شرح الأصول الثلاثة 6

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 6، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

معنى الربوبية وأدلة إثباتها والرد على المخالفين

يشرح المقطع معاني الربوبية في اللغة والشرع متضمنة الخلق والرزق والتدبير، ويستعرض أدلة إثباتها الأربعة: الشرعي والفطري والعقلي والحسي. كما يبين كيف ترد الفطرة على المشركين الذين يجعلون مع الله مدبراً آخر، وعلى الملاحدة المنكرين لوجود الله مع ضرورة استخدام الأدلة العقلية في محاججتهم.

الأدلة العقلية والحسية والانتقال لتوحيد الألوهية

يستعرض المقطع الأدلة العقلية على وجود الله من خلال استحالة الخلق من عدم أو الخلق الذاتي، فيثبت الخالق المدبر، ثم يذكر الأدلة الحسية كالمخلوقات والمعجزات وإجابة الدعاء. ويختتم بالربط بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، مبينًا أن العبادة أوسع من الشعائر الظاهرة لتشمل الدعاء والخوف والرجاء.

تعريف العبادة وضوابطها وتحريم صرفها لغير الله

يشرح المقطع تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية للعبادة كاسم جامع لكل ما يحبه الله من أقوال وأفعال، ويبين ضابطيها بأمر الله بها ونهيه عن صرفها لغيره مستدلاً بآيات الخوف والخشية. كما يفصل في أنواع الدعاء وضابط التمييز بينهما، ويؤكد أن صرف أي نوع من العبادة لغير الله شرك أكبر مع مناقشة صحة حديث "الدعاء مخ العبادة".

ختام الدرس والإعلان عن اللقاء القادم

يختتم المتحدث الدرس الحالي داعياً بالتوفيق للجميع، ويعلن عن مواصلة الدروس في اللقاء القادم. كما يذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام الجلسة.

