المحاضرة بعنوان التبسيط في أحكام بيع المرابحة والتقسيط، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 5 جمادى الآخر 1446هـ الموافق 6 ديسمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يقرر المحاضر أن الأصل في المعاملات الحل والاباحة مستدلاً بالقرآن والسنة، وأن من ادعى تحريم بيع معين فعليه الدليل، مع التنبيه على النهي عن الاشتغال بالتجارة عن الواجبات. كما يفرق بين البيوع الصحيحة التي أقرها الإسلام وبيوع الجاهلية المحرمة لاشتمالها على الغرر والجهالة كبيع الحصاة والملامسة.
ينقل النص إجماع العلماء على جواز الربح في البيع، ويستعرض صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء كما ذكرها ابن القيم حيث يأمر شخص آخر بشراء سلعة بربح معلوم دون إلزام بالوفاء. ويبين حيلة أخذ الخيار لضمان حق البائع إذا تراجع الآمر، مع الإشارة إلى تطبيق البنوك الإسلامية المعاصرة لهذا العقد.
يشترط لصحة المرابحة في البنوك الإسلامية تملك البنك للسلعة وحيازتها قبل بيعها للعميل، أما إلزام العميل بعقد ملزم قبل تملك البنك للسلعة فهو محرم لوقوعه في بيع ما لا يملك وربح ما لم يضمن. ويقرر قاعدة "الخراج بالضمان" مبيناً أن المرابحة الملزمة أو الوعد مع دفع الثمن وتسجيل دين بزيادة هي في حقيقتها قرض جر نفع وربا محرم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». وقد حمل العلماء هذا الحديث على العلم العيني الذي يجب على كل مسلم أن يتعلمه، كأمور التوحيد والعقيدة، أن يعلم المسلم التوحيد كي يحققه، ويعلم الشرك كي يجتنبه. وهكذا الصلاة، يجب على المسلم أن يعلم شروطها وأركانها وواجباتها حتى يؤدي هذه الصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى، وكما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهكذا يعلم أمور الصيام، فيعرف مبطلات الصيام وشروط الصيام وأركان الصيام حتى يكون صيامه صياماً صحيحاً. وهكذا إن كان من أرباب الأموال ومن أصحاب النصاب في المال، يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة حتى يخرج المال الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى عليه. وهكذا في باب المعاملات، كما أن العلم العيني يكون في العبادات، كذلك يكون في المعاملات، كالبيع والشراء والنكاح وغير ذلك من الأمور التي يتعامل الناس فيها فيما بينهم. ومن ذلك كما تقدم البيع والشراء، فإن المسلم بحاجة إلى هذا الباب، بحاجة إلى هذا الباب لأنه يحتاج ما في أيدي غيره، ولا يستطيع أن يتحصل عليه أو أن يناله إلا بالبيع أو الشراء. وهذا المجلس في هذه الليلة يتعلق بأمر من أمور البيع والشراء، ألا وهو أمر المرابحة وبيع التقسيط. هذه المسائل المهمة التي كثرت وانتشرت في هذه الأزمنة لحاجة الناس إليها، ولضيق المعيشة، وهكذا ارتفاع الأسعار ونحو ذلك مما يعانيه كثير من الناس، فهم بحاجة إلى أن يتفقهوا في هذا الباب حتى لا يقعوا في البيع المحرم أو المعاملة المحرمة، كي لا يقعوا في الظلم، كي لا يقعوا في الربا، كي لا يقعوا في الغرر، كي لا يقعوا في غيرها من المعاملات المحرمة. ففي الحقيقة هذا المجلس هو مجلس علمي يتعلق بباب الحلال والحرام، ويتعلق بباب من أبواب الفرائض العينية. وهذه من بركة مجالس أهل السنة والجماعة، فهم ينوعون في محاضراتهم وفي مجالسهم، منها ما يتعلق بأمر الوعظ، ومنها ما يتعلق بأمر التذكير، ومنها ما يتعلق بأمر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتصحيح الأخطاء التي تقع في المجتمعات، وهكذا تتعلق بباب الحلال والحرام. فهذه نعمة عظيمة يا عباد الله أنعم