ويُوضح أن التوسعة كانت بفعل السلطان ولم يتم إدخال قبر النبي إلى المسجد بل أدخلت الحجرة كاملة وبقيت مستقلة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا، أي مرفوع لرسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». قال: ورواه أبو حاتم في صحيحه. ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبد؟ ختم هذا الباب بهذا الحديث، وهو ما ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من شرار الناس» -شرار الناس، وهو جمع الشرير، وهو الذي قد بلغ من الشر مبلغًا عظيمًا- وفي قوله عليه الصلاة والسلام «شرار الناس» دل على أن الشر يتفاوت، كما أن الناس في الصلاح يتفاوتون، وفي الهداية يختلفون، كذلك هم في باب الشر والأذية يتفاوتون، فهناك من هو الشرير، وهناك من هو أشر منه. فأخبر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بقوله: «إن من شرار الناس»، أي الذين قد بلغوا من الشر مبلغًا عظيمًا من هم؟ أشار عليه الصلاة والسلام إلى صنفين اثنين، قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء». تدركهم الساعة، أي المقدمات لقيام الساعة، من طلوع الشمس من مغربها، من خروج الدابة على الناس، هذه مقدمات الساعة، إذ إن هذه المقدمات لا تظهر إلا على شرار الخلق عند الله، ما تقوم الساعة وتأتي هذه المقدمات إلا عند من بلغ من الشر مبلغًا عظيمًا. قد جاءت في ذلك الروايات حتى إنهم يتهيجون في الأسواق ويتناكحون كما تفعل الدواب بعضها مع بعض، وتعبد الأصنام والأوثان. أما أهل الإيمان، فالله عز وجل يرسل تلك الريح التي تقبض الأرواح، فقط أهل الإيمان والإسلام، لا يعيشون في هذه الحقبة الزمنية المليئة بالشر، بل ربنا عز وجل يتغمدهم برحمته فيقبض أرواحهم، فيبقى الأشرار يعيثون في الأرض، فسادًا، عليهم تقوم الساعة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء». قال: «والذين يتخذون القبور مساجد». وهذا الحديث، إخواني، فيه إشارة إلى الذنب الشديد والوعيد الأكيد والتوبيخ والتقبيح لهذا الصنف من الناس، من يخالف هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فيتعمد بناء المساجد على القبور. وقد أسلفنا وأشرنا إلى صور اتخاذ المساجد على القبور، إما بالصلاة عليها، وإما بالصلاة إليها، وإما بالتعبد لله عندها، وإما ببناء المساجد والبنيان عليها، كل هذه الصور من اتخاذ القبور مساجد. فمن ابتلي بشيء من هذه الصفات، فليعلم أنه ما أحسن العمل، بل قد وقع في شر الأوصاف، فهو من شرار الخلق عند الله. فعليك، يا عبد الله، أن تبتعد عن هذه الخصلة الذميمة، ولا تقلد فلانًا ولا فلانًا، ولا تبال بما عليه عامة الناس، بل عليك بما أثر عن نبيك عليه الصلاة والسلام. قال: «والذين يتخذون القبور مساجد». بهذا الحديث، إخواني في الله، انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من هذا الباب، والذي ساق لنا الأدلة من السنة النبوية الدالة على حرمة هذا الفعل، وعلى عدم جواز اتخاذ المساجد على القبور. وهنا أختم بمسألة، وهي محل إشكال عند أهل الإسلام والإيمان، وهي كذلك محل شبهة عند مرضى القلوب والأفهام، ألا وهي مسألة وجود قبر الرسول عليه الصلاة والسلام في المسجد النبوي، هذه نعم مشكلة، كثير من الناس ربما يشغل باله هذا الأمر، يسمع الأحاديث الصارمة الواضحة بالمنع من اجتماع قبر مع مسجد. قد يقول قائل: والذي نراه في المسجد النبوي، القبر داخل المسجد، القبر داخل المسجد، فكيف العمل؟ كيف الحال؟ خاصة أننا نجد من يعظم القبور من أهل البدع والضلال يجد أن هذا مسلكًا له ومسوغًا له في أنه يمضي قدمًا ببناء المساجد على قبور الصالحين والأولياء، كما نرى في هذه الأزمان. الرد، إخواني في الله، على هذه المسألة يعود إلى عدة مسائل ينبغي أن تفهم حق الفهم حتى لا يقع اللبس والخلط. المسألة الأولى: النظر إلى المسجد، مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، بني في حيز، في مكان، ليس في داخله قبر، بالاتفاق والإجماع. وكيف يبنى على قبر وهو حي عليه الصلاة والسلام؟ حي هو الذي بنى بيده، بنى هذا المسجد بيده، بإعانة من أصحابه، فبنى المسجد النبوي الموجود في المدينة، ولازال قائمًا، إذًا تجد أن المسجد كيان مستقل، خالي عن القبور. النظر الثاني: النظر في قبره عليه الصلاة والسلام، أين قبره؟ مر معنا في دروس قريبة على أن النبي عليه الصلاة والسلام دفن في بيته، تحديدًا في حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها، وهذا لما صح عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عندما تنازع الصحابة في محل دفنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الأنبياء تدفن حيث تقبض»، فالمكان الذي مات فيه نبينا أبعد عنه، ثم حفر ثم وضع فيه عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك في حجرة عائشة، في بيته، ما كان هذا في مسجده، هذه مسألة ثانية. إذًا عندي مسجد مستقل خالي عن القبور، وعندي قبر ما أدخل عليه مسجد، هذه الصورة واضحة. الآن الصورة واضحة، فما عندي أن المسجد بني على قبر، ولا عندي أن القبر أدخل إلى داخل المسجد، كل بكيانه وفي سلطانه، هذا المسجد في أرضه، والقبر النبوي في بيته. وسنرجع لهذه المسألة. الثانية، الثالثة، يقال: إن الذي وقع وما كان من التوسعة إنما كان ذلك بانقراض أكثر الصحابة، حتى لا يدعي أحد أن هذه المسألة تمت باتفاق الصحابة، هذا كذب، بل وقعت في عهد الوليد بن عبد الملك، عندما أراد أن يوسع المسجد، هذه بغيته، أراد أن يوسع المسجد، ما أراد البركة كما يدعي أهل القبور وأصحاب التمسح بالتراب والأتربة، إنما أراد الوليد أن يوسع المسجد لكثرة الناس، فاحتاج هنا أن يوسع جهة المشرق، فصار الذي صار. هل كان هذا برضى الصحابة؟ لا، مع انقراض أكثرهم، من بقي رفض هذا، كذلك حتى من التابعين، كما نقل عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه كان ينكر هذا الصنيع. ويليتهم تركوا البيت وحجر على ما هي عليه من غير مساس ولا تغيير، إدخال فقد حصل هذا، لكن كما قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى عندما ذكرت له هذه المسألة: «هذه مسألة سياسية لا دليلية»، هذه مسألة سياسية لا دليلية، أي هذه بدخول دولة كاملة، دولة أرادت أن تعمل عمرًا، ما الأمراء والسلطان عندما ألزموا الرعية بهذا الفعل؟ إذًا هذا ليس دليلًا شرعيًا حتى يستدل به، فالأمر سياسي لا دليلي كما قال الصنعاني، والمسألة سياسية لا دليلية، فلا يحتج بها أحد، إذ إن هذا من فعل السلطان والأمراء اجتهدوا، أخطأوا في هذا الاجتهاد. الأمر الثالث: إذا علمنا الذي صار، ما الذي إذن وقع في التوسعة؟ عندما أراد الوليد بن عبد الملك أن يوسعه، هل أدخل القبر؟ لا، أدخل الحجرة كاملة، أدخل الحجرة كاملة، وحجرة لا زالت إلى الآن مستقلة، ومن ذهب إلى تلك الرحاب الطاهرة يرى تلك الحجرة كاملة، أدخلت وبقيت على حالتها، وقام من قام من تلك البلاد ببناء ثلاثة جدران، وجعلت الزاوية مثلثة حتى لا تستقبل كل ذلك في حمى قبر النبي عليه الصلاة والسلام. فهل بعد هذا كله إذا علم شخص بداية هذه المسألة، ثم يقول لي: أنا، يا عبد الله، أنا سأبني مسجدًا على قبر الولي الفلاني أو الحبيب الفلاني؟ قل له: اتق الله، لماذا؟ قل له: أخي، تأسيًا برسول الله، أن يسعفه الاستدلال؟ لا والله، ما يسعفه، لأنه كما قلنا: ما عندي قبر أدخل إلى المسجد، ولا عندي مسجد أدخل إلى القبر. ولهذا فتوى العلماء في حالة اجتماع القبر مع المسجد، إما بهدم المسجد، وإما بنبش القبر. دعونا نرى الآن كيف سنفعل في المسجد النبوي؟ هل سيهدم المسجد؟ الجواب: لا، لأن المسجد في بقعته ما يهدم، ينبش القبر؟ لا، ما ينبش القبر لأنه في حجرته، لأنه كل واحد في مكانه، إنما يحتاج إلى فصل، ترجع الأمور إلى ما كانت عليه، هذا المراد. وبهذا تعلم أنه ما تم إدخال شيء على شيء، ولا بناء شيء على شيء، ففهم، يا عبد الله، هذه المسألة، فإذا فهمت حق الفهم، أزال الله عنك هذا اللبس، وكان في ذلك أعظم ردع لمن يسوي لنفسه ويسوي لغيره المعارضة والمصادمة لدين الله جل وعلا. إذا هذه النصوص الكثيرة التي مرت معنا في هذا الدرس، والتي فيها يحذر نبينا صلى الله عليه وسلم من التعمد في بناء مسجد على قبر، فإن ذلك من مضاهاة دين الله، بل إن فاعله من شرار الخلق عند الله جل وعلا. فعلًا نكتفي بهذا، ونسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.