الدرس في شرح كتاب التوحيد 114، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية احترام القبور وحرمتها، ويحذر من انتهاكها والإفراط في التعامل معها. يشير إلى أن الإسلام كرم الإنسان حتى بعد وفاته.
يناقش آداب دفن الموتى وتشييد القبور وفق الشريعة الإسلامية، ويبين ضوابط بناء القبور وتمييزها. يرى الإمام الشافعي عدم زيادة التراب على القبر إلا ما أخرج منه.
يبين حكم الشرع في هيئة القبور وبناء المساجد عليها، ويذكر أن الفقهاء متفقون على النهي عن ذلك. يورد الأدلة على هذا الحكم الشرعي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان ختام المجلس فيما أورد المؤلف رحمه الله تعالى من الأدلة الدالة على التغليظ فيمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد. وتتم لهذا المبحث، إخواني في الله، ونختم كذلك به هذه المقامات بمسألة ينبغي أن يفهمها كل مسلم ومسلمة، ما يتعلق بمسألة القبور وما هو الواجب إزاءها واتجاهها. وأعني هنا واجبنا اتجاه القبور من حيث الحفاظ على الشكل الخارجي، وإلا مسائل الجنائز وما يتعلق بها كثيرة، متنوعة، متعددة، ولست في مقام ذكرها، وإنما حسبنا في هذا المقام الإشارة إلى ما الذي ينبغي على الإنسان أن يفعله مع القبر. إذ أن الناس في هذا الزمان هم بين إفراط وتفريط إزاء القبور، بين إفراط وتفريط. فمن الناس من يفرط في مسألة القبور حتى يصل لدرجة الإهانة، لدرجة الإهانة، حتى إن بعضهم لربما يجعل القبر مثل الأرض مستويًا حتى لا يعرف أن هذا محلا قبر، ثم تجد بعد ذلك من يدوس عليه. وقد حذر نبينا من وطء القبر، فالقبر لا يوطأ، لكن تجد من الناس من يدوس على القبور، إما وهو يعلم أو لا يعلم، إما يعلم تعنتًا وتعمدًا أو لا يعلم لأنه مخفي. فهنا لا بد أن تحترز القبور من أن تداس أو تهان، بل حتى وجدنا أن في بعض المناطق أصبحت المقابر محلا مرور المارة. مثل مقبرة كبيرة تفصل بين الأحياء، فيحتاج الناس إلى الاختصار على حساب أن يجعلوا في القبر أو المقبرة ممر مشاه، وذلك عن طريق الدوس على القبور حتى أصبحت أرضًا متهتكة. هذا لا يجوز، منهي عنه. ومنهم من يجعله ممرًا للسيارات والمركوبات، بل حتى في بعض الأماكن - وهي فتاوى رفعت لبعض أهل العلم - من يجعلها ملاعب، لكثرة الدوس والإهانة على هذه القبور، أصبحت ملاعب. كل ذلك إهانة، تفريط، تفريط في حق مقابر المسلمين. ومنهم من لربما يعتدي على ملكية القبر، فتجد أن من الناس من يحفر أو يبني قطعة أرض بجوار مقبرة، فإذا بالساس الذي يحفره فيه رفات وفيه جثمان إنسان، فإذا به بلا مبالاة يأتي إلى هذه العظام فيلملمها ويرميها، ثم يستكمل البناء. هذا لا يجوز. إذا عثرت يا عبد الله على وجود جثة، وتأكدت أنها لمقبرة، إذن يعلم أن هذا سلطانه، فلا يتعدى عليه. هذا بيته، كحالك إذا أردت أن تعتدي على ملك رجل حي، لا يجوز هذا اعتداء وعدوان. كذلكم الأموات، كونك يا عبد الله تبني في أماكنهم، إلى أن تصل حتى أن تنبش قبورهم، هذا لا يجوز. وثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث ابن عباس، وهو في الصحيح المسند: «كسر عظم الميت ككسره حي». كسر عظم الميت ككسره حي، إذا كان كسر عظام الأحياء مما يؤثر فيهم سلبًا، كذلكم كسر عظام الأموات، فلهم حرمة، لهم حرمة. فالحاصل أن هذه القبور، إخواني في الله، ينبغي أن يعطى قدرها ويعطى حظها. وهذه من نعمة الإسلام، والله، من نعمة الإسلام. هذه الخصلة فقط، لو أن الإنسان نظر إلى سماحة الإسلام في كيفية الإجلال والإعظام لأموات المسلمين باتخاذ المقابر، لكفاها نعمة. انظر يا عبد الله إلى حال الأموات في بلاد الكفار، سُلبت قبورهم، سُلبت جثثهم، ما الذي يفعل بها؟ أصبحت بلاد الكفار في نهاية المطاف مثل هذه الأزمان يبيعون الجثث حتى تحرق. ما عندهم مساحة، ما عندهم قبر، بل ترسل الجثث إلى بعض المصانع وهي محرقة صممت خصيصًا هذه المحارق لحرق الجثث. فمن مات عليه عزيز أو قريب، مات عليه أب أو أم، أرسلها إلى المحرقة فتحرق، ثم بعد ذلك إذا أصبحت رفاتًا جمعًا شتات أمرها، وجثتها في قارورة، يقول: امسك هذه جثة أمك، وجثة أبيك. ما يحتاج إلى قبر، إلى مقبرة. هذا الذي وصل به الآن في دول أوروبا وأمريكا، هم الآن يعملون هذا بكثرة لأن القبور عندهم غالية بآلاف الدولارات، ما يستطيعون عليها، فلجأوا إلى الحرق، إلى غير ذلك من الأمم الضالة التي أهانت موتاها. أما في الإسلام، فربنا عز وجل كرم الإنسان حيًا وميتًا، ففي موته كرمه الله بهذه المقابر، يعطى له القبر، وهذا القبر ينبغي أن يصان عن الإهانة. ولهذا كان من شريعة الإسلام في المقابر أن القبر يعرف، يعرف بأن يرتفع نوعًا ما حتى لا يطأ ولا يداس ولا يهان، أو أن يتخذ محلاً لقضاء الحاجات. وقد حذر نبيه ونهى عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث عقب بن عامر، جاء النهي الأكيد عن اتخاذ المقابر محلاً لقضاء الحاجات. للأسف كما نجدهم من بعض الناس ممن لربما إذا جاءته حاجة، فإذا به يلتجئ إلى أن يتسلق أسوار المقابر ثم يقضي الحاجة. هذه كبيرة، كبيرة من كبائر الذنوب. فالإسلام راعى حق المسلم وهو ميت، فأنشأ له قبرًا، وهذا القبر جاءت السنة إما أن يكون مسنمًا على شكل سينام، وإما أن يكون مربعًا، قيل: هذا وهذا مما صحت به الآثار، يكون إما مسنمًا وإما مربعًا. ولا بأس أن يوضع عليه علامة حتى يعرف أهله، من أحب أن يزوره بين الفينة والأخرى يزوره لكي يدعو له، ما فيه بأس. ولا كذلك قال علماء: ولا بأس عند الدفن أن يرش عليه بالماء حتى يتماسك ويتمالك، فلا يذهب مع أدراج الرياح، فتذهب ملامحه ومعالمه، بل يوضع عليه الماء حتى يتماسك ويبقى، إما على شكل السنام كما قلنا أو شكل مربع. وأنه لا يزاد مما خرج منه، وهذا الذي عليه الشافعي رحمه الله، مما نص عليه، على أن القبر إذا حفر فإن هذا التراب يعاد، هذا التراب هو بنفسه يعاد. لكن إذا أعيد هذا التراب إلى حفرته، هل سيرجع إلى ما كان؟ لا، لأن هناك كتلة جثة، هذه الكتلة الموجودة ستجعل التراب يرتفع، يكفي هذا، هذا الارتفاع كافي. وهذا الذي عليه الشافعي رحمه الله تعالى بأن لا يزاد على القبر إلا ما أخرج منه من تراب. لكن إذا جئنا إلى حال أصحاب الإفراط، وهم عكس المذهب الأول، مذهب الأول التفريط: دوس وإهانة وطء وقضاء حاجة ولعب ومرور على القبور، يقابلهم من غلا في القبور وخرجوا عن المنهج النبوي، فأصبحوا يجعلون القبور معلمًا من معالم التمييز بين الأموات. والصحيح: القبر لا يميز هذا قبر وهذا قبر، هذه السنة، السنة في دين الله أن القبور ما تميز، لا يميز بين صالح أو طالح أو يميز بين عالم أو جاهل، الكل من أمة الإسلام قد توفاه الله جل وعلا، فتكون القبور متساوية. أما أهل البدع والأهواء خرجوا عن هذه المسألة، فتجدوا أنهم يميزون من كان من أهل الصلاح - على حد زعمهم - جعل عليه بنيانًا، أو من كان من أهل العرفان - على حد زعمهم - أو كان من سادات آل البيت - على حد وصفهم - فيجعلون هذا القبر له ميزة، إما برفع بنيانه وإما بجعل قبة أو جعل ضريح أو جعل الستائر أو جعل قناديل أو إضاءة، وكل ذلك منهي عنه. فالنبي صلى الله عليه وسلم حذر الأمة من أي شيء يميز به القبر، فنهى عن الكتابة ونهى عن الرفع أن يرفع القبر، لا يرفع القبر. ومن ذلك أن يتخذ عليه المسجد، ما عندي مساجد على القبور، ولا عندي بنيان على قبر، ما ولهذا ثبت في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب أنه قال لأبي الهياج الأزدي: ألا أبعثك إلى ما بعثني إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ «أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته، أي: سويته بباقي القبور، جعله مساويًا لباقي القبور، لا يتميز قبر عن قبر. فدين الإسلام من حيث بناء القبور بين إفراط وتفريط، فلا إهانة ولا تحقير، كذلك لا غلو ولا إفراط، لا غلو ولا إفراط. فإذا إخواني في الله، مما يناسب ذكره في هذا المقام في بيان حكم الشرع في هيئة القبور، وهذا الذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى من إيراد الأدلة عليه، أن ذلك يدخل في حق حكم بناء المساجد على القبور، فهذا منهي عنه باتفاق الفقهاء. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.