طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 101

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 101

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 101، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة الله في الابتلاء والامتحان

يشرح الشيخ ابن بريك رحمه الله تعالى حكمة الله في الابتلاءات والآلام، ويوضح أن أفعال الله كلها حكمة ومصلحة. يجب على المسلم التسليم بقضاء الله وقدره والثقة في اختياره.

التسليم بقضاء الله والثقة في اختياره وتأثير الوسوسة

يجب على المسلم التسليم بقضاء الله وقدره والثقة في اختياره، فما اختاره الله لنا خير مما نختاره لأنفسنا. يجب التمسك بهذا الأصل وعدم التأثر بوسوسة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.

حكمة وقوع الذنوب وتوبة العباد وكرم الله

يشرح ابن القيم كيف أن وقوع الذنب قد يكون خيرا للعبد إذا تاب وأناب، ويبين كرم الله تعالى وتداركه للعباد بالهداية والدواء الشافي بعد المعصية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طريق الهجرتين: قال: فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما تقولون بالأسماء الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟ يعني هذا إشكال، وأعدت القراءة فيه لأجل يرتبط بما بعده. فجواب هذا: وقد تقدم معنا جوابه مجملا في مجالس ودروس سابقة: أن لله حكمة في ذلك، وسيجيب رحمه الله جوابا لهذا الإشكال. قال رحمه الله: قيل: قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفي بعضه لذي الفطرة السليمة والعقل المستقيم، وأما من فسدت فطرته وانتكس قلبه وضعفت بصيرة عقله، فلو ضرب له من الأمثال ما ضرب، فإنه لا يزيد إلا عما وتحيرا. ونحن نزيد ما تقدم إضاحا وبيانا، إذ بسط هذا المقام أولى من اختصاره، وتقدم معنا الجواب في عدة مواضع إجمالا ومفرقا، والآن سيبسط الجواب بشيء من التفصيل مع وقفات في مواضع متفرقة. ومن الإجمال: من باب أن السابق باللاحق أن لله حكمة فيما يوقع في كونه وخلقه، ومع ذلك فهو فيما يقع من آلام وابتلاء وامتحان يوقعه سبحانه وتعالى، وفيه الخير، ولو كان ظاهره بالنسبة لهذا المخلوق ليس بخير، لكنه بما يقضي إليه الأمر هو خير. وضربنا مثالا بأصحاب السفينة، فأصحاب السفينة خرقوا سفينتهم فيما يظهر الشر، ولكن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، فهم لا يعلمون أن خلفهم ملكا ظالما يأخذ كل سفينة غصبا وعدوانا، فأراد الله عز وجل بعظيم حكمته أن يحفظ لهؤلاء المساكين سفينتهم بإيجاد عيب يسير يخرج هذه السفينة من عدوان ذلك الظالم، فصار هذا العيب اليسير مقابل خسارة السفينة بأكملها شرا أو خيرا خيرا، صار هذا العيب اليسير خيرا لهم، فحفظ الله لهم بهذه المصيبة سفينتهم بأكملها. وعند ذلك يعلم الإنسان عظيم حكمة الله بأقداره، حتى فيما يظنه أنه شر، لأن الله إذا اختار لك شيئا اختار لك ما يعلم أنه خير، وهذا هو قول سبحانه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ونظائر هذا كثير. وبهذا المثال نستغني عن كلام كثير فيما يتعلق بهذا الباب، ولكن المؤلف رحمه الله سيوضح جوانب أخرى كثيرة مما فيها جواب على مثل هذا الإشكال. قال رحمه الله تعالى: فنقول: قد علمت أن جميع أسماء الرب جل جلاله حسنا وصفاته كمال، وأفعاله حكمة ومصلحة، وله كل ثناء وكل حمد ومدحة وكل خير، فمنه وله وبيده، والشر ليس إليه بوجه من الوجوه، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه، وإن كان في مفعولاته، فهو خير بإضافته إليه، وشر بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به. فهو بالنسبة لفعل الله خير، حتى ولو كان فيما يظهر للإنسان أنه شر، لأن الشر ليس من أفعال الله، ولكنه من مخلوقات الله، فهو يخلق الخير والشر، قل: «أعوذ برب الفلق من شر ما خلق». ومع ذلك فهو فيما يظهر أنه شر هو خير، وصدوره على وجه الشر على أحد وجهين، كما قال: وشر بإضافته إلى من صدر عنه. القاتل حين يقتل شر فيأثم ويعاقب في الدنيا ويعاقب في الآخرة، هذا بالنسبة لمن صدر عنه، ومن وقع به فهو يراه بالنسبة لما وقع به المقتول يراه فيما وقع به شرا، ولكنه بالنسبة له عند الله خير، لأن الله اختار له ما فيه الخير، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ونظر بمثال نرجع إلى أصحاب السفينة، هل كان يخطر ببال أصحاب السفينة أن السفينة تغصب بغير هذا العيب؟ ما كان يخطر. وهكذا كذلك المقتول قتله القاتل ولم يعلم، وما درى المقتول أن ما اختاره الله له خير مما اختاره هو لنفسه، أو يختاره له أهله ومحبوه، لماذا؟ لأننا على يقين وعندنا علم ويقين لذلك أن ما اختاره الله لنا خير مما اخترناه لأنفسنا. ولهذا دائما المسلم المؤمن يسلم بقضاء الله وقدره، قد نعلم بهذا الخير فيظهر الله هذا الخير بعلمه لحكمة، وقد يخفي هذا الخير، فإذا خفي علينا لا يعني أنه لا يوجد الخير، لماذا؟ لأن الله أصدق حديثا وأصدق قيلا، وهو الذي أخبرنا بأنه يختار لخلقه خير مما يختاره لأنفسهم. وبهذا الجواب المجمل نعرف حقيقة هذا الأمر. قال رحمه الله: «وتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه بكل دقيق وجليل، وحكم به على كل ما يرد عليك، وحاكم إليه واجعله أختك التي ترجع إليه وتعتمد عليها». واعلم أن لله خصائص بخلقه ورحمة وفضلا اختص به من يشاء، وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته، فإياك ثم إياك أن تصغي إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة: أنه هل سوى بين عباده في تلك الخصائص؟ وهذا يكثر عند المصائب، حتى صاحب التوحيد إذا وقعت به المصيبة فإن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء توسوس له: هل كانت هذه المصيبة في غير حبيب؟ في غير من هو أقرب الناس إليه؟ ونحو ذلك. ولكن إذا علم عظمة الله في أسمائه وصفاته وذاته وأفعاله، علم أن ما اختاره الله خير مما اختاره لنفسه. قال رحمه الله تعالى: «فإياك ثم إياك أن تصغي لوسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة أنه هل سوى بين عباده بتلك الخصائص وقسمها بينهم على السواء؟ فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به». وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأبى ذلك وتمنع منه، ووجه تقدم ذلك كما تقدم: أن لله حكمة في هذا التفرق، فأوجد الخير والشر، وأوجد النور والظلام، وأوجد كذلك الليل والنهار، وأوجد كذلك الصالح والطالح، وأوجد كذلك الموت والحياة، كل هذا لحكمة. وجود هذه المخلوقات وهذه المفعولات تقتضي وقوعها في خلقه، فالذي تقع له الحياة تقع له كذلك الوفاة، وهذا بقدر الله، وهذا بحكمة الله، وكل ذلك يجري بمقتضى عدل الله سبحانه وتعالى وفضله. قال رحمه الله تعالى: «وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين، فإنه تعالى خلقهم للخيرات لا عفوا»، قال: «ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله، ويختص برحمته من يشاء، ويقصد بعذابه من يشاء، وهو المحمود على هذا وهذا». يعني في عطائه ومنعه، وفي فضله وعدله، قال: «فالطيبون من خلقه مقصودون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه وعدله». ومع ذلك الخبيثون من خلق الله، وخلقهم الله بحكمة ولحكمة، ولا يضاف الخبث إلى فعل الله، بل كل ذلك فيه خير، ونحن نعلم أو لا نعلم، لا نعلم، الله يعلم ونحن لا نعلم، كما قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال رحمه الله: «ولكل واحد قصته من الحكمة والابتلاء والامتحان، وكل مستعمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق، وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين». فإنه تعالى خلقهم للخيرات، فهم لها عاملون، واستعملهم فيها، فلم يدركوا ذلك إلا به، ولا استحقوه إلا بما سبق له من مشيئته وقسمه. فلذلك لا تضرهم الأدواء ولا السموم، بل متى وسوس لهم العدو أو اغتالهم بشيء من كيده أو مسهم بشيء من طيفه تذكروا، فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يكسرون. والمعنى: الشيطان يوسوس ويغتال ويكيد ويمس، فإذا وقع ذلك حصل ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، فمنهم من يكفر به بالكلية كالكافرين، وقواف من المبتدعين، أو ينكر بعضه ويثبت بعضه كبعض أهل البدع، أو كذلك يؤمن به لكن عند العمل به لا يحصل التثبيت إلا من ثبته الله سبحانه وتعالى، مثل بعض أهل التوحيد والسنة، إذا لم يصبر عند المصائب ونحو ذلك. قال رحمه الله: «وإذا واقعوا معصية صغيرة أو كبيرة عاد ذلك عليهم رحمة، وانقلب في حقهم دواء، وبدل حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية». يعني الذنب والمعصية بالنسبة للإنسان شر، ولكن وقعت بإذن الله وبإرادة الله الكونية، والشرعية: ها، محمد، بالكونية؛ لأن الله لا يرضى لعباده الكفر ولا الشر ولا الفسوق ولا العصيان، فلذلك وقعت بحكمة، وقعت في كونه بحكمة، ومن حكمة الله أنها سبب لإصلاح هذا العبد ورده إليه وانكساره بين يديه. ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «رب ذنب يكون سببا في كمال عبودية العبد، تكمل عبودية العبد بعد وقوعه في الذنب، فيقع له من الانكسار والندم، وكذلك الحسرة ما يرفعه في منازل العبودية إلى أعلى الدرجات». فصار هذا الذنب في ذاته بالنسبة لهذا الإنسان خيرا، وإن كان هو شرعا شرا، ولا يحبه الله، ولكن باعتبار قدر الله صار فيه حكمة وخير. وهكذا كذلك ما آل إليه الأمر مع هذا الإنسان. قال رحمه الله: «وبدل حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية، بأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله، وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه، حتى حيث نقض عزماتهم وقد عزموا ألا يعصوه، وأراهم عزته في قضائه وبره في إحسانه في عفو ومغفرته». وأشهدهم نفوسهم وآفاتها من النقص والظلم والجهل، وأشهدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم، وأنه إن لم يعفو عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلا النجاة أبدا. فإنهم لما أعقبوا من أنفسهم العزم ألا يعصوه، وعقدوا عليه قلوبهم، ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم اقتداره وجميل ستره إياهم، وكريم حلمه عنهم، وسعة مغفرته لهم، وبرد عفوه وحنانه وعطفه ورأفته. وأنه حليم ذو أناة لا يعجل، ورحيم سبقت رحمته غضبه، وأنهم مترجعون بالتوبة إليه، وجدوه غفورا رحيما حليما كريما، يغفر لهم السيئات ويقيلهم العثرات، ويودهم بعد التوبة ويحبهم. فهنا تحققت معاني عظيمة من معاني أسماء الله وصفاته، والعبودية لله عز وجل بها. فلولا أن الله بحكمة قدر هذا الذنب لم تتحقق هذه المعاني لهذا العبد، لأنه كان غافلا، فبعض الطاعات تصيب بعض الناس غرورا، وكذلك غفلة، فإذا وقع في الذنب شعر بأنه ناقص وأنه مقصر، وأنه، وعند ذلك رجع بين يدي الله منيبا، واستحضر من أسماء الله وصفاته ما تكمل به عبوديته لربه وخالقه. قال رحمه الله: «فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء وتوسلوا إليه بذل العبيد وعز الربوبية، فتعرف سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه، بأن ألهمهم دعاءه ويسرهم للتوبة والإنابة، وأقبل بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه». ولم تمنعهم معاصيهم وجنايتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم، فتاب قبل أن يتوب إليه، وأعطاهم قبل أن يسألوه. وهذا من معنى أسمائه «التواب»: أنه يتوب إلى عباده بأن يردهم إليه فيتوبون، وكذلك يمنحهم من أسرار أسمائه وصفاته ما تكمل لهم به عبوديتهم له سبحانه وتعالى. قال: «فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفا آخر، فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحته وبره وامتنانه وكرمه وسرعة مبادرته لقبولهم». بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرود وشدة النفور والإعراض في طرق معاصيه. وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم وكرمه في أن خلف بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وعصيانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه صلاح، بل تداركهم بالدواء الشافي. فاستخرج منهم داء لو استمر معه لأفضى إلى الهلاك، ولهذا تجد الذنوب إذا تداعت لخطوات الشيطان، وهي إنما تبتدئ بسبب داء، وهذا الداء لو لا التوبة لم اقتلع من أصله. فالتوبة تقتلع أصل الداء من أساسه، بخلاف إذا بقي هذا الداء مع تلك الطاعات، فإنها ربما تكون سببا في الحرمان، يبقى ظاهر الإنسان السلامة، وحقيقته العيب والنقص، مثل الفاكهة التي ظاهرها السلامة، وفي داخلها خبث، يسرع هذا الخبث حتى يأكلها كاملا في الداخل. والعلاج: قطع هذا الداء من أصله، فتبقى سليمة، وفيها هذا النقص، وهذا النقص هو مكان تلك المعصية، فإذا بقيت المعصية صغيرة ولم تقع فتخرج، فإن القلب يبقى مريضا، وربما يكبر هذا المرض. ولكن وقوعها بقدر الله كان سببا لمن وفقه الله للتوبة، طبعا سببا في علاج هذا الداء، كما ذكر رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «فلما تابوا إليه واستغفروا وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفا آخر، فعرفهم رحمته وحسن عائدته وسعة مغفرته وكريم عفوه وجميل صفحته وبره وامتنانه وكرمه وسرعة مبادرته لقبولهم». بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرود وشدة النفور والإضاعة في طرق معاصيه. وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم وبره العميم وكرمه في أن خلف بينهم وبين المعصية فنالوها بنعمته وعصيانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه صلاح، بل تداركهم بالدواء الشافي. طيب، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه، شكرا للمشاهدين.