شرح الأصول الثلاثة 44

شرح الأصول الثلاثة 44

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 44، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مهمة الأنبياء والرسل ومعنى الطاغوت

يشرح هذا الفصل مهمة الأنبياء والرسل ودعوتهم إلى عبادة الله وحده واجتناب الطاغوت، ويوضح معنى الطاغوت وأنه يشمل كل ما تجاوز الحد في العتو والتمرد. يُبين أيضًا أن الكفر بالطاغوت واجب على جميع العباد.

اختلاف العلماء في تعريف الطاغوت

يتناول هذا الفصل اختلاف العلماء في تعريف الطاغوت، موضحًا أن هذا الاختلاف ليس تضادًا بل تنوعًا في التمثيل لمعنى واحد، وهو كل ما عبد من دون الله وتجاوز حده في العبودية. يُوضح أن الطاغوت يمكن أن يكون الشيطان أو الساحر أو الكاهن أو الصنم.

تعريف الطاغوت وبيان أنواعه حسب ابن القيم

يشرح هذا الفصل تعريف الطاغوت حسب ابن القيم، وهو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، ويبين أنواع الطواغيت الثلاثة: طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت متابعة وطاعة. يُوضح أن هذه الأنواع تشمل مختلف صور الطغيان.

الختام والدعاء والصلاة على النبي

يتضمن هذا الفصل الختامي دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، ويشكر المشاهدين على المتابعة. يُنهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر التزامًا بالآداب الإسلامية في الختام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكل أمة بعث الله إليها رسولًا من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وذكرنا إخواني في الله ما يتعلق بهذه الفقرة من مسائل حول الأولوية التي هي لنوح عليه السلام، وهكذا ما يتعلق بختم الرسالة بنبينا محمد عليه الصلاة والسلام. قال: يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، مما يناسب ذكره كذلك من خلال بحث المؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر مهمة أو مهام الأنبياء والرسل. وقال رحمه الله تعالى: وكل أمة بعث الله إليها رسولًا من نوح إلى محمد، يأمرهم بعبادة الله وحده، أي الأمر بالتوحيد، الأمر بوحدانية الله سبحانه وتعالى، يأمرهم بعبادة الله وحده وينهاهم عن عبادة الشرك، عن عبادة الطاغوت. قال: والدليل على هذه المهمة وعلى هذه المسؤولية التي ألقيت على عواتق الأنبياء والرسل وعلى كواهلهم، قال قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. بعثنا قد مر معنا أن البعث في اللغة يأتي بمعنى الإرسال، بعثنا أي أرسلنا. ولقد بعثنا في كل أمة، ما من أمة إلا وبعث فيها ربنا جل وعلا نذيرًا، وهذا من رحمة الله جل وعلا بعباده حتى لا يهلك من هلك إلا عن بينة، ولا يحيى إلا من حي عن بينة. فما من أمة وما من طائفة وما من شعب إلا وأرسل إليهم ربنا جل وعلا رسلًا ونذرًا وأنبياء مبشرين ومنذرين. قال: وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت، الكفر بالطاغوت يعتبر من الواجبات، بل لا يتحقق الإيمان ولا يتحقق التوحيد إلا بالكفر بالطاغوت، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾. سيأتي معنا أن العروة الوثقى هي كلمة التوحيد، لا يكون العبد موحدًا حقًا وصدقًا بالله جل وعلا إلا بكفره بالطاغوت. فقد قال العلماء: كيف يكون العبد كافرًا بالطاغوت؟ قال: يكون ذلك بالقلب، ويكون ذلك باللسان، ويكون ذلك بالجوارح. أما الكفر بالطاغوت بالقلب، وذلك أن تبغض الطواغيت، وأن يملأ هذا القلب بغضًا وكراهة لها، وهذا حق من الكفر ما يسقط عن أحد، الكل مطالب بهذا النوع من الكفر بالطاغوت القلبي، حتى في حال إكراه، ما يسقط، يبقى القلب مطمئنًا بالله، ومن اطمئنانه بالله أنك تكفر بجميع الطواغيت، تكفر بها، تكرهها، لا تردها، تمتلئ منها غيظًا من وجودها، وتتمنى زوالها من هذه الدنيا، هذا الكفر بالطاغوت القلبي. وهناك الكفر بالطاغوت باللسان، وهذا لمن استطاع لذلك، "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون"، فإشعارك بأنك لا تدين إلا بدين الله، وأنك أعلنت بأنك لن تعبد سوى الله، ولن تعبد هذه الأديان والملل والأصنام والأوثان، هذا هو كفر بالطاغوت، وهذا باللسان، وهذا في قول إبراهيم: "إني براء منكم ومما تعبدون من دون الله"، هذا كفر بالطاغوت باللسان، وهذا يكون في حق من يستطيع لذلك. وأيضًا هناك الكفر بالطاغوت، ويكون بالجوارح، ولمن كان له القدرة والغلبة والهيمنة والسلطة، أن تستخدم اليد في إظهار كفرك بالطاغوت، ففعل، وذلك كما فعل نبينا عليه الصلاة والسلام أن كسر الأصنام بيده عليه الصلاة والسلام، تكسير والتخريب لهذه المعالم الوثنية هو الكفر بالطاغوت. يقول العلماء: أن حقيقة عبادة الله واجتناب الطاغوت الذي بعث بها الأنبياء ورسخ فيها، في الحقيقة هي الدعوة إلى توحيد الله، لا إله إلا الله، هذه الدعوة اجتناب الطاغوت والإيمان بالله سبحانه وتعالى. لكن بقي هنا مسألة، وهي ما معنى الطاغوت الذي جاء ذكره في القرآن وفي الكتاب والسنة؟ يقول العلماء: أن الطاغوت ما أخذ من الطغيان، والطغيان في اللغة وهو مجاوزة الحد، مجاوزة الحد. ولما طغى الماء، ﴿طغى الماء حملناكم في الجارية﴾، طغى الماء أي زاد الماء وتجاوز الحد. ويقال في عرفنا وفي لغتنا في حق من بلغ من الشقاوة مبلغ، يقول: فلان طغى، فلان طغى. ويقال لمن بلغ من العتو والتمرد على عباد الله بأنه طاغية، لماذا؟ لأنه تجاوز الحد في المعاملة. فالطغيان في اللغة تأتي بمعنى مجاوزة الحد. طيب ما معنى الطاغوت في الشرع؟ وهي أصل طغيان، والطاغوت من وزن فعلوت، وهذه الصيغة تدل على التوسع والتكثير، صيغة من صيغ التكثير، طاغوت، ومنها ملكوت، هذه الصيغة تدل على الامتلاء وعلى الكثرة. ما معنى الطاغوت في اصطلاح العلماء؟ من أهل العلم من ذكر الطاغوت بتعيينها، بتعيينها، فذهب من ذهب وقال بأن الطاغوت هو بمعنى الشيطان، كما أثر ذلك عن عمر الخطاب رضي الله تعالى عنه، وعن مجاهد، وعن بعض التابعين أنهم قالوا: الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به هو الشيطان. ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الطاغوت بمعنى الساحر، بمعنى الساحر، وهذا كذلك قول نقل عن بعض العلماء من السلف من قال بأنه الساحر. ومنهم من قال بأنه الكاهن. ومنهم من قال بأنه الصنم، إمام مالك رحمه الله تعالى قال: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. هذه إخواني في الله أقوال العلماء واختلافهم في تعيين ما هي الطاغوت، هو في الحقيقة ليس اختلافًا، ويراجع لهذه المسألة ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رسالته "صول التفسير". بيّن رحمه الله تعالى عندما تكلم حول اختلاف التنوع، وهو أراد رحمه الله تعالى أن يزيل اللبس الذي يقع في أذهان كثير ممن يقرأ القرآن أو يقرأ التفسير، فيجد بعضهم ما من آية أو غالب الآيات أن الشروحات العلماء تختلف. مثل هذه لفظ الطاغوت، أحد يقول ساحر، أحد يقول كاهن، أحد يقول هو الشيطان، من يقول بأنه صنم والأوثان، فيجد بعض الناس من أمثال هذه النقولات المختلفة أن هذا من الاختلاف بين المفسرين. يرى هذه الكلمة ثم الكلمة الأخرى وآية أخرى، ويجد أن القرآن مليء بهذه الاختلافات، فبعضهم لربما يضيق صدرًا من هذا الاختلاف الذي يرى. قال: إيش هالتفسير هذا؟ العلماء ما استقر رأيهم إلا على القليل. فبين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الحق في هذه المسألة، وأن الاختلاف عند المفسرين يكون على نوعين اثنين، اختلاف تنوع واختلاف تضاد. وأن اختلاف التنوع هو في الحقيقة ليس اختلافًا، وإنما كله يؤول إلى معنى واحد، الكل يؤول إلى معنى واحد. ثم ذكر رحمه الله تعالى واستفاض في ذكر هذه المسألة، وذكر السبب الأول أو الوجه الأول، الوجه الثاني، الوجه الثالث، الوجه الرابع في ذكر أن هذه الاختلافات غالب الاختلافات الموجودة في القرآن عند المفسرين هي من باب اختلاف التنوع. من هذا ما نحن بصدده، وهو الإتيان إلى التمثيل بلفظ عام، هذا يسمى تمثيل، أي عندي لفظ عام هنا، فيأتي من يريد من المفسرين يفسر هذه الكلمة، وما يريد أن يفسرها، وإنما يأتي بمثال لها، يأتي بمثال لها. وهنا تختلف أنظار العلماء، فأحدهم يمثل بمثال يرى أن مثاله ينفع لهذا الزمن. فيأتي من يقول: الطاغوت بمعنى الشيطان، وآخر يقول: أن الطاغوت بمعنى الساحر، ومن يقول: أن الطاغوت بمعنى الكاهن. وفي الحقيقة ليس هناك اختلاف، فالطاغوت يدخل فيه الساحر والكاهن والمشعوذ والإمام الضال من دون الله جل وعلا، كل هؤلاء الطواغيت. وسيأتينا كل هؤلاء الطواغيت، وإنما الذي جرى لهؤلاء، إنما هؤلاء ذكروا من باب التمثيل، من باب التمثيل. فأنت يا عبد الله أردت مثالًا له، أردت مثلًا أن تفسر الآيات فيها، "واذكروا الله ذكرًا كثيرًا"، تقول لبعض الناس: استغفر الله أكثر من الاستغفار، فهل معنى الذكر واستغفار فقط؟ لا، أنت تمثل. فيُمكن لشخص آخر أن يأتي إلى نفس هذه الآية واللفظة ويجعل الذكر بمعنى التسبيح، ويأتي الآخر ويجعل الذكر بمعنى التكبير والتهليل. فهؤلاء ذي تنوعت عباراتهم، فهم في الحقيقة غير مختلفين، وإنما كل يمثل بمثال لهذه الكلمة العامة. وهذا ما بحق طويل جدًا، وقد توسع كما قلنا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في أمور نافعة، الذي ماذا ينجلي فيها ما يقع في أذهان الناس عندما يرى هؤلاء هذه الألفاظ المختلفة من المفسرين، يجد أن هناك تفاوتًا وأن هناك عدم سداد على رأي موحد. لا يا عبد الله، الطاغوت الذي بين أيدينا من عبر عنه بهذه التعبيرات من ساحر ومن كاهن ومن شيطان ومن صنم ممن عبد من دون الله، هو في الحقيقة كله يقول إلى معنى واحد، وكل ذلك يدخل في حيز الطاغوت، وإنما اختلافهم كان من اختلاف التنوع، من باب ذكر التمثيلات، أي كل يمثل بمثال لهذا المعنى العام. ومن أهل العلم من أتى بقواعد لا ما