شرح كتاب التوحيد 116

شرح كتاب التوحيد 116

الدرس في شرح كتاب التوحيد 116، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من الغلو في قبور الصالحين

شرح حديث النبي حول تحذيره من جعل قبره وثنًا يعبد، ويبين صحة الحديث رغم إعلاله بالإرسال. يُوضح أن الله حمى قبره من الوثنية.

معنى دعاء النبي ودلالته على تحريم عبادة القبور

يشرح معنى دعاء النبي "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" ويبين دلالته على تحريم عبادة القبور، وأنها وصفت بالوثنية.

خطورة اتخاذ القبور مساجد والصلاة فيها

يشرح خطورة اتخاذ القبور مساجد واستحسان بعض الجماعات للصلاة في المساجد المبنية على القبور، ويبين كراهة العلماء للصلاة في مثل هذه المساجد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مر معنا إخواني في الله في درس أمس هذا التبويب الجديد من أبواب كتاب التوحيد، والذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله». وقد أشرنا إلى مفردات الباب وما يتعلق بها من مسائل وأحكام. قال مؤلف كتاب التوحيد رحمه الله تعالى: «قال مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». هذا الحديث الأول الذي استدل به المؤلف رحمه الله تعالى لهذا الباب في بيان أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا، فاستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». هذا الحديث، إخواني في الله، من الناحية الإسنادية قد أعل، وإعلاله أنه جاء من طريق عطاء بن يسار مرسلًا، والمرسل من قسم الضعيف، إلا أن هذا الحديث له شواهد، ولهذا أورده المؤلف رحمه الله تعالى لاعتضاده بغيره. فقد جاء عند أحمد رحمه الله تعالى بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهذا الحديث صحيح، لهذا قال إمام البوصيري رحمه الله تعالى: «رجاله ثقات». وهكذا حسنه الإمام الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه «أحكام الجنائز». فالشاهد، إخواني في الله، أن هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة التي دلت عليها الشواهد. وفي هذا الحديث من المسائل: في قوله عليه الصلاة والسلام «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» فيه الدعاء، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه بأن قبره يحمى فلا يكون وثنًا. وقد استجاب الله لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام، فقبره حمي من ذلك. ولهذا أنشد ابن القيم رحمه الله تعالى هذه الأبيات مدللًا على إجابة الدعاء، قال: «فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة جدران حتى غدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان». فالشاهد قول ابن القيم رحمه الله: «وأجاب رب العالمين دعاءه»، أي أن الله قد أجاب دعاء نبينا عليه الصلاة والسلام، فلم يتخذ قبره وثنًا. لكن يبقى إشكال هنا، قد يقول قائل: ما وقعت الوثنية قد في ذاته عليه الصلاة والسلام؟ ألا يوجد أناس يعتقدون فيه الضر والنفع؟ ألا يوجد من الناس من يعتقد بأن رسول الله يعلم الغيب؟ أما يوجد من الناس من يعتقد بأن النبي بيده مغفرة الذنوب؟ حتى أن منهم من ينتظر منه يوم القيامة أن يغفر ذنبه؟ أليس من الناس من يحب أن يسافر إلى بلاد الحرمين لا لشيء بمثل محبته أن يرتمي أمام العتبات وأمام الحجرة، فيهمس بلسان خفي في أنه يستجير برسول الله عليه الصلاة والسلام؟ هذه وثنية صارت، ولا ما صارت؟ صارت. فكيف يقال هنا أن الله قد حقق دعاء النبي «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»؟ قال العلماء الجواب: أن الله عز وجل حمى قبر نبيه من أن يتخذ وثنًا، أي من غير إنكار، وإنما باعتراف وإقرار، هذا ما صار، بأن يقر بأن يتخذ قبره وثنًا، هذا ما صار ولن يصير بإذن الله، لأن قبره محمي، بخلاف غيره من القبور قد جعلت أوثانًا من دون الله نهارًا جهارًا، تشد إليها الرحال، يطاف حولها، يستغاث بها، يطلب المدد منها، يُعكف عند عتباتها. وقد رأينا هذا رأي العين، رأينا هذا عند بعض القبور والأضرحة، من ذهب إلى تلكم المشاهد وجد الشرك الصراح الذي يفوح من تلكم الزوايا وفي تلكم الخبايا، وهذا على مرأى ومسمع من الناس، ومنهم من يوثق من باب ماذا؟ من باب البيان والإفتخار، على أن ذلك من التعظيم للأولياء. هذه الأمور التي صارت لبعض القبور، هل صارت لقبر رسول الله؟ الجواب: لا. ولهذا من يريد أن يتخذ من قبر نبيه وثنًا ماذا يفعل؟ يهمس بصوت خفي حتى لا يسمع، لأنه لو سمع لأخذ بالجريد والنعال وضرب، لضرب على هذا الفعل الشنيع أن يصرح بالشرك الصراح أمام رحاب مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالشاهد، إخواني في الله، أن الرد على من يظن أن الوثنية صارت قل ما صارت عند قبره نهارًا جهارًا؟ لا، وإنما كفى، والذي أراده نبينا بقوله «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» أي يعبد أمام الخلق، هذا ما صار، لأن الله قد حمى قبره عليه الصلاة والسلام. هذا قول، ومن العلماء من أتى بقول آخر، قال: الحديث ينبغي التفريق فيه بين القبر وبين المقبور، بين القبر وهو المحل، وبين المقبور وهو المدفون فيه، وهو نبينا عليه الصلاة والسلام. النبي ما دعا لنفسه، ما قال «اللهم لا تجعلني وثنًا»، وإنما دعا لقبره «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، لا تجعل قبري وثنًا يعبد، وهذا تحقق، فقبره ما استطاع أحد أن يجعله وثنًا بأن يأتي إليه وينطرح ويطوف ويعتكف عنده، ويلتجئ ويتمسح به، ما أحد يستطيع، لأنه كما سمعنا قد حمي، فهذا قول آخر من العلماء من يفرق بين القبر والمقبور، وأن النبي إنما دعا لقبره «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». وفي هذا الحديث، إخواني في الله، فيه بيان على أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو قدر أنه عبد لكان وثنًا، لو قدر أنه عبد لكان وثنًا، لأن النبي قال «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، معنى الحديث أنه لو عبد قبره لصار وثنًا، وهذا فيه رد على الخرافيين وعلى المبتدعة الضالين، وعلى القبوريين ممن يرى ويظن أن الأصنام والأوثان قد اندثرت، قد اندثرت في أيام العرب الأولى، أيام الجاهلية، وما عنده هناك أصنام، وما عنده هناك أوثان. ما تقولون في هذا الحديث الذي يخبر فيه نبينا، وهو على قرب وفاة، مع انتشار الإسلام في عهده عليه الصلاة والسلام، ويدعو ربه «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، دل على أن الأوثان موجودة، بدليل أن قبره لو عبد لكان وثنًا، ففيه رد على أمثال هؤلاء ممن يحتج دائمًا وأبدًا على اندثار الجاهلية وعلى أن عهد الأصنام والأوثان قد ولّى، لا، ما ولّى، بل هو موجود ويقع وسيقع وسيأتي قرب قيام الساعة، ما يدل على وجوده وحصوله. بل هل نحن نرى العبودية لغير الله جل في علاه؟ كذلكم، إخواني في الله، في هذا الحديث بيان على أن ما هو الأمر في هذا الحديث كذلك في تمامه، قال نبينا «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله» وفيه بيان إلى إثبات صفة الغضب لله جل في علاه، وأن الله يغضب غضبًا يليق بجلاله، وهي من الصفات الفعلية، إذ أن الله جل وعلا يغضب ممن يستحق الغضب. وفيه كذلك في هذا الحديث «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» أن الله جل وعلا أن من شدة غضبه يجعلها في هذا الصنف، في هذا الصنف خاصة. ومن هنا المسلم يتحرز أن لا يبتل بهذا الوصف حتى لا يشمله هذه الصفة المقيتة، وهي صفة ماذا؟ شماذ بناء المساجد على القبور، فيكون ممن غضب الله عليهم. وفي هذا الحديث بيان ما هي الطريقة التي بها يكون قبر الرسول وثنًا؟ قال نبينا «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»، بقي السؤال: كيف تكمن العبودية لرسول الله بحيث يكون قبر وثنًا؟ قال عليه الصلاة والسلام «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فهذا الحديث فيه إشارة إلى هذه الوسيلة التي بها يكون فيه صرف الطاعات والعبادات لغير الله، وهو اتخاذ القبور مساجد، اتخاذ القبور مساجد. وقد أشرنا في دروس خلت ممن كان يتابع هذه السلسلة من الدروس على أن اتخاذ القبور مساجد لها صور، ومن صورها السجود على القبر، ومن صورها الصلاة إلى القبر، ومن صورها أن تبنى المساجد على القبور، أن تبنى المساجد على القبور، كل ذلك من اتخاذ القبور مساجد، فمن فعل هذا أو ذاك فقد اشتد غضب الله عليه، فقد اشتد غضب الله عليه. سبحان الله، أين هذه الأحاديث وهذه الأحكام من قوم ضرب الله على قلوبهم، وقبل ذلك على عقولهم، فإذ بهم يبثون بين أتباعهم وبين مريديهم على أن الصلاة في المساجد التي تبنى فيها القبور أفضل، أفضل من المساجد التي لم تبنى عليها القبور، سبحان الله، مع أن الاتفاق والإجماع كما حكاه شيخ الإسلام رحمه الله اتفاق العلماء الأمة على أن الصلاة في المساجد التي لا تبنى على القبور أنها أفضل من المساجد التي بنيت على القبور، هذا أولًا بالاتفاق. وما قال بذلك إلا أولئك الحمقى من الغلاة ممن أخذوا ينفخون في مثل هذه المساجد، تجد أنهم يأخذون أتباعهم ويشدون بهم الرحال في رحلات هنا وهنالك، يطوفون حول المساجد التي بنيت عليها القبور، ويحرصون على أن يصلوا فيها قدر الإمكان، مع أن المساجد الخالية من القبور أفضل منها بالإجماع، بل حكى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى اتفاق العلماء على كراهة الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور. ثم كان الخلاف بينهم على أقوال، منهم من ذهب إلى كراهة التحريم، ومنهم من ذهب إلى بطلان الصلاة، على خلاف بين العلماء من حكم الصلاة في المساجد التي بنيت على القبور، بين محرم فيها وبين مبطل للصلاة فيها. ثم يأتي هؤلاء الخلوف ممن ضرب الله على صدورهم وعلى عقولهم، ويرمون بروايات الحديثية وبأقوال إجماع الأمة، ثم يرون أن الصلاة في المساجد التي عليها القبور أفضل وأجل. وها هو نبينا عليه الصلاة والسلام يتوعد «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، إذا كان هذا الحديث وهذه الفائدة الأخيرة الذي أختم به المقام، إذا كان هذا الحديث في حق من اتخذ المسجد على قبره عليه الصلاة والسلام، فما ظنكم بالذي يبني المساجد على قبر من هو دونه؟ فما ظنكم بحاله وبشدة غضب الله عليه؟ إذا كان نبينا هو من هو صلوات ربه وسلامه عليه، إذا اتخذ قبره مسجدًا فقد جعل قبره وثنًا، هؤلاء اشتد غضب الله عليهم، فما ظنك بالذي يأتي إلى من دون ودونه عليه الصلاة والسلام فيبني عنده الأضرحة وعنده القباب وعنده المصليات، ويبني عليه المساجد؟ فإن أمره أعظم وأنكى. فالشاهد، إخواني في الله، هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في قوله عليه الصلاة والسلام «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يتلاءم تمام الاقتضاء مع ما بوب عليه المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب «باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا»، ومن صور الغلو أن تتخذ هذه القبور مساجد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.