الدرس في شرح الأصول الثلاثة 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المقطع مفهوم الاستعانة لغةً واصطلاحاً باعتبارها عبادة خالصة لله مستدلاً بقوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ثم يفصل أقسامها إلى الاستعانة بالله وهي عبادة، والاستعانة بالمخلوق القادر على أمر دنيوي وهي جائزة، والاستعانة على الإثم فهي محرمة، والاستعانة بالعاجز فهي لغو، والاستعانة بالأموات أو الغائبين فيما لا يقدرون عليه فهي شرك أكبر.
يشرح المقطع معنى الاستعاذة بأنها الالتجاء والاعتصام بالله لدفع الشر المتوقع أو النازل، ويميزها عن اللياذة التي هي طلب الخير، والاستغاثة التي هي طلب الإغاثة عند نزول البلاء. ويؤكد أن الاستعاذة عبادة عظيمة تتضمن الافتقار إلى الله والاعتقاد بكفايته مستدلاً بالقرآن والسنة وأقوال العلماء.
يفصل المقطع أنواع الاستعاذة والاستغاثة إلى مشروعة وهي الاستعانة بالمخلوق الحي القادر على أمر دنيوي، وشركية وهي الاستغاثة بالميت أو بالحي في أمر لا يقدر عليه إلا الله. وينتقد معتقدات بعض الفرق في الغوث والأقطاب، مؤكداً أن الاستغاثة الحقيقية عبادة لله وحده، ويختم بدليل الذبح لله وحده.
يختتم الشيخ الدرس مؤجلاً الكلام على العبادتين المذكورتين والأصل الثاني إلى الدرس القادم. ويختم بالدعاء بالتوفيق والحمد والثناء على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع رسالة شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي رحمه الله تعالى، ألا وهي رسالة الأصول الثلاثة. ونحن لا نزال مع هذا الأصل العظيم الذي هو الأصل الأول: معرفة العبد لربه تبارك وتعالى. وذكر رحمه الله تعالى بعد حديثه حول الرب والربوبية ما يتعلق بالألوهية، لأنه كما سبق معنا أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية. فمن اعتقد وآمن أن الله عز وجل هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت المتصرف في هذا الكون، لزمه أن يعبد هذا الخالق، فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون. أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ هكذا يقول الله تبارك وتعالى. وذكر رحمه الله تعالى العبادة وأنواعًا من أنواع العبادات، ثم ذكر الأدلة على هذه العبادات، فذكر الدعاء، وذكر الخوف، وذكر الرجاء، وذكر الرغبة والرهبة، وهكذا الخشية، وذكر التوكل، وهكذا ذكر الإنابة. وآخر ما تكلمنا عنه هو الاستعانة. الاستعانة، وقلنا: السين في الاستعانة تسمى سين إيش؟ سين الطلب. استعانة أي طلب العون، طلب العون، طلب العون. والمقصود بالعون أي المساعدة، أي المساعدة. وهكذا كما نقول: استطعام أي طلب الطعام، استسقاء طلب السقيا، استكساء أي طلب الكسوة، وهكذا غيرها من الكلمات الأخرى. الاستعانة: قلنا طلب العون. وسبق معنا أن من أهل العلم من عرفها فقال: هي الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، مع الثقة به في تحصيل ذلك. الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، أي بالله عز وجل، في تحصيل ذلك. وهي كما سبق عبادة، هي كما سبق عبادة لله عز وجل. وربنا تبارك وتعالى ماذا أمرنا بها؟ أمرنا بها. فربنا عز وجل يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك، إلا بك. وذكروا العبادة قبل الاستعانة من باب ذكري أو ماذا؟ تقديم العام على الخاص. العبادة عامة، والاستعانة نوع من أنواع هذه العبادة، نوع من أنواع هذه العبادة. والاستعانة يحتاجها العبد في جميع أعماله، فلا حول لنا ولا قوة لنا إلا بالله، أي إلا إذا أعاننا الله عز وجل على ذلك. فمن أعانه الله أُقِيمَ لأداء هذا العمل، ومن لم يعنه الله فلا يستطيع أن يقدم أو يؤخر، أو يقول أو يفعل شيئًا من هذه الأعمال، شيئًا من هذه الأعمال. وذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى عند تفسيره لسورة الفاتحة، عند قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: «وقدم إياك نعبد على إياك نستعين». قال: لأن العبادة له هي المقصودة. لماذا قدم إياك نعبد على إياك نستعين؟ قال: لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاستعانة وسيلة إليها. هكذا ذكر رحمه الله تعالى وغفر له. ولاحظوا أن ربنا تبارك وتعالى قد ذكر الاستعانة، فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كما في حديث ابن عباس: «وإذا استعنت فاستعن بالله»، أي أطلب المعونة من الله تبارك وتعالى. وفي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير». ثم قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». لا تعجز، لا تقول: أنا ما أعرف، أنا ما أستطيع. هذا عجز. قال: «واستعن بالله»، أي أطلب المعونة من الله عز وجل في القيام بهذه الأعمال وهذه الأفعال. «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، ولا تعجز. وذكر العلماء أقسامًا للاستعانة، فهناك استعانة تعتبر عبادة، تعتبر عبادة، وهي الاستعانة المتضمنة لكمال التذلل بين يدي الله عز وجل، وتفويض الأمر إلى الله سبحانه، إلى الله سبحانه. فهذه يا إخوان ماذا تعتبر؟ عبادة. الاستعانة التي فيها تذلل لله عز وجل، وهكذا أيضًا فيها تفويض الأمر إلى الله عز وجل، فهذه تعتبر عبادة. طيب، نوع آخر: وهي الاستعانة بالمخلوق على أمر يقدر عليه. تستعين بشخص، بإنسان، على أمر يقدر عليه. مثلا: عندك أسطوانة غاز ثقيلة، أنت ما تستطيع تحميلها لوحدك، تقول: لو سمحت، آه، ساعدني. هل هذا شرك؟ لا، ما هو شرك. ليش؟ لأنك طلبت المعونة على أمر يقدر عليه. فيأتي يحمل من جانب، وأنت تحمل من جانب، وتؤدون الغرض. عندك دراجة تريد أن تدفعها، أو سيارة تريد أن تدفعها، ما تستطيع لوحدك، تقول: يا فلان ساعدني، وأنت يا فلان ساعدني. فيأتون ويدفعون معك، وتعاون على البر والتقوى. هذه ماذا؟ إعانة مشروعة جائزة. ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. هناك شخص تريد أن تؤذيه أو تقتله، فتطلب من شخص أن يساعدك في هذا الأمر، تقول: ساعدني في ماذا؟ نريد نضرب فلانًا، أو نسرق بيت فلان، أو نقتل فلانًا. لا، ما يجوز. ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. أيضًا هناك استعانة تكون بمخلوق، بمخلوق غير قادر. مخلوق حي لكنه غير قادر. على سبيل المثال: شخص يغرق، وعلى حافة النهر أو شاطئ البحر رجل مشلول على كرسي، ما يستطيع يتحرك. فأنت تصيح من هناك وتقول: يا فلان ساعدني. هذا يا إخوان يعبر عنها العلماء بأنها لغو. كيف لغو؟ يعني غير مفيدة، غير مفيدة. ما يستطيع يفعل لك شيئًا، ما يستطيع أن يفعل لك شيئًا. وماذا؟ وهناك نوع من أنواع الاستعانة وهو يعتبر من الأنواع الخطيرة، ألا وهي الاستعانة بالأموات، أو الاستعانة بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون عليه، لا يقدرون عليه. مثلا: يأتي واحد ويستعين بميت، صاحب قبر، ويستعين به في ماذا؟ في بعض الأعمال الشاقة. يقول: يا شيخ فلان أعني، يا ولي فلان ساعدني. إيش بيعمل لك؟ ما يستطيع يفعل شيئًا. ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. ولو سمعوا، لو فرضنا أنهم يسمعون، ما استجابوا لكم، ما استجابوا لكم. يأتي مثلا عند بعض الأحياء الموجودين، يستعين بهم على شيء لا يقدر عليه إلا الله جل في علاه. فهذا يعتبر شركًا بالله تبارك وتعالى، يعتبر شركًا بالله تبارك وتعالى. ودليل الاستعاذة: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. والاستعاذة يا إخوان هي طلبوا العوذ. الاستعاذة: طلب العوذ. وماذا؟ والعوذ: لما تقول أنت: أعوذ، ما معنى أعوذ؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أعوذ: معناها ألتجأ، معناها أعتصم، معناها ألجأ إليك يا رب. هي بمعنى الالتجاء والاحتماء والاعتصام بالله تبارك وتعالى. وقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى حين أن تكلم حول الاستعاذة في بداية تفسيره، في بداية تفسيره، قال: «فصل». وقال: «فصل: والاستعاذة هي الالتجاء». قال: «والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى». قال: «والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى والالتصاق بجنابه، والالتصاق بجنابه، من كل شر ذي شر، من كل شر ذي شر». أي من شر كل صاحب شر. فهذه هي الاستعاذة. ثم ذكر رحمه الله تعالى قال: «والعياذة تكون لدفع الشر، العياذة تكون لدفع الشر، واللياذة تكون لماذا؟ لجلب الخير». عندنا عياذة وعندنا لياذة: عياذ ولياذ. العياذ لدفع ليس الشر، واللياذ لجلب الخير. كما قال المتنبي يخاطب سيف الدولة الهمداني فيقول: «يا من ألوذ به فيما أؤمله * ومن أعوذ به مما أحاذره» يقول: يا من ألوذ به، واللياذ قلنا طلب الخير. «يا من ألوذ به فيما أؤمله» أي أطلبه. «ومن أعوذ به مما أحاذره» أي مما أحذر منه وأخاف منه. «لا يجبر الناس عظما أن تكاسره * ولا يكسرون أو ولا يهضعون عظما أنت جابره» عظما أنت جابره. ولهذا قلنا: الاستعاذة هي ماذا؟ الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، والالتصاق بجنابه، من ماذا؟ من شر، ماذا؟ من شر كل ذي شر، كل ذي شر. ولهذا في قوله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾. وتتكرر الاستعاذة يا إخوان من الشيطان الرجيم. الاستعاذة: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. لماذا يا إخوان تكثر الاستعاذة في القرآن من الشياطين؟ استعاذ بالله عز وجل من الشياطين. لأن الشياطين: أولا هم من ألد أعداء هذا الإنسان، فهم يحاولوا الإضرار بك، وهم يحاولوا أذيتك. ثانيا: لا يستطيع أن يمنع أذية الشياطين عنا وضررهم بنا إلا من؟ إلا الله عز وجل. ما يستطيع أحد لو أتى شخص عنده عضلات ومعه أسلحة وجلس بجانبك، ما لك، قال: أحميك من الشيطان. هل يستطيع يفعل شيئًا؟ ما يستطيع يفعل شيئًا. لكن الله عز وجل هو الذي يستطيع، هو الذي يقدر على ماذا؟ على أن يمنع عنا أذى الشيطان، وكذلكم وساوس الشيطان، وهكذا أذية الشيطان. وينبغي أن نعلم يا إخوان أن الاستعاذة تعتبر من أعظم العبادات، فهي تعتبر دعاء. الاستعاذة تعتبر نوعًا من أنواع الدعاء، وهذا الدعاء فيه افتقار إلى الله تبارك وتعالى، وفيه أيضًا اعتقاد كفايته سبحانه وحمايته سبحانه لهذا، لهذا الإنسان. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى، قال رحمه الله تعالى: «قال: والاستعاذة والاستجارة والاستغاثة نوع ماذا؟ والاستغاثة من نوع الدعاء والطلب، وهي ألفاظ متقاربة، وهي ألفاظ متقاربة». إذن الاستعانة دعاء، والاستعاذة دعاء، وسيأتي معنا الاستغاثة أيضًا دعاء لله عز وجل، لله عز وجل. وماذا؟ قد يدعو الإنسان يا إخوان دعاء مسألة مثلا، لكن لا يكون حضور القلب كحضور المستعيد أو المستغيث. المستعيد يدعو وهو يخاف من ماذا؟ من شر قادم. لاحظوا يا إخوان: الاستعاذة، وسيأتي معنا الاستغاثة. الاستعاذة هي ماذا؟ أن الإنسان يطلب الاحتماء، ويطلب الاعتصام، والالتجاء إلى الله عز وجل، من ماذا؟ من شر نزل، أو من شر يخشى نزوله. لاحظوا، وبهذا نستطيع نفرق بين الاستعاذة والاستغاثة. قلنا: الاستعاذة هي طلب العوذ، أي طلب الاحتماء، وطلب الالتجاء، وطلب الاعتصام بالله عز وجل، من ماذا؟ من شر. هذا الشر وقع، نزل، أو يخشى وقوعه ونزوله. نعم، واضح؟ السؤال: طيب، أنت تخاف من عدو، قالوا: عدو قادم، عدو قادم. هنا تقول: أعوذ بالله، أي أعتصم بالله من أن يصيبني هذا العدو بشيء. قالوا: مرض بدأ ينتشر، تقول: نعوذ بالله، أي نحتمي بالله. طيب، هذا الضر وهذا الشر نزل، أو يخشى من نزوله؟ نعم، نزل أو يخشى من نزوله. أحسنت: يخشى من نزوله. عدو بعيد قرب. لكن الاستغاثة سيأتي معنا أنها ماذا؟ أنها إذا نزل البلاء، ونزل الشر، هنا يأتي الاستغاثة. بينما الاستعاذة: الشر عاد، ما وصل. الاستغاثة: الشر نزل، البلاء حل. فهنا ماذا؟ نفرق بين الاستعاذة وبين الاستغاثة. وأنواع الاستعاذة: كما قلنا في الاستعانة، هناك نوع عبادة، وهو الاستعاذة التي تتضمن كمال الافتقار إلى الله عز وجل، وكذلكم أيضًا الاعتصام به، ويعتقد أن الله عز وجل سيكفيه، أن الله عز وجل سيكفيه. هذه عبادة. ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ﴿وَقُلْ أَعُوذُ﴾، ماذا؟ ﴿وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. واستعاذة أيضًا تكون بصفة من صفات الله عز وجل، كما جاء في حديث خولة بنت حكيم، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل، حتى يرتحل من ذلك المنزل». وهكذا كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بعزتك»، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر. إذا شعرت بألم في شيء من جسدك، ضع يدك على هذا الموضع الذي تألم، ثم ائتِ بهذا الدعاء، تقول: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، سبع مرات. انظر كيف ينفعك الله بذلك. أما الاستعاذة بالأموات: استعاذ بميت في قبره، هذه شرك. أو يستعاذ بحي لكن على أمر لا يقدر عليه إلا الله جل فعلا، فهذه استعاذة تعتبر شركًا، كاستعاذة بالجن. ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، فزادوهم رهقًا. فهذا من أنواع الاستعاذة، هذا من أنواع الاستعاذة. يجوز: هناك نوع آخر من أنواع الاستعاذة جائز، تستعيد بمخلوق حي قادر على أمر يقدر عليه. مثلا: جاء شخص يريد أن يضربك، وأنت لا تستطيع أن تقاومه، تقول: يا فلان، يا فلان، أعذني، هذا قادم يضربني، أعذني. فيأتي هذا صاحب العضلات مثلا الذي استعذته، فيمنعه عنك، ويدفعه عنك. فهذه استعاذة ماذا؟ استعاذة مشروعة جائزة. في حي قادر على أن يفعل هذا الشيء، قادر على أن يفعل هذا الشيء. قال: ودليل الاستغاثة: قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، فاستجاب لكم. والاستغاثة يا إخوان: أي طلب الغوث، طلب الغوث. وما هو المقصود بالغوث؟ قالوا: المقصود بالغوث إزالة الشدة. الغوث: أي إزالة الشدة. مثل الاستنصار: طلبوا النصر، طلبوا النصر. والاستغاثة: طلبوا إزالة الشدة. والاستغاثة تعتبر نوعًا من أنواع الدعاء، تعتبر نوعًا من أنواع الدعاء. والاستغاثة متى تكون؟ هل قبل حلول الأذى أو بعد حلوله؟ آه، الاستغاثة: نعم، شيء قد وقع. إذا وقع المكروه هنا يستغيث الإنسان ربه عز وجل. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. وهذه كانت الآية في غزوة بدر الكبرى، لما بات النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، العدو حاضر، والمسلمون موجودون، والنبي صلى الله عليه وسلم بات تلك الليلة يصلي عند شجرة، ويستغيث ويناشد ربه عز وجل أن ينجزه ما وعده. فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾. طيب، وهكذا أيضًا قوله عز وجل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، إذا دعاه ويكشف السوء، ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. لاحظ: قال ﴿وَيَكْشِفُ﴾، إذن السوء قد نزل. فالاستغاثة تكشف هذا السوء الذي نزل، الذي نزل. وهكذا قوله تبارك وتعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. كشف: أي أن يكشفوا ويرفعوا ذلكم الضر الذي نزل بكم، الذي نزل بكم. ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وهكذا أيضًا ماذا؟ الأدعية كثيرة التي فيها الاستغاثة. إذن الاستغاثة يا إخوان: عبادة، وهي نوع من أنواع الدعاء، نوع من أنواع الدعاء. الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والاستجارة، كلها من أنواع الدعاء، كلها من أنواع الدعاء. وأقسامها يا إخوان: كما سبق، هناك استغاثة عبادة، وهي أن يستغيث العبد بربه سبحانه وتعالى، بربه سبحانه وتعالى، وتكون ماذا؟ فيها من الافتقار، وفيها من إظهار الضعف لله تبارك وتعالى. هناك استغاثة تكون بماذا؟ استغاثة تكون بالأموات، هذه استغاثة شرك. إنسان تتعطل عليه سيارة في مكان بعيد، فيقول: يا شيخ فلان، يا ولي فلان، أغثني. تتعطل مكينة في قارب في أعماق البحار، ما يقول: يا الله، يا رب، لا، فيقول: ماذا؟ يقول قائلهم: يا شيخ فلان، أغثني، يا ولي فلان، أدركني. انظر: يذهب ويستعين بالبعيد الفقير الضعيف، ويترك القريب القوي الغني. وهذا يا إخوان مما يدل على سخافة عقول هؤلاء، وهذا من المواضع التي فاقى واشتد شرك المتأخرين على شرك المتقدمين. المتقدمون: إذا وقعوا في أزمة، نزلت بهم نازلة، عند الضراء والشدائد، يقولون: يا الله. ما يقولون: يا هبل، يا لات، يا عزة. وإذا كانوا في البر والرخاء يدعون هذه الأصنام. لكن المشركون المتأخرون أشد شركًا منهم: في الرخاء وفي الضراء، في الضيق والشدائد، وفي غيرها، يدعون هذه، هذه ماذا؟ يدعون هؤلاء المقبورين، وهؤلاء الذين يعتقدون فيهم الخير والصلاح. فهذه تعتبر شركًا: يستغيث بميت، أو يستغيث بحي، بحي في أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى، فهذا يعتبر شركًا. هناك استغاثة جائزة: يستغيث بحي قادر. على سبيل المثال: إنسان ذهب يغتسل في البحر، ما يجيد السباحة، فشيئًا فشيئًا، وإذا به يدخل إلى داخل البحر، أراد أن يمس الأرض تحته، ما استطاع، وإذا بالبحر يأخذه إلى داخل، أو شك على الغرق. هناك بالساحل أو بجانبه من يغتسل، فيصيح: يا فلان، أغثني، يا فلان، أغثني. يدخل هذا السباح الماهر، ويحاول أن ينقذه، ويخرجه إلى البر. هذه استغاثة جائزة، كما في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، ماذا فعل موسى؟ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. واليوم يعني أهل البدع يعتقدون يا إخوان اعتقادات باطلة، يعتقدون اعتقادات باطلة. فتجد أن من معتقداتهم أن هذا الكون، أن هذا الكون، وأن أهل الأرض يرفعون حوائجهم إلى ثلاثمائة من النجباء، سمونهم إيش؟ نجباء. وهؤلاء الثلاثمائة من النجباء يرفعون إلى سبعين من النقباء، إلى سبعين من النقباء. والسبعون هؤلاء من النقباء يرفعون أمرهم إلى أربعين من الأبدال، أربعين من الأبدال. والأربعون هؤلاء يرفعون أمرهم إلى سبعة أقطاب. والسبعة الأقطاب هؤلاء يرفعون أمرهم إلى أربعة أوتاد، كأوتاد الخيمة. والأربعة الأوتاد يرفعون أمرهم إلى الغوث. هناك يعتقدون غوث. والصحيح يا إخوان أن الغوث يعني ماذا؟ والله عز وجل الذي يغيث الناس، يغيث العباد. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، وليس غيره سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: ودليل الذبح: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾. ومن السنة: «لعن الله من ذبح لغير الله». طيب، نؤخر هذين العبادتين مع الكلام حول الأصل الثاني إلى الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.