عين، وإنما يأتي بقاعدة عامة تندرج تحتها أجناس من هذه الطواغيت، ممن ذكر ذلك الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، عندما ذكر ما يتعلق بتعريف الطاغوت وذكر أقوال السلف الذين مثلوا بأمثلة حول هذا المصطلح العام. قال رحمه الله تعالى: قال والصواب في الطاغوت، قال: كل ذي طغيان على ربه، قال: فعبد من دونه، إما بالقهر منه لمن عبده أو بطاعة ممن عبده، إنسانًا كان ذلك أو شيطانًا أو صنمًا كائنًا من كان. فقول رحمه الله تعالى بعدما ذكر الأمثلة في هذه المسألة، ذكر هذه القاعدة، رحمه الله تعالى: أن الصواب في الطاغوت هو كل ذي طغيان على ربه جل وعلا، فمن كان طغيانه تجاوز إلى حق الرب سبحانه وتعالى، فإن هذا يدخل في حق الطاغوت أو في مصطلح الطاغوت. فقال رحمه الله تعالى: فكل ما عبد من دون الله، عبد من دون الله، جعل نفسه ندية مع الله جل وعلا، هذا مجاوز الحد، الخلق خلق والخالق خالق، فلو أن أحدًا من الخلق تجرأ على أنه يتجاوز حد البشرية الذي هو خلق، لأجل أن يكون بشرًا، أن يكون عبدًا، أن يكون مملوكًا، أن يكون ذليلًا إلى الله جل وعلا. فإذا قام هذا المخلوق الذليل فتجاوز حده، حيث جعل نفسه في مصاف الرب سبحانه وتعالى، ويرى أنه حقًا يُعبد كما يُعبد الله، فهذا طاغوت، لماذا؟ لأنه تجاوز الحد في نفسه، فبلغ إلى منزلة لا تصلها، قال: فعُبِد، إما بقهر منه، إما أنه يقهر غيره، فتطاغى أو حتى عن طريق طواعية الناس، عبدوا من دون الله، فوكذلك يُعبد من طواغيت. لكن سيأتي معنا أن هذا بشرط الرضا، بشرط الرضا. ثم مثل رحمه الله تعالى، قال: وإما بطاعة ممن عبده. أو كذلك قد لا يُعبد، لكن قد يُطاع من دون الله جل وعلا، يُطاع في مسألة التحليل والتحريم، ويرى من نفسه أنه له حق التشريع للناس، فهذا كذلك يدخل في حيز الطاغوت. قال: إنسانًا كان ذلك العبد، أو شيطانًا، أو صنمًا، أو كائنًا من كان. ثم ذكر مؤلف رحمه الله تعالى، قال: قال ابن القيم رحمه الله تعالى: معنى الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. وتفسير ابن القيم رحمه الله تعالى هو الذي اصطلح عليه الكثير من المتأخرين، لأنه رحمه الله تعالى ذكر حدًا جامعًا مانعًا، يدخل في طياته الكثير من الطواغيت، كما سيمثل المؤلف رحمه الله بعد هذه الفقرة. ابن القيم رحمه الله تعالى أتى لنا بقاعدة في معرفة من هو من الطاغوت، ومن الذي يستحق أن يوصف بأنه طاغوت. فقال: الطاغوت، وكل ما تجاوز به العبد حده، كل ما أي شيء أي شيء تجاوز حده. قال رحمه الله تعالى: كل ما تجاوز به العبد حده، قلنا العبد حده العبودية، فإذا بلغ أن هذا العبد تجاوز الحد، سواء أكان هذا التجاوز في نفسه أو كان هذا التجاوز حتى في غيره، تجاوز في نفسه أو تجاوز في غيره، المهم أن أخرج نفسه أو أخرج غيره عن مقام العبودية. فقال ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: الطاغوت، قال: معنى الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. من معبود، إذا ظن العبد من نفسه أنه أحق لأن يعبد، وأن يكون معبودًا من دون الله جل وعلا، ربنا معبود جل فعلًا، وهو يرى كذلك أنه معبود، أنه يستحق أن يعبد. وكما قلنا: سواء كان هذا التجاوز في نفسه، يرى أنه أهل أن يعبد، أو أنه رأى غيره أهلًا أن يعبد، فمن تجاوز به العبد حده في باب العبادة، ورأى في نفسه وفي غيره أنه أهل أن يعبد من دون الله جل وعلا، فهذا هو الطاغوت، فهو يكون طاغوتًا في نفسه. وأما غيره إن رضي لغيره أن يعبد من دون الله، فإن هذا يعد الغير من الطواغيت، كما قلنا بشرط الرضا، أن يكون هذا الغير راضيًا بأن يعبد من دون الله. لماذا؟ هذا القصد سيأتينا لإخراج من عبد وهو غير راض، عيسى عليه السلام، ألم يعبد؟ بلى، عبد من دون الله جل وعلا، النصارى هؤلاء عباد الصليب، هم عباد لعيسى، اعتقدوا فيه الألوهية والربوبية، فعباداتهم وقرباتهم لعيسى. فعيسى عبد من دون الله، لكن هل كان برضاه؟ لم يكن برضاه، فلا يعده من الطواغيت، بل نبينا عليه الصلاة والسلام، ألم يعبد؟ عبد، "اللهم لا تجعل قبره وثنًا يعبد"، عبد نبينا من بعض الفرق الباطنية، من من يستغيث به ويدعوه ويلتجئ إليه ويرتمي في جنابه كما يقع عليه أصحاب الجاهلية الوثنية في هذا الزمن. فالنبي عبد، وغضب له عبادات، لكن هل هذا يجعل نبينا في مصاف الطواغيت؟ حاشًا، لماذا؟ لأنه عبد بغير رضاه، فلابد أنه يعبد برضاء، وهذا سيأتي من كلام مؤلف رحمه الله تعالى بعد عدة فقرات. الحاصل أن من تجاوز الحد فظن أنه معبود من دون الله جل وعلا أو معبود مع الله، فهذا هو الطاغوت. الثاني قال: أو متبوع، كذلك يرى أن شخصًا يرى من نفسه أو يرى في غيره أنه أحق أن يتبع، يتبع في كل شيء، يتبع في كل شيء، وأنه هو القدوة والأسوة، وأنه لا يخرج شيء عن مضماره ولا عن أخلاقه ولا عن سلوكياته، وأن فعله هو الأسوة والقدوة الذي ينبغي أن يتبع على غيره. فمن ظن أن لأحد من الناس، إن ظن في نفسه أو ظن في غيره، فهذا كذلك يجعله في عداد الطواغيت. الصورة الثالثة قال رحمه الله تعالى: أو مطاع، إن ظن من نفسه أنه له أحق الطاعة، الطاعة المطلقة، يحلل ويحرم، يأتي وهذا الطاعة من هذا صف كثير جدًا، يرى من نفسه أنه عنده حق التشريع والتقنين، وأنه يطاع من دون الله جل وعلا. يأتي إلى أشياء ما أحلها الله فيحرمها على العباد، هذا حرام، ويأتي إلى أشياء قد حرمها ربنا جل وعلا، يقول: هذه حلال، فمن ظن في نفسه أنه بهذه المثابة، وأنه يملك حق الطاعة، وأن الناس يطيعونه بهذه الطاعة المطلقة، يحرم ويحلل، أو ظن في غيره أنه فلانة حق التشريع، يغير ويبدل، هذا يجعله في مصاف الطواغيت. ولهذا قال سليمان بن سحمان رحمه الله تعالى: قال: والطواغيت ثلاثة، طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت متابعة وطاعة، طاغوت حكم، وطاغوت عبادة، وطاغوت متابعة وطاعة، هذه الأشياء الثلاثة. ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: قال: ومن تأمل في طواغيت الدنيا لا يراها تخرج عن هذه الثلاث، من تأمل في طواغيت الدنيا يرى أنها لا تخرج من هذه الثلاث. فهذا إخواننا في الله ملخص هذا الباب، وسيسرد المؤلف رحمه الله تعالى بذكر بعض صور الطواغيت، حيث قال رحمه الله تعالى: قال: والطواغيت كثيرون على هذا الضابط، فهناك كثر، كثر، لا كثرهم الله. ثم قام رحمه الله تعالى بتعداد ورؤوسهم خمسة، ثم قام بذكر رؤوس الطواغيت، وسيسرد إن شاء الله في درس غد بإذن الله ما يتعلق بهذه الرؤوس الخمسة وما يتبعها ويلحقها من مسائل. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرًا للمشاهدة.