التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 85

التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 85

الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 85، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

السحر في كتاب التوحيد: تعريفه وسببه وحكمه

يُدرج السحر في كتاب التوحيد لأنه لا يتم إلا بالشرك واستعانة بالشياطين، ويعرّف لغوياً بما خفي سببه واصطلاحاً بتأثير الشياطين في بدن الإنسان أو عقله لتقربهم إليهم. تستدل الآية ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ على كفر الساحر، ويناقش العلماء هل انتفاء نصيبه من الآخرة كلي أم جزئي.

أقوال العلماء في آيات الوعيد بالسحر وتقسيم أنواعه

يذكر العلماء قولين في آيات الوعيد: الأول يجريها على عمومها للزجر، والثاني يخصصها فيفرق بين سحر الشياطين وهو كفر ينفي النصيب بالكلية، وسحر الأدوية وهو معصية ينفي النصيب بالبعضية. كلا النوعين يستوجبان القتل، لكن الأول يقتل ردة والثاني حداً لكونه صائلاً معتدياً.

أحكام السحر وأنواعه وتفسير الجبت والطاغوت

يرجح القول المميز بين سحر يكفر صاحبه (سحر الشياطين) وسحر لا يكفر لكن يعاقب عليه، مع أن كليهما يستوجب القتل حداً أو ردة. وتفسر آية ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ بأن الجبت هو السحر والطاغوت هو الشيطان، تفسيراً بالمثال لا بالحد الجامع، مبيناً أن كفر أهل الكتاب كان بسبب إيمانهم بالسحر والشيطان.

