الدرس في التعليق على حلية طالب العلم 77، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ الدرس الأخير بالحديث عن الفصل السابع المخصص لمحاذير طالب العلم، مؤكداً ضرورة ختام الكتاب بها لئلا ينقض ما بناه من آداب. يذكر الشيخ ما انتهى إليه الدرس السابق من النهي عن الطائفية والحزبية.
يحذر المقطع من خطورة الانخراط في الحزبيات التي تضيع جهود طالب العلم، مستشهداً بتحذير الشيخ الوادعي بأن الحزبية «مساخة» تمسخ صاحبها. يوضح كيف يستدرج الحزبيون الطلاب الصالحين ويصرفونهم عن العلم إلى الأنشطة الحزبية.
حذر الشيخ طلابه من مخاطر الحزبية لكن بعضهم اغتروا بالدنيا والمال فانحرفوا وصاروا دعاة للتحزب. أخرج الشيخ شريط «البراءة من الحزبية» وكتاب «حكم الانتماء» لبيان الخطورة، وتوسع الشيخ بكر أبو زيد في هذا الباب.
يختتم المتحدث الدرس بالتأكيد على ضرورة الحذر من الحزبيات، ويبشر بمزيد من الكلام في الدرس القادم. يدعو الله أن يوفق للخير ويجنب الشر والحزبيات ويثبت على الدين حتى اللقاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمواصلة أيها الأحبة في الله مع حلية طالبي العلم للشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى. ونحن كما سبق على مشارف الانتهاء من هذه الحلية المباركة التي فيها من الآداب ما يزيد طالب العلم حسناً إلى حسنه، وهكذا جمالاً إلى جماله، فهي درر، وهي كذلكم أيضاً آداب ينبغي على طالبي العلم أن يهتم بها. ونحن مع الفصل السابع والأخير الذي جعله في بيان محاذير ينبغي على طالبي العلم أن يجتنبها ويبتعد عنها. ومن المناسب يا إخوان أنه ختم هذه الحلية بهذا الفصل، لكي لا يكون طالب العلم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً. آداب، آداب، آداب، ثم يفعل ما ينقض هذه الآداب. فالمصنف رحمه الله قال: انتبه، هناك محاذير يجب أو ينبغي أن نتنبه لها وأن نجتنبها. وتكلمنا في الدرس الماضي حول الأدب الخامس والستين، والذي عنون له بقوله: «لا طائفية ولا حزبية يعقد الولاء والبراء عليها». وهذا الأدب يا إخوان، وهذا المحذور من الأهمية بمكان؛ لأن من أكثر وأخطر الأمور التي تهدد طلاب العلم هو الوقوع في هذه الحزبيات، وهذه كذلكم أيضاً التعصبات التي تضر بطالب العلم، ولربما كان نشيطاً ومجتهداً في طلب العلم، ثم إذا خرط في حزب من الأحزاب، أو في جمعية من الجمعيات التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، يضيع ما جمع، يضيع ما جمع. وسبق وأن ذكرنا أن شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى كان كثيراً ما يحذر طلابه، بل والناس جميعاً، من الوقوع في الحزبية. وكان يقول كلمة، ما هي هذه الكلمة؟ كان يقول كلمة، ما هي هذه الكلمة يا أبا خالد؟ كان يقول: الحزبية... صعباً شوية الكلمة... الحزبية لا بأس، قاربت... نعم يا بحري، لا بأس... مساخة، الحزبية مساخة. ما معنى مساخة؟ يعني يكون صاحبها ممسوخاً، كان على خير فيغير ويبدل هذا الخير الذي كان عليه، الذي كان عليه. وكم يا إخوان من كان من طلاب العلم على خير واستقامة، وعلى حفظ للقرآن وحسن تلاوة وقراءة وصوت، فيتصيدهم هؤلاء الحزبيون، فلربما يترك طلب العلم، ويتجه إلى... بدلاً من أنه يهتم بخيراة القرآن وحفظه، وإذا به يصبح منشِّداً ينشد أناشيد، وتضيع الأعمار والأوقات في ذلك. وشيخنا الوادعي رحمه الله تعالى عانى كثيراً من دعاتي الحزبية، من دعاتي الحزبية. حاولوا أن يغروا الشيخ رحمه الله تعالى بالأموال: «نساعدك ونساعد مركزك»، لكن عندهم أفكار، عندهم توجهات، عندهم ولاء وبراء ضيق. الشيخ لم يستجب لهم، ورفض الانصياع لهم. فماذا فعلوا؟ جعلوا يغروا بعض طلاب الشيخ، ولا سيما كبار الطلاب، فأخذوا من أخذوا منهم، أخذوا من أخذوا منهم. وكم نصح الشيخ لهم، وحذرهم من مغبة الدخول في هذه الاتجاهات والانحرافات والعصبيات. لكن كما ذكر رحمه الله تعالى أنهم أوتوا من جهة الدنيا، ما صبروا على الفقر وقلة ذات اليد التي قد يبتلى بها طالب العلم، غرتهم الدنانير والدراهم، فذهبوا وأصبحوا دعاة إلى التحزب. وكان الشيخ يتلطف بهم، ويتألفهم، وينصحهم، حتى زعموا ونشروا أن الشيخ رحمه الله تعالى معهم وعلى طريقتهم. فعندها أخرج الشيخ رحمه الله تعالى من أوائل أشرطته التي يحذر فيها من الحزبية شريطاً بعنوان «البراءة من الحزبية»، وبيّن رحمه الله تعالى خطورة هذه الدعوات، وخطورة هذه العصبيات التي قد يبتلى بها طلاب العلم. فينبغي على طالب العلم أن يكون يقظاً، وأن يكون منتبهاً لمن يصطادون في الماء العكر، وأحياناً يكون الماء صافياً فيعكر الماء ثم يصطاد فيه، ثم يصطاد فيه. وما ذكره الشيخ بكر رحمه الله تعالى كلام جيد نفيس في بيان خطورة هذه الحزبيات، وله كتاب آخر بعنوان «حكم الانتماء»، حكم الانتماء، أجاد وأفاد، كذلكم أيضاً فيه أجاد وأفاد. وبقي ثم... يعني ماذا نقول؟ وهكذا كلمات تتعلق بهذا الأدب أوردها الشيخ بكر رحمه الله تعالى في هذا الأدب من هذه الحلية، وتجد أنه توسع في هذا الأمر نظراً لخطورته، ونظراً... ونظراً لكثرة ما يؤتى طلاب العلم من جهته. فالواجب علينا أن نكون حذرين، ويأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل مزيد كلام حول تتمة هذا الأدب وهذا المحذور. أسأل المولى عز وجل أن يوفقنا لكل خير، وأن يجنبنا كل شر وضير، وأن يجنبنا الحزبيات والعصبيات، وأن يثبتنا على هذا الدين وهذا الخير حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.