  • 27 جمادى الأولى 1445هـ - 09/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال مع رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، ولا نزال مع الأصل الأول، ألا وهو معرفة العبد لربه عز وجل. وسبق معنا الكلام حول الربوبية. ومما ينبغي أن يعلم يا إخوان أن من معاني الرب في لغة العرب أنه السيد، وهكذا من معاني الرب المالك والمتصرف. سبحانه وتعالى لا يستعمل الرب مطلقًا أو مضافًا بالألف واللام إلا في حق الله تبارك وتعالى. يقال: الرب، وممكن أن يطلق في حق غيره مضافًا، يقال: رب البيت، ورب السيارة، ورب الدراجة، رب المزرعة بمعنى مالكها، وهكذا أيضًا صاحبها. ومعاني الربوبية كما ذكر العلماء تعود إلى ثلاثة أشياء: إلى الخلق، وهكذا أيضًا إلى الرزق، وإلى التدبير. إلى الخلق والرزق، ليس الرزق الرزق هذا النعمة التي يمن بها ربنا عز وجل على خلقه، لكن الصفة التي لله عز وجل صفة ماذا؟ الله الرازق، ما هي الصفة التي نشتقها من الرزق؟ صفة الرازق، مش الرزق. لا، الرزق هذا مخلوق، لكن الرازق أي أنه يرزق عباده سبحانه وتعالى. وهكذا ماذا؟ معنى الربوبية يعود إلى التدبير، يعود إلى التدبير. وتوحيد الربوبية أو ماذا؟ نعم، توحيد الربوبية يشمل أمورًا، ومنها إثبات وجود الله عز وجل، أن الله تبارك وتعالى موجود، أن الله تبارك وتعالى موجود. وأدلة ربوبية الله عز وجل عديدة، منها الدليل الشرعي، ومنها الفطرة، ومنها كذلك الدليل العقلي، وهكذا أيضًا منها الحس. هذه أربع أشياء مما يستدل به على ربوبية الله عز وجل. قلنا الدليل الشرعي، وماذا نعني بالدليل الشرعي؟ يعني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدل على ربوبية الله عز وجل، على خلقه، وأنه سبحانه وتعالى موجود، جل في علاه. الدليل الثاني: الدليل الفطري. والفطرة يا إخوان هي بمعنى الجبلة التي جبل الله الناس الناس عليها، كما قال سبحانه: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه...» إيش معنى يهودانه؟ يجعلانه يهوديًا، وإلا هو على الفطرة، أو ينصرانه أي يجعلانه نصرانيًا، أو يمجسانه أي يجعلانه مجوسيًا. وإلا لو ترك على الفطرة لتوصل إلى معرفة الله عز وجل، وإلى أن الله موجود معبود سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى. وإثبات الربوبية بالفطرة، بالفطرة يرد به يا إخوان على طائفتين من الناس. الطائفة الأولى: هؤلاء هم المشركون الذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، فتجدهم يعتقدون أن هناك مدبرًا لهذا الكون مع الله عز وجل، أو يعتقدون أن هناك من يعلم الغيب مع الله جل وعلا، وهكذا غيرها من أنواع الشرك التي وقعوا فيها في جانب الربوبية. طيب، إذن الفطرة يا إخوان تخالف هذا، الفطرة تخالف أن يكون هناك مدبر مع الله، أو يعلم الغيب سوى الله عز وجل، أو خالق غير الله سبحانه وتعالى. الطائفة الثانية التي يرد بها عليهم بالفطرة، التي هي دليل على ربوبية الله عز وجل، يرد به على الملاحدة. من هم الملاحدة؟ الملاحدة الذين ينكرون وجود الله عز وجل، ينكرون وجود الله عز وجل. والفتنة يا إخوان بالملاحدة في هذه العصور المتأخرة أعظم من الفتنة بهم في الأزمنة القديمة. في الأزمنة القديمة قلما تجد من ينكر وجود الله عز وجل، ولو وجد من ينكر فهذا شيء شاذ، كالنمرود مثلاً الذي حاج موسى في ربه... حاج إبراهيم في ربه، إذ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، قال: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين. والدهرية القائلين: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، أي زمن هو الذي يحيينا ويهلكنا. فهؤلاء كانوا شواذ. ذكر بعض العلماء أن الإلحاد قامت له قائمة، وأصبحت له مؤسسات ومراكز وهيئات تدعو إليه. قالوا: هذا في حدود القرن السابع عشر الميلادي، في القرن السابع عشر الميلادي قالوا: هنا ظهرت لهذه... ماذا؟ الأمور الإلحادية، ظهر لها دعاة، ولها منابر، ولها كذلك جهات تدعو إليها. وأما في هذه السنوات وهذه العصور المتأخرة فعظم الإلحاد يا إخوان، عظم. عندهم شبه يبثونها في أوساط الشباب، فيأتي الشباب ويصدق هذه الشبه التي من خلالها يحاول أن يقنع الشباب أنه لا إله، لا إله، وإنما هي طبيعة وحياة مادية نعيشها. أما أن هناك ربًا يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ويرفع ويخفض، هذا يعتبرونه ماذا؟ يعني خرافات وأساطير الأولين، أساطير الأولين. وجاءت الشيوعية الحمراء وماذا أعانتهم على ذلك؟ أنه لا إله، وأن الحياة مادة، ما يؤمن إلا بالأشياء المحسوسة، أما الأشياء الغيبية فلا يؤمن بها. فإن قيل لهم: طيب، إذا لم يكن هناك إله ورب، فمن الذي خلق؟ قالوا: الذي خلق وأوجد وسير ويدبر هي الطبيعة، هذه الطبيعة. وهذا يا إخوان من الأمور التي هي من أبطل الباطل، من أبطل الباطل. ولهذا الدليل العقلي هو الذي نرد به على أمثال هؤلاء. لماذا الدليل العقلي؟ ليش ما نرد عليهم بالآيات والأحاديث؟ لماذا بعض الناس يحتاج أن ترد عليه هذه الشبه بأدلة عقلية؟ لماذا لا نرد عليهم بأدلة شرعية من الكتاب والسنة؟ لكي يقتنع. طيب، الكتاب والسنة ما يقنعهم، كيف؟ نعم، قاربت. يعني الكتاب والسنة هم ما يؤمنوا به، هم ما يعترفوا به أصلًا. لكن تجد بعض العلماء يحاورهم ويناقشهم بالأدلة العقلية، والأدلة العقلية هذه في إثبات ربوبية الله عز وجل كما قيل: بحر لا ساحل له، فهو يعتبر بابًا واسعًا، والكلام فيه يكثر، والكلام فيه يكثر. وماذا؟ يعني ربنا عز وجل يخاطب هؤلاء بقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. هذا يسمى دليلًا عقليًا وشرعيًا، يعني آية في القرآن، وأيضًا هذه الآية تحرك عقول هؤلاء، تقول: كيف أنتم الآن يعني عندكم هذه المعتقدات وتنكرون وجود الله عز وجل؟ طيب، انظروا إلى خلقكم. فأعطاهم ثلاثة احتمالات لا رابعة لها. الاحتمال الأول: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾، يعني أخلقوا من العدم، من لا شيء؟ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا؟ ﴿قَالَ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. يعني هل يعني خلقوا من غير شيء؟ الشخص يعني ماذا؟ خلق من العدم؟ يستحيل يا إخوان، لكل مخلوق خالق، كما أن لكل فعل فاعل، كما أن لكل فعل فاعل. فدعوى أنهم خلقوا من غير شيء، أي أنهم خلقوا من العدم، فهذا من أبطل الباطل. الاحتمال الثاني: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، أم هم الخالقون؟ أي هم خلقوا أنفسهم. الشيء يخلق نفسه، الشيء يخلق نفسه. وهذا حتى من باب العقل من الأشياء الباطلة المردودة، غير المقبولة، غير المقبولة. ولم يبق إلا أمر ثالث، وهو أن هناك خالق خلق هذه المخلوقات وأوجدها من العدم، خالق موجود. من هذا الخالق؟ هو الله عز وجل، هو الله عز وجل. ويدل على أن الله عز وجل هو الخالق هناك دلالة يسمونها دلالة الاختراع، أي الإيجاد من العدم. وهكذا أيضًا دلالة العناية، أن الله عز وجل خلق الخلق واعتنى بهم، يسر أرزاقهم، وصور صورهم، وهيأ لهم سماوات وأرضًا وبحارًا وهواء إلى غير ذلك. وهكذا أيضًا دلالة الإتقان، يعني أن الله خلق فسوى، خلق فأتقن. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. وهكذا يعني ماذا؟ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ثم هدى. وهكذا أيضًا دلالة التسخير والتدبير. الله عز وجل يدبر هذا الكون يا إخوان، ليس بالأمر السهل تدبير هذا الكون، لا يستطيع عليه إلا الله عز وجل. تخيل سماوات وأراضين، تخيل بحار وبراري وأجواء، تخيل كواكب وأجرام سماوية. سمعت يوم من الأيام أن شيئًا من هذه الأجرام السماوية ضرب بعضها البعض الآخر. حوادث السيارات كثيرة كل يوم، لكن انظروا إلى هذا الفلك العظيم الذي يدبره ربنا عز وجل. والتسخير: سخر لنا البحر، وسخر لنا الهواء، وسخر لنا الأنهار والأمطار والنباتات والحيوانات. تخيل بعيرًا كبيرًا قويًا يأتي طفل صغير وماذا؟ ويسحبه بخطامه فينقاد له. ليش ما يستطيع البعير يسحب عشرة مثل هذا؟ يستطيع، لكن الله عز وجل يقول: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾. إذن هذه دلالة التسخير والتدبير التي تدل على أن الخالق هو الله وليس غيره سبحانه وتعالى. وأما الدليل الحسي الذي من خلاله نستطيع أن نثبت وجود الله عز وجل، فهذا من الأمور الواضحة. كل ما تراه أمامك هذا من خلق الله عز وجل، يدل على الخالق. كل... المسموعات، كل ما تسمع به وعنه، وهكذا كل ما تلمسه، تشمه، تذوقه، هذا كله من خلق الله عز وجل. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. إبراهيم يقول: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾. هذا خلق الله، ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. فإذن ماذا؟ جانب الحس يدل على ربوبية الله سبحانه وتعالى وعلى وجوده. ويدخل في باب الحس يا إخوان معجزات الأنبياء، هذه تدل على ماذا؟ تدل على ربوبية الله عز وجل. من الذي أعطاهم هذه المعجزات؟ الله عز وجل. وهكذا أيضًا مما يدل على ربوبية الله عز وجل في جانب الحس ذكروا إجابته دعاء الداعين. تخيل أنت مريض وتدعو الله عز وجل فيعافيك، أنت في شدة وكرب فتدعو الله عز وجل فينجيك. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. الله عز وجل يا إخوان يجيب حتى دعاء الكفار، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. كفار، الله عز وجل يستجيب لهم. فهذه استجابة دعوة الداعين، فماذا؟ يعتبر من الأدلة الحسية التي تدل على وجود الله تبارك وتعالى، تدل على وجود الله تبارك وتعالى. وكما سبق يا إخوان، توحيد الربوبية يستلزم ماذا؟ توحيد الألوهية. إذا نحن إذا آمنا أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والمصور والمدبر إلى غير ذلك، فيلزمنا ماذا؟ أن نعبده وأن لا نعبد غيره. ولهذا قال ابن كثير في الآيات السابقات: قال: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وأنتم تعلمون. ثم انتقل رحمه الله تعالى إلى جانب آخر، وهو الانتقال من توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية. قال سبحانه وتعالى: وأنواع العبادة، وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان، ومنه الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشوع والخشية والإنابة والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر. هذه كلها ماذا؟ كلها عبادات. قال: وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها، كلها لله، كلها لله تعالى. إذن حين أن ذكر هذه الأمثلة إنما هو من باب التمثيل، ليس من باب الحصر. هناك عبادات أخرى أيضًا لم تذكر، أيضًا لم تذكر. وأراد الشيخ رحمه الله تعالى بذكره لهذه الأنواع، بهذه أو بذكره لهذه الأنواع للعبادة، أن يجدد مفهومًا، أن يجدد مفهومًا إن درس عند البعض من المسلمين. ما هو هذا المفهوم؟ هذا المفهوم يا إخوان أن بعض الناس يظن أن العبادة هي صلاة، ومنها ركوع وسجود، أنها صوم وزكاة وحج وعمرة. طيب، يعني مفهومهم قاصر في باب العبادة، ما يظن أن الدعاء عبادة، والخوف عبادة، والرجاء عبادة، والرغبة عبادة، والرهبة عبادة، والاستعانة عبادة، والاستعاذة والاستغاثة عبادة. هذه كلها ماذا؟ هذه كلها لا يدرك أنها من العبادة. ولهذا لما يقال يعني: الذي يدعو غير الله عز وجل، والذي يتمسح بالأضرحة والقبور، هذا من قبيل الشرك بالله عز وجل، استغرب بعضهم يقول: كيف؟ نحن ما صلينا لهم، نحن نصلي لله، ما سجدنا لهم، ما ركعنا لهم، صوم لله، الزكاة لله، إلى غير ذلك. فأراد رحمه الله تعالى بذكره لهذه الأنواع وإيراد الأدلة التي تدل على أنها عبادة، أراد أن يصحح هذه المفاهيم لدى بعض الناس. والعبادة يا إخوان عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالته العبودية بتعريف جامع وتعريف عظيم، فقال: هي اسم لكل... أو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، الظاهرة والباطنة. وينبغي يا إخوان أيضًا أن ندرك أمرًا، أن ندرك أمرًا، ألا وهو أن العبادة تعرف بأمرين اثنين. كيف نعرف أن هذا الأمر عبادة أو ليس بعبادة؟ نعرفه بأمرين اثنين. الأمر الأول: أن الله تبارك وتعالى أمر به، أمر به. الأمر الثاني: هو أنه ينهى عن صرفه لغيره، كقوله عز وجل: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾، وخشوني، أمر بخشيته ونهى عن خشيته غيره. وهكذا قوله عز وجل: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾، ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، وهنا يقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إن كنتم مؤمنين. وكما سبق ذكره رحمه الله تعالى لهذه الأنواع من أنواع العبادة، ليس معناه الحصر، أن هذه العبادة فقط وليس هناك عبادات غيرها، وإنما ماذا؟ وإنما أراد أن يذكر هذه الأمثلة. لماذا خص هذه بالذكر؟ لأن مجتمعه تساهل في هذا الباب، وصرفوا مثل هذه العبادات التي ذكرت لغير الله عز وجل، ولا سيما للأضرحة والقبور. فالشيخ رحمه الله تعالى خرج في مجتمع قد تلوث بالقبورية، القبور مشيدة ومعظمة، والزيارات لها سنوية، وتصرف لها من العبادات ما تصرف، يذبح لها ويتمسح بأتربتها ويطاف حولها، والنذور لها والحلف بها وغيرها من الأمور. فلأجل ذلك خص الشيخ رحمه الله تعالى هذه الأنواع بالذكر. ومما يدل على أنه لا يريد الحصر قوله في آخرها: «وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها»، كلها، كلها، أي ما ذكر وما لم يذكر، كلها لمن؟ كلها لله تعالى، كلها لله تعالى. طيب، ثم كعادته يربط طالب العلم بالدليل، يربطه بالدليل، فيذكر الشيء ثم يتبعه بذكر دليله، بذكر دليله. الآن ذكر هذه الأشياء، هذه العبادات، يأتي بعد ذلك ويأتي بالأدلة التي تدل على أنها عبادة. ولم يأتي بدليل على الإسلام والإيمان والإحسان، لماذا؟ لأنه في الأصل الثاني سيتكلم عن الإسلام، ويذكر أن هذه الثلاث هي مراتب الدين، فيتكلم عنها مستقلة وعلى حدة، ويبين معانيها وأركانها إلى غير ذلك. ولهذا لم يذكر الإسلام والإيمان والإحسان، لم يذكر أدلته، وإنما بدأ مباشرة بذكر دليل الدعاء، بذكر دليل الدعاء. فقال رحمه الله تعالى: وقبل ذلك قال: والدليل، أي على ما مضى، أي على ما مضى. والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وأن المساجد لله، ذكر العلماء فيها تفسيران، فيها تفسيران. الأول: وأن المساجد، قالوا: أماكن العبادة، مساجد، أذهي لله، فلا يجوز أن يعبد فيها غيره. والتفسير الآخر: وأن المساجد لله، قالوا: أي أعضاء السجود، مساجد، أي أعضاء السجود، ما لها هذه لله، لا يجوز أن يعبد بها غيره، لا يجوز أن يعبد بها غيره. ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا﴾، أي فلا تعبدوا، أي فلا تعبدوا معه، أي مع الله أحدًا. والدعاء كما هو معلوم على نوعين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة. دعاء عبادة ودعاء مسألة، كما سيأتي معنا. ما هو دعاء العبادة؟ هو أن الإنسان يتوجه إلى الله عز وجل بالعبادة طالبًا ماذا؟ الثواب، طالبًا الثواب. لسان حاله يقول: يا رب أثبني، يا رب أؤجرني على هذا. طيب، ودعاء المسألة هو أن يسأل العبد ربه عز وجل بلسان المقال، يقول: يا رب أعطني، يا رب ارفعني، يا رب ارزقني. هذا دعاء مسألة، دعاء مسألة. وكل الأمرين لا يجوز أن يصرف لغير الله عز وجل، سواء دعاء العبادة أو دعاء المسألة، أو دعاء المسألة. طيب، كيف نعرف أن هذا دعاء عبادة أو دعاء مسألة؟ ذكر العلماء أو بعض العلماء ضابطًا، وهو أنه إذا ورد الدعاء في سياق خطاب الكافرين والمشركين، فغالبًا، غالبًا يا إخوان، يراد به دعاء المسألة... والعبادة، إذا كان الخطاب في سياق ماذا؟ خطاب الكفار المشركين، فغالبًا الدعاء يراد به دعاء العبادة أو دعاء المسألة؟ عبادة، أحسنت، يراد به دعاء العبادة. وإذا كان السياق يتعلق بالمسلم المؤمن وغيرهم، فغالبًا يراد به ماذا؟ دعاء المسألة، دعاء المسألة. قال: «فمن صرف منها شيئًا، أي من هذه العبادات شيئًا، لغير الله فهو مشرك كافر». فهو مشرك كافر. طبعًا هذا هو الأصل، مشرك كافر، لأنه صرف عبادة لغير الله. لكن سيأتي معنا في بعض العبادات تفصيل، مثلاً الاستعانة عبادة، لكن هل يجوز أن يستعين الشخص بغير الله؟ يجوز أو ما يجوز؟ ما يجوز... يجوز أو لا يجوز؟ يجوز في ماذا؟ ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، فالاستعانة والاستعاذة والاستغاثة إذا كانت بالمخلوق في شيء يقدر عليه، وتعاون على البر والتقوى، ولا تعاون على الإثم والعدوان، إذا في تعاون... فهذا من الأشياء المشروعة. قد يكون معصية، قد يكون شرك، متى؟ إذا طلب الاستعانة أو طلب المعونة في شيء لا يقدر عليه إلا... إلا الله عز وجل. استغاث بمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله، هنا يكون شرك. فقوله: «فهو مشرك كافر»، هذا هو الأصل، لكن ماذا؟ قد يراد به غير ذلك في ما يتعلق بالاستعانة والاستغاثة والاستعاذة إذا كانت في أمر مقدور عليه. قال: والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. انظر: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، حكم الله على من دعا غير الله عز وجل بالكفر والشرك، بالكفر. قال: وفي الحديث: «الدعاء مخ العبادة»، الدعاء مخ العبادة. وهذا الحديث بهذا اللفظ حديث أنس، حديث أنس بن مالك، وهو لا يصح، فهو من طريق عبد الله بن لهيعة الحضرمي، وهو مختلط وسيء الحفظ، وأيضًا فيه الوليد بن مسلم، وهو يدلس تدليس التسوية. والحديث بهذا اللفظ ضعيف، لكن يغني عنه حديث النعمان بن بشير، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»، وهو عند أحمد وأصحاب السنن الأربع، وصححه الألباني وشيخنا الوادعي، رحم الله الجميع. طيب، نواصل إن شاء الله في الدرس القادم، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر