مباحث في السنة النبوية 9

مباحث في السنة النبوية 9

الدرس في مباحث في السنة النبوية 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التحقق من صحة الأحاديث النبوية وأهمية الإسناد

يتحدث عن أهمية التثبت من صحة الأحاديث قبل العمل بها، ويستشهد بأقوال السلف الصالح في ضرورة الإسناد الصحيح. يشدد على أن قبول الأحاديث يجب أن يكون مبنياً على الثبوت والتحقق.

دور الزنادقة في وضع الأحاديث الكاذبة وأسباب ذلك

يتناول موضوع الزنادقة الذين يضعون أحاديث كاذبة على الرسول بهدف إضعاف الدين، ويشير إلى أسباب وضع الأحاديث المكذوبة مثل التشكيك في الدين والترغيب في الخير ونصرة المذاهب.

ضرورة التثبت قبل قبول الأحاديث النبوية

يُنبه إلى أهمية التحقق من صحة الأحاديث قبل قبولها أو العمل بها، ويشدد على ضرورة التثبت قبل الفرح أو التعويل على أي حديث منسوب إلى الرسول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، من المباحث المهمة التي نود أن نتحدث عنها، ومما لها تعلق بالسنة، إخواني في الله، ما يتعلق بمبحث السنة وصحتها. السنة وصحتها، المسلم إذا أراد أن يتعامل مع السنة، ولا بد أن يتعامل معها، سواء كان قولا أو فعلا أو سلوكا ومنهاجا أو فكرا وعقيدة، سواء يتعامل مع السنة في نفسه أو أن يتعامل بالسنة مع غيره، كون عليه أن يجعل نصب عينيه أن السنة المراد من تطبيقها أن تكون من السنة الصحيحة، بمعنى الثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. إذ أن الأحاديث النبوية، إخواني في الله، وينبغي أن يتفطن لهذا جيدا، أن فيها ما هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها ما لم يثبت عنه، أي: فيه من الضعف، ومن جوانب الرد ما لا يقبل لأجله، إما أن ذلك يعود إلى ضعف النقلة، أو أن منهم من وصل إلى حد الكذب والدجل، كحال الوضاعين ممن يدسون في السنة الأحاديث التي لم يقلها نبينا عليه الصلاة والسلام. فلهذا، ولغيره، إخواني في الله، كان ينبغي العناية في باب السنة، أنك تحرص على الصحيح منها. ولهذا حرص سلفنا الصالح على هذا الباب، وذلك في عنايتهم بأن الإنسان ما يقبل من الأحاديث النبوية والسنة المطهرة إلا ما هو ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله: "الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". الإسناد عندي من الدين، الإسناد هي السلسلة الموصلة للمتن للحديث، وهي الطريقة التي تعرف من خلالها هل هذه الطريقة صحيحة أو أن هذه الطريقة لم تصح، عن طريق النظر إلى الإسناد. فكان السلف الصالح يعظمون من أمر الأسانيد، لأن من خلالها سنعرف هل هذا الحديث ثابت أو ليس بثابت. فقال ابن المبارك ما قال: "الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وهكذا ما نقل عن الإمام الزهري رحمه الله، كان عبد الله بن أبي فروة، وهو أحد الرواة، وفيه كلام مقال، وفيه ضعف، كان ابن أبي فروة يحدث بأحاديث، إلا أنه كان يحدث هكذا: "قال رسول الله، قال رسول الله، قال رسول الله"، لا يذكر الأسانيد الموصلة إلى رسول الله. فسمعه الإمام الزهري رحمه الله تعالى، فقال له مغضبا: "قاتلك الله، قاتلك الله يا ابن أبي فروة، ما أجرأك على الله، قاتلك الله، ما أجرأك على الله، لا تسند حديثك، لا تسند حديثك، تحدثنا بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة، قاتلك الله، أخذك الله، لا تسند حديثك، أين الإسناد؟ أرنا إياه". لأن من خلاله نعرف هذا الذي تحدث ثابت أو ليس بثابت. قال: "لا تسند حديثك، تحدثنا بأحاديث ليس لها أزمة ولا خطم". فدل ذلك على ضرورة العناية بالأحاديث حتى نستطيع أن نحكم عليها صحة أو ضعفا. وكان شعب بن الحجاج رحمه الله تعالى يقول: "كل حديث ليس فيه حدثنا ولا أخبرنا، فهو خل أو بقل". كل حديث ليس فيه أخبرنا ولا حدثنا، فهو خل أو بقل، بمعنى ما يساوي عندنا شيئا. هذا ما يساوي عندنا شيئا، تأتي لي بأحاديث، ما الذي أعمل به أنا؟ ما أتعبد الله بأحاديث هكذا. وهذا من فقه السلف، ليس الذي عليه الآن، والذي وصل به الحال إلى أنه في كثير من خلق الله، أنه لربما يمسك بأي حديث ويعمل به، ويعتقد بما فيه، دون النظر صحة، لم يصح، ثابت، لم يثبت. فكان السلف عندهم أن الحديث إذا ما ظهر لهم الصحة من الضعف، لا يعتدون به. فكل حديث ليس فيه أخبرنا ولا حدثنا، فهو إما بقل أو خل. وهكذا ما جاء في أمري بشير بن كعب العدوي، بشير من الرواة الأحاديث، فكان في مجلس لابن عباس رضي الله تعالى عنه، فقام بشير العدوي يحدث بأحاديث، إلا أنه شد انتباهه أن ابن عباس ما كان يستمع إليه، ما كان ينصت إليه، وما كان يلتفت إليه. حزن هذا في صدر بشير، لا لنفسه، لكن أقل شيء تعظيم للأحاديث النبوية. فلما انتهى، قال: "يا ابن عباس، أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت لا تستمع، وأنت لا تستمع". فقال ابن عباس: "اسمعوا الذي قال". قال رضي الله تعالى عنه: "قال: إنا كنا مرة إذا سمعنا الرجل يقول: قال رسول الله، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا". هذا الذي أنت الآن تطالب به، بضرورة الاستماع للأحاديث. نعم، كنا على هذا المنوال، لعلمك، يعني كما يقول، لعلم كنا على هذا، إن كنا مرة فقط، لو سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله، مباشرة، مباشرة رميناه بأبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا. لكن هذا متى؟ كما يقال: في أيام العافية، في أيام العافية، أيام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذي يتناقلون الأحاديث الثابتة الصحيحة عن رسول الله، التي لا شك فيها ولا ريب، كنا هكذا نتقبل الأحاديث. ثم قال ابن عباس: "فلما ركب الناس الصعب والذلول، فما نحدث إلا عن من نعرف". لكن لما اختلطت الناس علينا، وأصبح الكثير منهم يتساهل في إيراد الأحاديث، ولا يتأكد منها، حين وقفنا، فما نأخذ إلا مما نعرف، من الثقات، مما نعرفهم. فهذا الأثر، إخواني في الله، قد رواه مسلم في صحيحه، فيه بيان على تحر السلف، من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أنهم لا يتلقفون أي حديث، وإنما كانوا يبحثون عما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، إن الباب في هذا الباب، لا يقول في ذكر الآثار والأقوال عن سلفنا الصالح، كلها تدل وتصب في هذا المصب، إلى أن المسلم والمسلمة، متى ما أرادوا العمل بحديث عن رسول الله، علما وعملا، وجب عليهم البحث عن صحته، فإن صح، على العين والرأس، قبل، وإن لم يصح، فيرد، لأن الله ما تعبدنا بما لم يثبت عن نبيه عليه الصلاة والسلام. هنا تأتي مسألة، إخواني في الله، تذكر في هذا المبحث، وهو النظر إلى حال فئام من الناس، أعيان وأشخاص، وفرق وجماعات، وملل ونحل، اتخذت من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة لبث الأحاديث، وسيلة لبث الأحاديث، دون رعاية ولا اهتمام بما كان من أمر السلف، بل دون اهتمام حتى من خبره عليه الصلاة والسلام، والذي حذر من تجريم وتحريم الكذب عليه. فقال عليه الصلاة والسلام: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة، الذي جاء عن جمع من الصحابة، وكما قال القائل: "ومما تواتر حديث من كذب، ومن بنى بيتا لله واحتسب". فمن الأحاديث المتواترة هذا الحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وإن الناظر في حال هذه الأصناف والفئات، الذين هم ينتسبون للإسلام، وخرجوا على الناس ببث أحاديث مفتراة، مكذوبة، لا أقول خطأ، بل عمدا، قصدا، هم على مشارب، وعلى رأسها هذه الفئات، فئة الزنادقة. فئة الزنادقة، الزنادقة جمع الزنديق، والزنديق كما عرفه العلماء، هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، يظهر الإسلام ويبطن الكفر. الزنادقة فئة من الخلق، يجبون البلاد، ويسيرون مع العباد، يظهرون شعائر الإسلام، لكن في الداخل كفرة، ملاحدة، وهم يعملون ليل نهار في الكيد للإسلام والمسلمين، بدس الشبه، بإثارة الشبهات، بإحداث خلخلة وزلزلة في دين الناس، يحصلون بأي طريق، ومن أعظم ما استطاعوا أن يصلوا عن طريقه، عن طريق السنة النبوية. فماذا كانوا يفعلون؟ فكانوا يؤلفون الأحاديث، يأتي أحدهم بورق وقلب، ويفكر: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال رسول الله، وينشر، وعن جابر بن عبد الله، وينشر، ويكتب على ألسنة الصحابة أحاديث، أن النبي قالها، وما قالها. وهذه الأحاديث ليست أي أحاديث، بل تحمل ما فيه إضعاف للدين، تشكيك بعقائد المسلمين، تحريم وتحليل، وتغيير وتشريع لغير ما أنزل الله جل في علاه. فمن هؤلاء، طبعا هنا جماعات، وقد ذكرهم العلماء في كتبهم، مثال هؤلاء: عبد الكريم بن أبي العرجاء، عبد الكريم بن أبي العرجاء، زنديق من الزنادقة، تم إلقاء القبض عليه عندما علم بزندقته وخبثه ومكره وكيده، فكان من أقواله أنه قال: "لقد وضعت فيكم"، وكان يخاطب ولي الأمر الذي ألقى القبض عليه، قال: "لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال". أربعة آلاف حديث، وهذا الرجل، قد صلب وقتل في زمن المهدي العباسي. رجل آخر، وهو المغير بن سعيد الكوفي، وهو كذلك من الزنادقة، من زنادقة الإسلام، وكان كذلك يضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله، وينشرها بين الناس. وكان هذا الخبيث من اعتقاداته أنه كان يعتقد بأن عليا رضي الله تعالى عنه قادر على إحياء الموتى، أن عليا رضي الله تعالى عنه قادر على إحياء الموتى. فكان من شيمة هذا الزنديق أنه كان يفتري على رسول الله بوضع الأحاديث. وهكذا من أمثال هؤلاء الزنادقة: محمد بن سعيد الشامي المصلوب، الشامي المصلوب، وقد صلب، أي: قتل، هذا الرجل الزنديق في بلاد الشام، قتل على زندقته في بلاد الشام، وهو الراوي لحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله». إلا أن يشاء الله، ما معناها؟ فتح المجال لأدعياء النبوة، فتح المجال لأدعياء النبوة، زنديق، كما قلنا. أحاديث الزنادقة تدور على هذا الفلك، التشكيك في عقائد المسلمين، ووضع ما فيه زلزلة وخلخلة لعقائد الراسخة في العقائد الراسخة. وهكذا أشياء كثيرة من ذلك، مما اشتهر من الأحاديث التي وضعتها الزنادقة: حديث «إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور». يعني: إذا عياك أمر، وأتعبك أمر، واستصعب عليك أمر، لمن تلجأ؟ إلى الله، كيف؟ إلى الله، أشكو الرسول هنا في الحديث، يقول رسول الله: «إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بالقبور». كما يفعل عباد القبور، هناك التوسل والاستغاثة. قال الشيخ أحمد بن حجر آل بطامي رحمه الله: "قال: وهذا الحديث مكذوب، وضعته الزنادقة". حديث مكذوب، وضعته الزنادقة، والغرض من هذا الحديث واضح، أن الناس يتجهون إلى الأموات، وإلى العتبات، وإلى الزيارات، وترك الالتجاء إلى رب الأرض والسماوات. وهكذا من الأحاديث التي وضعتها الزنادقة، الحديث الذي يقول: «قال النبي: قال فيه: قال الله: ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبد المؤمن». ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبد المؤمن، فأين الله؟ الله في العباد، في قلوبهم، هذه عقيدة الحلول والاتحاد. ولهذا قال إمام الزركشي رحمه الله، معلقا على هذا الحديث، قال: "وضعته الزنادقة". وضعته الزنادقة. وهكذا من الحديث إلى حديث الموضوعة، الحديث الذي يقول فيه: «أن النبي قال: طبعا يفترون هكذا أنه قال: إذا روي عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فإذا وافقه، فأقبلوه، وإذا خالفه، فردوه». قال الإمام الخطابي رحمه الله: "وضعته الزنادقة". وضعته الزنادقة، لأن الكتاب والسنة هما مصدران للتشريع، فالسنة ما تخالف الكتاب، وإنما تؤيده، وتبينه، وتدل عليه. لكن جعل القرآن هو الحاكم، والسنة ليس لها اعتبار، هذا من وضع الزنادقة. وهكذا من الأحاديث: حديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو اعتقد أحدكم بحجر نفعه». أنت وما تعتقد، إذا كنت تعتقد عقيدة في صخرة، في حجر، إن شاء سينفعك هذا الحجر، وهذه الصخرة، هذه عقيدة إسلامية، أنك تعتقد في الحجارة، وتعتقد في الأوراق والأخشاب. ولهذا، لله در ابن الجوزي رحمه الله تعالى، طبعا العلماء قد كذبوا هذا الحديث، لكن عجبتني في هذا المقام عبارة ابن الجوزي، حين قال: "قال: هذا من كلام عباد الأصنام". هذا من كلام عباد الأصنام، هذا ليس من كلام رسول الله، أنك إذا اعتقدت بحجر سينفعك هذا الحجر، إذا خرج الناس على هذا الحديث، سيعتقد الناس في السواري، في الجدران، في الأخشاب، وسيرجع من يرجع، وسيعتقد في الأصنام. ولهذا، لله دره، قال: "هذا من كلام عباد الأصنام، ما هذا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم". فالشاهد، إخواني في الله، وهذا الباب يطول ذكره، في بيان أن من الأحاديث المفتراة، المكذوبة، الموضوعة، ما جاء على يد الزنادقة، وهم ممن أدخل في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام كذبا وزورا، مما لم يقل، وذلك بقصد التشويه والتشكيك في أمور الدين. ثم تأتي طوائف غير هؤلاء، هناك طائفة أخرى، كذلك ممن يأتي بالأحاديث المكذوبة، وهم أهل الفضائل. أهل الفضائل، أهل الفضائل، هم أناس، إن صح التعبير، من أصحاب النوايا الحسنة، من أصحاب النوايا الحسنة، يحبون الخير للغير، يجدون أن الناس عزفوا عن الطاعات، عزفوا عن العبادات، فكروا: ما هي الطريقة النافعة، الناجحة، التي تجعل هؤلاء الناس يرجعون إلى الطاعات والعبادات؟ قالوا: ما هناك مثل الأحاديث النبوية، فقلنا لهم: كيف يعني ترجعونهم إلى السنة؟ قالوا: لا، لا، نحن سنؤلف السنة، نحن سنؤلف السنة، بمعنى أننا سنضع أحاديث من رؤوسنا، نرغب فيها الناس للخير، إذا رأينا الناس تركوا أمرا من الطاعات، جئنا وألفنا حديثا في هذه الطاعة، وجبناهم، ورأينا أن طاعة ما قصر فيها الناس، ألفنا حديثا، وجبناهم. فهم تجدهم أن لهم على نية حسنة، وهو أنهم أرادوا جذب الناس إلى الدين، لكن بهذه الطريقة، هذا حرام، حرام، الكذب على رسول الله، لا يجوز، سواء كان هذا الكذب طعنا في دينه، أو كان هذا الكذب لأجل دينه، كل هذا حرام. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «وإن كذبا علي ليس ككذب على أحد». أنت لا تعامل رسول الله كما تعامل أي أحد، كأن تأتي إلى صاحب، أصحاب: والله فلان، وألف قصة على صاحبك الغائب: والله فلان، والله يذكرك بخير، والله تريد من هذه الأكذوبة أنك تحسن العلاقات، هذا تفعل مع عامة الناس، أما مع رسول الله، لا يجوز أن تفتري عليه بحسنية أو بسوئنية، الكل حرام. فهؤلاء أصحاب الفضائل، إخواني في الله، نعم، طفحت بهم أحاديث كثيرة، نشروها بين الناس، وهي لم تثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. من أمثال هؤلاء الذين كانوا يكذبون من باب الترغيب في الخير: نوح بن أبي مريم، ويسمى بنوح الجامع، بنوح الجامع. قال عنه ابن حبان رحمه الله، معلقا على هذا الرجل، قال: "نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق". نوح الجامع جمع كل شيء إلا الصدق، لأنه كان يكذب، وكان من كذبه أنه كان يفتري الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل له مثلا: أين لك بأحاديث عكرمة عن ابن عباس في فضائل سور القرآن؟ هو دائما يحدث، قال: عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال رسول الله، ويأتي بأحاديث في فضل سورة البقرة، فضل سورة آل عمران، فضل سورة كل سورة، يأتي بفضائلها. قيل له: يا نوح، أصحاب عكرمة ما عندهم هذا الأحاديث الذي أنت تأتي بها، من أين جاءت بهذا الكم من الأحاديث؟ فاعترف، قال: "إني لما رأيت أن الناس انشغلوا عن القرآن، حدثت بهذه الأحاديث". وليس موجودة لا عند عكرمة، ولا عن ابن عباس، ولا قالها أحد، وإنما هي من عندي، لماذا؟ رجاء أن الناس يقبلون على قراءة القرآن. وهكذا فرقة الكرامية، الكرامية، فرقة ضالة، من ضلالها أنها تسوغ وتجوز الكذب على رسول الله في باب الترغيب والترهيب. وكما قلنا: وكل ذلك حرام. وهكذا إخواني في الله، في الأخير، من هؤلاء الذين يكذبون، ويبثون الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أراد الانتصار لمذهبه، الانتصار لفكره، الانتصار لحزبه وجماعته. فتجد أن من الناس من تشرب فكرة، أخذ مذهب، أخذ عقيدة، فأراد أن تروج على الناس، وجد أن كلامه لا يقنع، فماذا فعل؟ فما هناك مثل الصراحة، فيأتي بأحاديث عن رسول الله، هو الذي ألفها، وفي هذه الأحاديث أن النبي يشير إليهم، ويشيد بفكرهم وبجماعتهم. ولهذا قال ابن حبان رحمه الله تعالى: "ويحدث عن بعض المبتدعة، بعدما تاب، بعدما تاب، فكان يقول: انظروا عن من تأخذون حديثكم، إن كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا". هذا الواقع، كنا إذا هوينا من الهوى، من الهوى، كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا، نشرنا عند الناس على أنه حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فطال أمره على من لا يحسن ذلك، فانطلى عليهم. وهكذا ما كان من أمر الشيعة، كما روى ذلك الإمام الخطيب رحمه الله تعالى، بسنده عن حماد بن سلمة، قال: "أن رجل رافضيا، قال له: أن الرافضة وأصحابه، كنا نجتمع على وضع الأحاديث". نجتمع جماعة تشكيل، ثم هل إيش الذي عندكم؟ يصيغون العبارات، الألفاظ، وزن متن، كلام حسن، ثم يخرجونه للناس على أنه حديث عن رسول الله، وهو من أين؟ وهو كذب. ما الذي أراد بهذا الكذب؟ أراد بهذا الكذب النصرة لفرقتهم، ولجماعتهم. مثل حديث: «علي خير البشر، من شك فقد كفر». علي خير البشر، من شك فقد كفر، هذا حديث مكذوب، ألفته الرافضة، لماذا ألفوه؟ ألفوه لكي ينصروا مذهبهم. وهكذا ما هم عليه. وهكذا قس عبد الله: كل من كان ضالا مضلا، فإنه ينشر من الأحاديث المكذوبة ما فيه نصر لدينه. محمد بن قاسم الطالقاني كان مرجئا، مرجئا، فكان يكتب الأحاديث التي فيها دعم لفكرة الإرجاء. وهكذا قس غير هؤلاء، كحال المبتدعة، ممن لربما يعظم الزيارات، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يزرني فقد جفاني». هذا حديث مكذوب، من حج فلم يزرني فقد جفاني، من قال بهذا؟ هذا ما أثر عن رسول الله، لكن بعض الناس عشعشت فيه الغلو في مسألة الزيارة، وضع هذا الحديث. حديث: «توسلوا بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم». ما ثبت عن رسول الله، من الذي وضعه؟ هؤلاء أصحاب التوسل. فهكذا كل من حب فكرة، واشرأبت بقلبه على مذهب من المذاهب، قام وألف حديثا حول هذه المسألة. فشاهد، إخواني في الله، أن المدارس التي ظهرت على الساحة الدعوية، قديما وحديثا، وهي ممن تسوغ إخراج الأحاديث المكذوبة، جماعات، منهم الزنادقة، ومنهم أهل الفضائل، ومنهم من كان انتصارا للمذهب، ومنهم يفعل ذلك لمصلحة دنيوية، ومنهم أن يفعل ذلك تزلفا للأمراء. وقد ذكر ذلك العلماء في كتبهم، فترجع إلى مضانها. فشاهد، إخواني في الله، أن هذا المبحث يدور على أن الإنسان لا يفرح بأي حديث يقع عليه ناظره، أو يستمع إليه بأذنه، بل بعد أن تتأكد أن هذا حديث عن رسول الله، تأكد يا عبد الله من صحته، فعليه العول. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.