خاتمة الدرس والانتقال إلى الأحاديث

يختتم المتحدث شرح الآيتين الواردتين في الباب، ويعلن أن الدرس القادم سيتناول الأحاديث التي ذكرها المؤلف تحت هذا الباب. وتشير الترجمة إلى أنها من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في السحر: ومناسبة ذكر السحر في كتاب التوحيد؛ لأن السحر لا يتأتى -كما قال الشيخ ابن عثيمين- إلا عن طريق الشرك. فالشياطين لا تخدم الإنسان إلا لمصلحة، وهي إغواء بني آدم وإدخالهم في الشرك والمعاصي. ولذلك السحر لا بد أن يستعين بالشياطين، فالشيطان هدفه إضلال بني الإنسان ووقوعهم في الشرك، والسحر هدفه متاع الدنيا. ولذلك يقول بعضهم لبعض في يوم القيامة: ﴿ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ ﴾، يعني الساحر استمتع بالشيطان، والشيطان استمتع بالساحر. فلذلك تجد من صفات الساحر الوقوع في الكفريات، فلربما وطئ المصحف بقدميه، أو كتب الآيات بالنجاسات كدم الحيض ونحوه، أو وضع المصحف في القاذورات، ولا تجده يصلي مع الناس، بل ولا في بيته، وغير ذلك من تلك الأعمال الشيطانية. فمناسبة إدخال السحر في كتاب التوحيد ظاهرة وواضحة. وسياتي معنا حكم الساحر من كلام الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله. والسحر فهو يعني يدخل في الشرك الاعتقادي، كما أن الأبواب السابقة تدخل في الشرك العملي ووسائله. فالسحر وأبواب بعده ستة تدخل في الشرك الاعتقادي. والسحر في اللغة: ما لطف وخفي سببه. فلذلك يقال لمن يحسن البيان: ساحر، لأنه خطف القلوب بما لطف وخفي من أسلوبه. ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا ﴾. رحمك الله، هذا في اللغة. وأما في الاصطلاح فهو: تأثير الشياطين في بدن أو عقل الإنسان، بسبب التقرب إلى الشياطين. نعم، تأثير الشياطين في بدن أو عقل الإنسان بسبب التقرب إليهم، إلى هؤلاء الشياطين. ثم ذكر أدلة على أن السحر شرك وكفر بالله سبحانه وتعالى، فذكر هذه الآية: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾. وقوله -كما ذكر ابن عثيمين-: "لمن اشتراه" أي تعلمه، يعني علمت هؤلاء الشياطين أن من تعلمه ما له في الآخرة من خلاق، أي من نصيب، ليس له نصيب، ليس له نصيب في الآخرة. وذكر الشيخ ابن عثيمين مسألة تتعلق بهذه الآية، وهو قوله: ﴿ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾، أي من نصيب. هل ينتفي النصيب بالكلية أم ينتفي بعضه؟ ومعنى هذه المسألة: يعني في قوله "ليس له في الآخرة من نصيب"، أهل معنى ذلك أنه ليس له نصيب بالكلية لا قليل ولا كثير، أم أن له نصيبًا ولكن هذا النصيب ليس كاملًا ولا وافيًا، بل بعض ذلك النصيب؟ ذكر في هذه المسألة قولين: القول الأول: أن آيات الوعيد تمر كما جاءت. وهذه السورة أو هذه الآية آية وعيد، الوعيد أي بما توعد الله عز وجل به العصاة في يوم القيامة. فالقول الأول قالوا: هذه الآية من آيات الوعيد، وآيات الوعيد تمر كما جاءت، ولا يحرص على جمعها مع آيات الوعد. الوعد أي ما وعد الله عز وجل عباده المؤمنين بالأجر العظيم يوم القيامة. فقالوا: الأصل في آيات الوعيد أنها تمر كما جاءت، ولا يحرص على جمعها مع آيات الوعد بي المغفرة حتى لا يقلل من شأنها، يعني من شأن آيات الوعيد. يعني لو قلنا هذا النصيب إنما هو بعض النصيب، كأن قللت من أمري، ماذا؟ من أمري تعلم السحر، من أمري تعلمي السحر. فلذلك بعض أهل العلم قالوا: تمر هذه الآية على عمومها، على عمومها، حتى تكون أقوى في الزجر، حتى تكون أقوى في الزجر، لقوله تعالى: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾، حتى يقع التخويف والزجر من هذا الفعل، لأن الله ساقها مساق التخويف والترهيب من هذا الفعل. فرأوا أن النصيب منتفي بالكلية على ظاهر الآية. هذا القول الأول. القول الثاني: قالوا تضم نصوص الوعيد لنصوص الوعد، وينتفي النصيب على تفصيل. يعني قد يكون نفي النصيب بالكلية، وقد يكون نفي النصيب ليس بالكلية بل بعض هذا النصيب. ما هو هذا التفصيل؟ قالوا: ينتفي كله إذا كان السحر باستعمال الشياطين. هذه مسألة مهمة جدًا، فإن العلماء قسموا السحر إلى قسمين: سحر عن طريق الشياطين بالعقد والنفث والربط، فهذا نوع من أنواع السحر وهو أشدها، وهو أشدها. ونوع ثانٍ من أنواع السحر وهو السحر باستعمال الأدوية والعقاقير، يعني ليس عن طريق الشياطين وإنما عن طريق بعض الأدوية والعقاقير أو الأمور المجربة التي تسحر الإنسان، بمعنى تغيره، وربما تخيل إليه أنه يعمل الشيء ولا يعمله أو نحو ذلك. فعلى هذا التقسيم فصل أصحاب القول الثاني في مسألة هل ينتفي النصيب بالكلية أو ينتفي بعضه، فقالوا: ينتفي كله إذا كان السحر باستعمال الشياطين بالعقد والنفث والربط ونحو ذلك، فهذا هنا ينتفي النصيب بالكلية، لأن صاحب هذا السحر وقع في الشرك، يعني استعمال الشياطين والتمتع بالشياطين، فإن الشيطان لا يرضى من الساحر إلا الكفر، كما في هذه الآية أيضًا: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾. فذلك على أن تعلم السحر عن طريق واستعمال الشياطين هذا من الكفر ومن الشرك. وأما إذا كان السحر باستعمال أدوية وعقاقير ليس عن طريق الشياطين، فهنا ينتفي النصيب بالبعضية لا بالكلية، لأن صاحبه لا يكفر، على تفصيل فصله العلماء، ومنهم الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله، في حكم الساحر، في حكم الساحر. فالصحيح في ذلك التفصيل من حيث الحكم عليه، أما من حيث القتل فكلاهما يُقتلان: الساحر عن طريق الشياطين أو عن طريق العقاقير والأدوية، كلاهما يُقتلان. لكن قتل الأول -إن كان مسلمًا قبل وقوعه في السحر- فهو مرتد، فيقتل قتل ردة عن الإسلام. نعم. وأما الساحر عن طريق الأدوية والعقاقير فهو ظالم معتد، حكم عليه العلماء حكم الصائل المعتدي. الصائل أي الذي صال على المسلمين بطغيانه، فيُقتل، فيُقتل لهم. فهنا يقتل وإن كان مسلمًا، وإن كان مسلمًا لأنه معتد ظالم جائر. وهكذا الساحر عن طريق الأدوية والعقاقير لأنه يضر بالناس، يضر بالناس، فحكم وحكم الصائل، وإن كان ليس بكافر لكنه يقتل، وهذا القتل على أنه حد وليس ردة. ففرق بين الأمرين، ففرق بين الأمرين. فهذا تفصيل مهم جدًا في أمر السحر والسحرة، في أمر السحر والسحرة، وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم، من أقوال أهل العلم. وسيأتي زيادة التفصيل في بعض تلك المسائل. إذن خلاصة هذه المسألة: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾، أي من نصيب. هل هذا النصيب منتفي بالكلية أو منتفي بعضه؟ آه، من يلخص لنا هذه المسألة؟ عندك يا طايا، اشتلخيص هذه المسألة: "ما له من خلاق" يعني هل الساحر يوم القيامة ليس له أي نصيب نهائيًا لا قليل ولا كثير؟ عندك يا أبا طاهر، ها، كيف ليس له نصيب مطلقًا؟ أي نوع من أنواع السحر؟ النوع، النوع الأول، هذا النوع الأول ليس له نصيب مطلقًا، وهو سحر الشياطين. طيب، وأما النوع الثاني فقد يكون له نصيب لأنه لا يكفر، طيب، فيعاقب على ظلمه وسحره ويجازى على إسلامه. طيب، نعم، أما حكم القتل فكلاهما يُقتلان، الأول ردة والثاني حدًا. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في مثل هذه المسائل. والآية الثانية في قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾. قال عمر: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وقال جابر، وقال جابر: الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد. يقول الشيخ عثمين: الطاغوت الشيطان، قال: من التفسير بالمثال، لأن الطاغوت أعم من الشيطان. وقد تقدم معنا أن التعريف الجامع للطاغوت هو ما ذكره العلامة ابن القيم عليه رحمة الله، أن الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فيدخل في ذلك ماذا؟ الشيطان، يدخل في ذلك الشيطان. فإذا رأيت مثلًا من أهل العلم من يفسر الطاغوت مثلًا بالشيطان، أو يفسر الطاغوت على سبيل المثال بالسحرة، أو مثلًا الأصنام، أو باللات أو العزة أو نحو ذلك، فهذا كله على سبيل التفسير بماذا؟ بالمثال، بالمثال. لكن بالحد فهذا أمره واسع، كما سمعنا. مثلًا الكبيرة، الكبيرة لها تعريف ولها أمثلة، فمثلًا الكبيرة: وكل ما جاء فيه وعيد في الآخرة أو حد في الدنيا أو لفظة لعن أو "ليس منا"، هذا ماذا يعتبر؟ حد. لكن لو قلنا الكبائر هي مثلًا الشرك والسحر وأكل الربا والزنا والسرقة، هذا كله بالمثال، الكبيرة بالمثال ليس بالحد. وهكذا أمر الطاغوت أو الجبت أو نحو ذلك. فمن أهل العلم من يفسرها بالمثال، من يفسرها بالمثال. إذا تقدم معنا أن الجبت يطلق على ثلاثة أشياء، منها السحر، ومنها ماذا؟ كذلك منها السحر. ومنها الجبت مر معنا في الباب الذي قبل هذا أنه يأتي بمعنى السحر، ويأتي بمعنى عند من الطاغوت أو الشيطان، يأتي بمعنى الشيطان، ما يأتي بمعنى الطاغوت. لا، نحن نتكلم عن الجبت، يأتي بمعنى السحر ويأتي بمعنى الشيطان. طيب، والطاغوت يطلق عليه الشيطان، وهذا من التفسير بالبيان، التفسير بالمثال، بالمثال. وإلا فله حد كما تقدم. ووجه الشاهد من هذه الآية: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾، ففسر الجبت بالسحر، والطاغوت بالشيطان، وكلاهما له تعلق بالباب، فإن السحر لا يقع، خصوصًا السحر الذي يكون شركًا، إلا عن طريق الشياطين، إلا عن طريق الشياطين. ففيه شاهد للباب أن أهل الكتاب ما كفروا إلا بسبب إيمانهم بالجبت والطاغوت، بالجبت والطاغوت. طيب، تكلمنا اليوم عن هاتين الآيتين التي وردتا في هذا الباب، ويوم غدٍ إن شاء الله ننتقل إلى ما ذكره المؤلف من أحاديث تحت هذا الباب. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر.