الدرس في شرح كتاب التوحيد 192، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل شرح الفرق بين القنوط واليأس، حيث يشير إلى أن كلا المصطلحين يعنيان الاستبعاد، ولكن اليأس يستخدم لاستبعاد دفع المكروه، بينما القنوط يستخدم لاستبعاد حصول المرغوب. كما يبين أن كلا الحالتين مذمومتان وعدّهما ابن مسعود من الكبائر.
يشرح هذا الفصل الفرق بين اليأس والقنوط والأمن من مكر الله، ويبين أن المسلم يجب أن يتحلى بالخوف والرجاء معًا. كما يتناول آراء العلماء حول كيفية الجمع بين هذين المقامين في قلب المسلم، ويذكر القول الرابع لبعض أهل العلم في هذا الشأن.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى، ويُنهي الكلام بتأكيد علم الله تعالى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف «رحمه الله تعالى»: وعن ابن مسعود «رضي الله تعالى عنه» قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، رواه عبد الرزاق. أورد المؤلف «رحمه الله تعالى» في ختام بابه الذي أورده في كتاب التوحيد، مبينًا مقامي القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله، أو الأمن من مكر الله، بأنها من المقامات التي ينبغي أن يبتعد عنها كل موحد. وها هنا يذكر لنا أثرًا عن عبد الله بن مسعود، وهذا الأثر كما أسلفنا رواه عبد الرزاق، وسنده صحيح كما ذكر ذلك صاحب النهج السديد. وهذا الأثر يشبه ما قد مضى معنا في درس أمس، في أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عدد لنا الكبائر حيث سئل عنها، فقال: «الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله»، مر ذلك معنى بالأمس مع شرحه وبيانه. وهذا الأثر مثله يدل عليه، اللهم إنه فيه إضافة فقط، وهو أنه فرق بين القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله هنا في هذا الأثر. ابن مسعود «رضي الله عنه» فرق بين القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله. وما الفرق بينهما؟ الأصل أنه لا فرق بينهما؛ لأن القنوط واليأس يجمعهما جامع الاستبعاد، فالقانط يائس، أي مستبعد، واليائس كذلك مستبعد، فكلاهما مستبعد حصول شيء. فهذا هو القانط، وهذا هو اليائس. لكن لماذا عبر عن هذا بالقنوط، وهذا باليأس هنا؟ وجد العلماء فرقًا بينهما، ففرق العلماء بين اليأس والقنوط بأن اليأس هو استبعاد حصول، أو استبعاد دفع المكروه. استبعاد دفع المكروه هذا يقال في حقه يأس. وأما القنوط هو استبعاد حصول المرغوب، وحصول المطلوب، هذا يقال عنه قانط، وهو القنوط. فهذا الفرق بينهما. أي في حال ما تم استبعاده، فإذا كان الإنسان قد استبعد أن يرتفع مكروهًا عنه، يقال: فلان يائس، مثل رجل ابتلاه الله جل وعلا بالمرض، بالفقر، بالضنك، بالشدة، بالغربة، بهم، بغم، وهو يستبعد جدًا أن تدفع وترفع عنه هذه المكروهات، يقال: فلان يائس، هذا يأس. فإذا استبعد ذلك على الله، يقال: هذا يائس من روح الله. وأما القانط فهو الذي يستبعد حصول المطلوب، يستبعد حصول الخير، هو يرغب بأشياء، يرغب بمال، يرغب بأولاد، يرغب بعافية، يرغب بأمن، يرغب بأمان، يرغب بأشياء، لكن يستبعد أن تحصل له، يقال: فلان قانط. فالقنوط واليائس يجمعهما جامع الاستبعاد، لكن استبعاد ماذا؟ فإذا كان الإنسان قد استبعد عن نفسه أن الله يدفع عنه مكروهًا، يقال: فلان يائس من روح الله. وإذا وجدت أن إنسانًا استبعد على الله أن يحصل له المراد، ويحصل له المقصود والمطلوب، يقال عنه قانط. وكلاهما من الكبائر، لا تستبعد شيء عن الله عز وجل. ولهذا تجد في تعبير القرآن مثلًا أن القنوط كما عبر العلماء إنما في حق شخص استبعد أن يحصل له المطلوب، كما قال سبحانه وتعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا»، هنا سمى ربنا هذه الحالة بالقنوط. لماذا؟ لأن العاصي الذي أسرف على نفسه بالمعصية يستبعد أن يتحصل على التوبة، يستبعد أن يتحصل على المغفرة. فلما استبعد حصول المطلوب، سمى ربنا جل وعلا هذه الحالة بالقنوط: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا». وهكذا قال ربنا جل وعلا: «هو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا»، قنطوا أناس، بل عندهم من الطمع والرجاء في أن يتحصلوا على الغيث، لكن استبعدوا هذا، استبعدوا، فسمى ربنا حالهم في استبعادهم من حصول المطلوب سمى ماذا؟ قنوطًا. فأخبر ربنا جل وعلا أنه هو القادر على أن ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، ما قال: يأسوا، قال: قنطوا؛ لأنه في حالة استبعدوا حصول شيء مما يطلبونه ويقصدونه. إذن هذا الفرق إخواني في الله بين اليأس وبين القنوط، فالإنسان لا ييأس من روح الله، ولا يقنط من رحمة الله جل في علا. نأتي إلى مسألة إخواني في الله نختم بها المقام، وهي حذر ربنا جل وعلا من الأمن من مكره جل وعلا، أنك تأمن من مكر الله، تأمن من عقوبة الله. تلاحظ أن الأمن من مكر الله يتفرع من أي وصف؟ يتفرع من قوم عندهم رجاء فقط بالله، كما قال: حال بعض المعاصي وأهل الذنوب والكبائر، لربما يفعل ويفعل من الذنوب والمعاصي ما شاء وهو آمن من مكر الله. من أين جاء هذا الفعل؟ لأنه يطمع، يقول: الله غفور رحيم، الله يغفر، الله يتجاوز عن العباد، الله يعطيني ماذا في قلبي، فيعظم ما في قلبه من الرجاء، فيقع في باب الرجاء إلى أنه يأمن من عقوبة الله. فإذا يتفرع من الأمن من مكر الله وصف الرجاء. الصنف الثاني وهم الذين قنطوا من رحمة الله، يأسوا من رحمة الله، هؤلاء تجد من ماذا هذا الوصف؟ إنه وصفوا به من القنوط واليأس من رحمة الله، واستبعدوا حصول شيء من الله. لما كان في قلوبهم من الخوف من عظيم الخوف والهلع والفزع، أنهم يأسوا أن تتغير الأحوال عندهم، خوفًا. فأن بأن الله عز وجل لن يعطيهم ما سألوا، ولا ما طالبوا، ولا ما خافوا، ولا ما رهبوا، عندهم خوف. إذن القنوط من رحمة الله يتفرع منه الخوف، والأمن من مكر الله يتفرع منه الرجاء، فعندي أعظم مقامين: مقام الخوف والرجاء. فمن عبد الله بالخوف فقط أدخله ذلك في القنوط من رحمة الله، ومن أتى بالرجاء فقط أدخله ذلك في الأمن من مكر الله. ولهذا كان على المسلم أن يتحلى بالوصفين، معًا يكون خائفًا راجيًا. هنا تأتي المسألة والتي وقع فيها الخلاف بين العلماء: كيف يجمع بين مقامي الخوف والرجاء؟ للعلماء هنا أقوال، ومما أذكره في هذا المقام من أقوال العلماء، بعد اتفاقهم على أن المسلم ينبغي أن يتعبد الله بمقامي الرجاء، يطمع بما عند الله، وهكذا عنده خوف من عقوبة الله. لكن تم الخلاف كيف يجمع بينهما في قلبه؟ من أهل العلم من يرى أن المسلم عليه أن يغلب جانب الخوف على الرجاء، يجعل الخوف هو الغالب في قلبه دائمًا، أكثر شيء خائف، والرجاء يعطي قليل من الرجاء في تعبده وإقباله على ربه. قالوا: لماذا؟ قالوا: أنه إذا أشغل كثيرًا باب الخوف، هذا كان رادعًا له من فعل المعاصي والذنوب. قالوا: يغلب، وما قال: فقط يتعبد الله بالخوف لا، خوف فقط، وهذه الزندقة ستصل إلى أنك تقنط من رحمة الله، العلماء يعرفون هذا. قال: لكن غلب دائمًا، كن خائفًا دائمًا، والرجاء موجود في قلبك، لكن جعل له قدر، لكن الأكثر غلب جانب الخوف، حتى ترتدع. كلما جرتك نفسك الدنيا إلى فعل المعاصي، ذكرها بعظيم مقام الله، وزجره وغضب، فتخاف وتنوب وتتوب. قول ثاني من الأقوى على العكس، قالوا: لا، بل على المسلم أنه يغلب جانب الرجاء، يكثر من جانب الرجاء والطمع فيما عند الله من رحمته، من مغفرته، من آلائه، من عظيم عطائه، ولا زال يحدث بأن ربه غفور رحيم دائمًا وأبدًا، هذا الغالب، ويعطي الخوف جانب، لكن ليس بالكثير، قليل. قالوا: لأنه إذا فعل ذلك كان هذا لا يدخله في الأمن من مكر الله، وأيضًا إذا زود جانب الخوف أدخله هذا في إساءة الظن بالله. قالوا: إذن عليه أن يغلب جانب الرجاء أكثر من تغليبه لجانب الخوف. المذهب الثالث من العلماء من فصل، قالوا: إحنا نقول: لا يغلب هذا ولا يغلب هذا، وإنما ننظر في حالته، الإنسان تجري عليه المتقلبات والمتغيرات في حياته اليومية والعمرية. قالوا: فإذا وجد الإنسان نفسه أنه في حال الشدة والأزمة والضيق والكرب، من فقر، من مرض، في مثل هذه الأوقات العصيبة، فإنه ينبغي أن يغلب جانب الرجاء بالله جل وعلا، حتى لا ييأس، ولا يفقد الأمل بربه. أصابه مرض، غلب جانب الرجاء، يا عبد الله، وظن بربك خيرًا، حتى لا تسيء الظن بالله. إذا أعطاك الله القليل من المال، هنا هضم الرجاء بالله، ولا تسيء الظن بربك. فقالوا: عند الشدائد والفتن والمحن، غلب يا عبد الله جانب الرجاء. وقالوا: أما إذا كنت في حال السعة والدعة والماء والكثرة والوفرة، وأعطاك الله ما أعطاك من النعم الكثيرة والآلاء العظيمة، هنا غلب جانب الخوف، حتى لا تركن إلى هذه النعم وتنسى ربك جل وعلا. كلما أعطاك الله النعم، تخاف وتخشى أن يكون هذا استدراجًا من الله، فلا زلت حاسب نفسك على كل نعمة حباه الله جل وعلا لك. قال: وهكذا المسلم يعيش كما قال الطائفة الثالثة، قال: ما نقول: رجاء ولا نقول: خوف، نقول: بالوضع الذي أنت تعيشه. فإذا كنت في حالة شدة وضيق وكربة، غلب جانب الرجاء، حتى لا تيأس من رحمة الله، ولا تصيء الظن بربك. وإذا كنت في جانب السعة والدعة والغنى والصحة والعافية والأمن والأمان، غلب يا عبد الله جانب ماذا؟ جانب الخوف، حتى لا تجعل نفسك تميل إلى البطر وإلى الكبر وإلى الأمن من مكر الله والاستدراج بنعم الله. هذا هو القول الثالث، وهناك قول رابع، وهو قول طائفة من أهل العلم، قالوا: لا يغلب هذا على ذاك، وإنما دائمًا أبدًا يساوي بين المقامين، ما عندي ما يسمى يغلب هذا على هذا في حال أو دون حال. قال: ما عندي غلبة، وإنما تتعبد الله جل وعلا بهذين المقامين مع بعض، مع بعض. كحال الذي يريد أن يتعبد الله بعبادة، ما شرط قبول العبادة؟ شرطها الإخلاص والمتابعة، هل يقال: غلب هذا على هذا؟ لا، كن مخلصًا، كن متبعًا، يقبل عمله. قال: وهكذا في سير العبد إلى الله، ينبغي أن يسير كسير الطائر، كما عبر ابن القيم «رحمه الله»: الطائر يطير في الجو بماذا؟ بجناحين، وكل الجناحين على تساوي. فإذا وجد أنه يطير بجناح واحد، ما طار، جناح واحد ما طار. وإن وجد أن أحد الجناحين أقل من الآخر، تخبط في طيرانه، تخبط في طيرانه. إذا متى يطير الطائر؟ إذا ساوى بين الجناحين. قال: وهكذا المسلم في سيره إلى الله جل وعلا، يسير بجناح الخوف وبجناح الرجاء مع بعض، حتى يصل إلى الله جل وعلا. وهؤلاء استدلوا بأدلة الكتاب والسنة، كما قال ربنا جل وعلا: «أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه»، يرجون الرجاء رحمته، ويخافون الخوف عذابه، فجمع الله لأهل الصلاح بين وصفين اثنين لا غالب بينهما: الرجاء بما عند الله، والطمع بما عند الله، والخوف من عقوبة الله جل وعلا. هكذا يكون المحسن مع الله في سيره إلى الله، وأيضًا يدل على ذلك ما رواه الإمام الترمذي من حديث أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو يحتضر في آخر حياته، قال: «كيف تجدك؟» يسأله نبينا عن حالته في هذه الساعة، في الرمق الأخير من دنياه، «كيف تجدك؟» قال: «يا رسول الله، أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي»، هذا حالي، أنا بين أمرين، عندي خوف، خوف من ذنوبي التي أحملها على ظهري وأنا قادم على ربي، خائف من ذنوبي، وبالمقابل أرجو رحمة ربي، لعلمي أني قادم على رب غفور رحيم، فعندي هذين المقامين. قال: «يا رسول الله، أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي»، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمع هذا في قلب عبد مؤمن في هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما أراد وأمنه مما يخاف»، أعطاكم الله ما أراد، وأمنه مما يخاف. فكان هذا حال الصالح، أقره النبي صلى الله عليه وسلم أنه عبد الله بهذين المقامين دون غلبة أحدهما على الآخر، يخاف من ربه من ذنوبه، ومع ذلك يطمع بما عند الله من مغفرته. فإذا علم هذا، كان هذا الأصل في حال المسلم في إقباله على ربه دائمًا وأبدًا، في حال شدته، في حال رخائه، في حال ضرائه، في حال اعتداله، يتعبد الله بمقامي الخوف والرجاء دون غلبة أحدهما على الآخر؛ لأن الخوف فقط سيؤديك يا عبد الله إلى اليأس من رحمة الله، والرجاء فقط يدخلك في الأمن من مكر الله، وكلاهما من المقامات الخطيرة، بل عدهما نبينا من كبائر الذنوب. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.