الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل أهمية الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكونه خاتم النبيين. يشدد على أن الإيمان برسالته شرط لصحة إيمان العبد.
يتناول هذا الفصل آراء فلاسفة المسلمين الذين أنكروا الوحي الإلهي وادعوا اكتساب النبوة. يُظهر أن هذه الآراء تُعتبر كفرًا لأنها تنكر اختيار الله للأنبياء.
يُبيّن هذا الفصل خصوصيات النبي عليه الصلاة والسلام وخصائصه كما جاءت في الكتاب والسنة، مثل شفاعته ودخول الجنة وامتلاكه لواء الحمد والمقام المحمود. يشير أيضًا إلى مؤلفات الخصائص مثل كتاب السيوطي 'الخصائص الكبرى'.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى في "لمعة الاعتقاد": فصل ومحمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم صلى الله عليه وسلم. قال: "أمته خير الأمم وأصحابه خير الأصحاب الأنبياء صلى الله عليه وعلى آله وسلم". فهذا الفصل تابع للاعتقاد في النبي عليه الصلاة والسلام، أي الواجب الذي يعتقده المسلم في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما هو هذا الإيمان؟ وما هي هذه الشهادة؟ أن يشهد أن النبي عليه الصلاة والسلام رسول من الله جل وعلا، أرسله الله عز وجل بالهدى ودين الحق إلى هذه الأمة بشيرا ونذيرا، كما أخبر الله عز وجل في القرآن، وقوله: "محمد رسول الله" صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ونبي من أنبياء الله، بل خاتم النبيين. والنبوة هي وحي من الله جل وعلا، هكذا عند أهل السنة، أن النبوة وحي يوحيه الله عز وجل إلى بعض خلقه، يصطفيهم ويختارهم. الله يصطفي من الملائكة رسلا، ومن الناس أنبياء. فلهذا فالنبوة قيل: من التنبؤ، وهو الوحي، أن الله عز وجل ينبئه يوحي إليه. وقيل: إن النبوة من النبأ، وهو الإخبار. وكل المعنيين صحيح، إما من النبأ وهو الإخبار، وإما من النبوة وهو الارتفاع والعلو. وأما بعض الفلاسفة من أهل البدع، بل من فلاسفة ما يسمى بفلاسفة المسلمين، وهم ليسوا بمسلمين، فقد ذكروا أن النبوة هي فيض يفيض على العبد، ليس معنى ينكرون أن يكون وحيا، يقولون: النبوة هي العلم والعمل، فكل من صفا قلبه فقد تأتيه هذه النبوة. معنى كأن النبوة ليست من الله، وليست اصطفاء من الله. وهذا يقوله بعض الفلاسفة كالفارابي وابن سينا والرازي وغيرهم من هؤلاء الزنادقة الذين لا يؤمنون بالنبوة وأنها وحي. ولهذا بعض أهل الباطنية من أهل التصوف، كابن سبعين، كان يذهب إلى غار حرة ويتعبد، ويترجى أن يوحى إليه أن تكون عنده نبوة، مع أنه قد علم المسلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال: "لا نبي بعدي". وهذا يذهب إلى غار حرة ويتعبد كما يقولون. وكان إذا رأى الطائفين عند البيت يطوفون يقول: "كأنهم حمر"، يعني مثل الحمير يطوفون، لو طافوا بي لكان أولى، هكذا يقول. أخذاه الله، وهو من زنادقة الصوفية. ابن سبعين صاحب معنى كان من غلاة أهل التصوف الباطنية. فلهذا فهؤلاء يقولون: إن النبوة مكتسبة، يقولون: إن النبوة تكتسب وليس وحيا من الله. وهذا كلام باطل، بل كفر بالله، لأنه فيه إنكار للآيات، فيه إنكار للآيات أن الله عز وجل اختار الأنبياء واصطفاهم وأوحى إليهم. وهؤلاء يظنون أن النبوة ليست شيئا يوحى أو اختيارا من الله، وإنما شيء يكتسبه العبد يكتسبه بالصفاء كما يقولون، وأيضا العلم والعمل، فيكتسب النبوة. فلهذا يقولون: إن النبوة مكتسبة وليس وحيا، وهذا من أقوالهم الكفرية. أقوال هؤلاء الفلاسفة، ولهذا كفر كثير من العلماء ابن سينا والفارابي وغيرهما. قال: "خاتم النبيين وسيد المرسلين". خاتم النبيين هذا في الآيات: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين"، ختم الله عز وجل به هذه الرسالة. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "مثلي ومثل الأنبياء قبل كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة، فكان الناس يمرون به ويقولون: لو جاءت هذه اللبنة لكمل هذا البناء. قال: فأنا اللبنة". فهذا البناء هو بناء الأنبياء، وخاتمهم نبينا عليه الصلاة والسلام، ختم به هذا البناء وكمل به هذا البناء. قال: "وسيد المرسلين". الذي جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة". وجاء في لفظ: "أنا سيد الناس يوم القيامة". وجاء في سنن أبي داود: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر". فهو سيد الناس، وإنما قال: "سيد المرسلين" لأن الرسل هم أفضل الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم سيدهم، سيد الناس جميعا، فهو سيد الرسل. ويدخل في هذا المعنى ما جاء عند الترمذي في حديث أبي بن كعب أنه قال: "قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم". وهذا يدل على هذا الأمر وأنه إمام النبيين وسيدهم. وهناك خصوصيات للنبي عليه الصلاة والسلام كثيرة جاءت في الكتاب والسنة، ومن ذلك ما ذكره المؤلف هنا من هذه الخصوصيات: شفاعته صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل الموقف، شفاعة العظمى، وشفاعته أيضا لدخول الجنة. وأيضا كذلك أنه صاحب لواء الحمد والمقام المحمود وهو الشفاعة، والحوض المورود. وأيضا كذلك من هذه الخصائص العظيمة أنه أعطي الكنزين الأبيض والأحمر، أي من الغنائم، أي أنه يستولي على كنوز الدنيا. وأيضا كذلك من هذه الخصائص أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "وانصرنا بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا"، وغيرها من الخصائص التي للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك لأمته. وخصائص التي تكون للأمة تكون له صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد ألفت مؤلفات في هذا الباب، أي في باب الخصائص، ومنها ما ألفه السيوطي من "الخصائص الكبرى"، لكن فيه أحاديث ضعيفة كثيرة.