الله عز وجل علينا بمثل هذه المجالس حتى يتعلم المسلم أمر دينه. وضيفنا في هذا المجلس وفي هذه الليلة الشيخ المبارك، الشيخ الوقور، الشيخ أبو خالد وليد بن عبد الله مقرم، حفظه الله تعالى. وهو معروف لدينا جميعاً، وهو من أهل هذه البلد، وله جهود مباركة في هذه البلد وفي غيرها من البلاد، لما آتاه الله عز وجل من العلم ومن النشاط ومن الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. فنسأل الله عز وجل أن يبارك في جهوده، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يسدده وأن يوفقه لكل خير. فأهلاً وسهلاً ومرحباً به في بلده وبين إخوانه وبين آبائه وأبنائه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. والمحاضرة إن شاء الله ستكون بعد أداء السنة الراتبة. نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على طاعته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله تبارك وتعالى الذي وفقنا لأداء هذه الفريضة، ونسأله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم أعمالنا، ونسأله جل وعلا المزيد من فضله. ونحمده جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء وهذا الاجتماع في هذا الجامع المبارك، في هذه الدار المباركة، جامع التقوى بمدينة الشهر. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل اجتماعنا هذا ولقاءنا هذا اجتماعاً مرحوماً، ونجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محرماً. ونشكر للشيخ الفاضل أبي معاد، حفظه الله تبارك وتعالى، على ترحيبه وعلى مقدمته الطيبة المباركة، والتي تعتبر جزءاً من هذه المحاضرة، فجزاه الله خير الجزاء وبارك فيه، ونفع الله به وقية المشايخ وإخوان طلاب العلم في هذه البلدة. صلى الله تبارك وتعالى أن كلل هذه الجهود بالنجاح، وأن وفق تبارك وتعالى، وأن يزيدنا جميعاً من فضله. وكما سمعتم في كلمة أخينا الشيخ أبي معاد حفظه الله، أن هذا المجلس عُقد لأجل الحديث عن بعض المعاملات وبعض البيوع التي الناس بحاجة إليها، وخاصة في هذا الزمن الذي ظهرت فيه هذه المعاملات التي لم تكن موجودة عند السابقين. فإن السابقين كانت معاملاتهم محدودة ومعلومة، يبيع الواحد ويشتري ما يملكه، وقد يبيعه حاضراً وعاجلاً، وقد يبيعه آجلاً. لكن في هذه الأزمنة، لتوسع التجارة وظهور المعاملات عبر الوسائل وغير ذلك، ظهرت هذه المعاملات التي ربما صارت من المعاملات التي ألجأ إليها الناس، وصارت هي من التعاملات التي كما يقال فرضت نفسها. فأحببنا التذكير بشيء ما يتعلق بهذا. فنقول: بالله التوفيق. أولاً: إن الأصل في المعاملات في الشريعة الإسلامية الحل، بخلاف العبادات. فالأصل في العبادات الحظر والمنع، فلا يجوز لأحد أن يقول: هذه عبادة إلا بدليل شرعي. فمن أدى عبادة طُلب بالدليل الشرعي من كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الدال على صحة هذه العبادة وشرعيتها. وأما المعاملات فالأصل فيها الحل، وهذا من سماحة هذه الشريعة السمحة التي لا عسر فيها ولا حرج. فمن ادعى حرمة بيع معين وقال: هذا البيع حرام لا يحل، فإنه مطالب بالدليل على حرمة هذا الذي حرمه من أنواع البيوع، لأنه خلاف الأصل، لأنه يدعي شيئاً خلاف الأصل، ومن ادعى شيئاً خلاف الأصل فإنه مطالب بالدليل، إذ الأصل في المعاملات الحل. قال عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. وأحل الله البيع، الهاء في البيع للاستغراق وللعموم، فيدخل فيه جميع أنواع البيوعات، وأنها حلال، وأن الأصل فيها الحل. فمن قال: إلا البيع الفلاني فإنه حرام، فإنه مطالب بالدليل الذي لأجله حكم باستثناء بيع معين وأخرجه من هذا العموم. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾، هنا أطلق الشرع قال: ﴿تِجَارَةً﴾، وهي نكرة فيدخل فيها جميع أنواع التجارات، وأنها حلال مع شروطها الأخرى. وكذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾. وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. فالله سبحانه وتعالى لم ينكر عليهم البيع والشراء وهذه التجارات، وإنما أنكر عليهم إقبالهم على هذه التجارة، وانفضاضهم إلى هذه التجارة، وترك الرسول عليه الصلاة والسلام قائماً يخطب. فأنكر الله جل وعلا عليهم ذلك. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. إنما أنكر الله جل وعلا عليهم تجارتهم التي تشغلهم عن أداء الفرائض والواجبات من إقامة الصلاة وأداء الزكاة. وإلا فإذا تاجروا، باعوا واشتروا، واشتروا، ولم تلههم تجاراتهم وبيعهم وشراؤهم عن ذكر الله عز وجل، فلا شيء في ذلك. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. أيضاً الله جل وعلا نهى عن البيع والشراء والتجارة أثناء الخطبة وبعد الأذان الذي يعبر عنه العلماء بالأذان الثاني للجمعة، على اعتبار أذان عثمان الأول، فإنه لا يمنع البيع والشراء، وإنما الأذان الثاني فهو الذي يكون بعد صعود الخطيب المنبر. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فإذا قضيت الصلاة، فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، إذا انتهت صلاة، ففرغت من الصلاة، فانتشروا وابتغوا من فضل الله تبارك وتعالى، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون. فإذا قضيت الصلاة، ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات. فإنما حرم البيع والشراء في الأسبوع في هذه الساعة بعد صعود الخطيب المنبر، وفي ساعات صلوات الجماعة في حق من وجبت عليه الجمعة والصلوات. كم هي إذن ساعات هذه التي منع فيها البيع والشراء في حق من تلزمه الجمعة، في حق من تلزمه الصلوات الخمس جماعة؟ ساعات قليلة من ساعات الأسبوع. ومع هذا يأبى الكثير إلا أن يبيع ويشتري ويتاجر حتى في هذه الأوقات، فكأنه يريد كل الساعات أن تكون حلالاً، وأن يكون البيع والشراء فيها حلالاً. انظروا إلى الشره الذي عند هؤلاء، والذي بلغ بهؤلاء حتى صاروا يطلبون أن تكون جميع ساعات أيامهم ولياليهم في بيع وتجارة. فلذلك لا بركة في هذه التجارات، ولا بركة في هذا البيع الذي يشغل عن ذكر الله، والذي يشغل عن أداء الواجبات من الصلوات والحقوق وغير ذلك. وإلى الله تبارك وتعالى هو القائل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. وأحاديث سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة الدالة على هذا الأصل العظيم، وهو أن الأصل في المعاملات وفي البيع والشراء الحل. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما البيع عن تراض». وإنما ذات حصر وقصر: «إنما البيع عن تراض». فإذا حصل التراضي بين المتبايعين، أي البائع والمشتري، وبما لا يخالف شرع الله تبارك وتعالى، فالأصل أن هذا البيع حلال. وهكذا كذلك قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين ويرويهما عن جمع من الصحابة، أنه عليه الصلاة والسلام قال: بعد أن ذكر الأصناف الربوية: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وأن الواحد من هذه الأصناف إذا بيع بجنسه فلا بد فيهما من التماثل والتقابض. قال بعد ذلك عليه الصلاة والسلام: «فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد». والأحاديث كثيرة في هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي عليه الصلاة والسلام باع واشترى عليه الصلاة والسلام حتى قبل بعثته، فقد عمل مضارباً مع خديجة، فضل عنها في مالها هي بمالها وهو بعمله عليه الصلاة والسلام، فباع واشترى حتى أكرمه الله عز وجل بهذه الرسالة العظيمة وبهذا الدين دين الإسلام. فكان عليه الصلاة والسلام بعد ذلك شراؤه أكثر من بيعه، كما قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في زاد المعاد: «كان شراؤه عليه الصلاة والسلام بعد أن أكرمه الله تبارك وتعالى بهذه الرسالة أكثر من بيعه، وإنما إذا باع فإنما باع لغيره عليه الصلاة والسلام، كما باع ذلك الغلام المدبر». لكن كان يوكل عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه للشراء، كما وكل عروة البارقي رضي الله تعالى عنه في شراء شاة، وأعطاه ديناراً، فاشترى عروة البارقي رضي الله تعالى عنه شاة، فرجع ببيعها، ثم رجع بشاة ودينار إلى النبي عليه الصلاة والسلام. والبيع حتى في الأمم السابقة كان مشروعاً، لأن عامة الناس يحتاجون إلى البيع والشراء، كما سمعتم، فإن الشخص لا يستطيع أن ينتفع بما عند غيره إلا بأن يبدل مالاً وأن يشتري ذلك، إلا إذا وهبه ذلك الشيء، أو انتقل إليه عن طريق الميراث وغير ذلك. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾. ﴿فَشَرَوْهُ﴾ و﴿شَرَوْهُ﴾ يعني باعوه، ﴿شَرَوْهُ﴾ بمعنى البيع، ﴿شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، أي أنهم باعوه، باعوا أخاهم يوسف عليه الصلاة والسلام. وهذا كثير. والنبي عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن بيوع الجاهلية التي وجدت فيها المخالفات الشرعية، لتخالف الشرع، ما كان فيها من الغرر، وما كان فيها من الجهالة، وما كان فيها من الظلم. هذه البيوع الجاهلية هي التي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنها، وأبقى أهل الجاهلية على بيوعهم التي كانوا يتبايعون بها. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيوع الجاهلية، ومنها: بيع الحصاة، وبيع الملامسة، وبيع المنابذة. الحصاة: بيع الحصاة أن يرمي بحصاته، وما وصلته الحصاة فهو له بكذا وكذا، ألا فيه غرر وفيه جهالة. بيع الملامسة: أي أنه بمجرد اللمس ينعقد البيع، وهذا فيه جهالة، وفيه غرر، وميسر، ومخاطرة. وكذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن بيع المنابذة: وبمجرد طرح السلعة تكون قد وجبت على صاحبها وجوب البيع. وكذلك نهى عن بيع حبل الحبلة، وهو بيع كان يتبايع أهل الجاهلية، فإنهم يبيعون حمل التي في بطن الناقة، الناقة حمل في بطنها حمل، يبيعون حمل هذا الحمل، أي إذا ولدت هذه الناقة هذا الحمل، ثم حمل هذا الحمل، فيبيعون ذلك الحمل. فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك لما فيه من الغرر والجهالة. إلا فالبيوع التي كان يتبايعها أهل الجاهلية ولا مخالفة فيها شرعية، فأبقاها النبي عليه الصلاة والسلام. فباع واشترى عليه الصلاة والسلام. قد نقل الإجماع عن البيع الذي لا مخالفة له، الذي لا مخالفة فيه للشرع. وأيضاً نقل الإجماع على جواز الربح، على جواز الربح في البيع، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم. والإجماع في هذا معلوم من الدين بالضرورة، أن الإنسان يشتري سلعة ويبيعها بربح، يبيعها بربح. ونقل عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: «ذا بي ي زده، وذا بو زده، ذا بي زده، وذا بو زده، ذا عشرة، فهذه لغة الأعاجم، ذا عشرة، ويازده إحدى عشر، ووازده، ووازده اثنا عشر». يقول: «ذا بي ي زده، وذا وازده، ذا بي ي زده يعني العشرة بإحدى عشر». نعم، أي أربح فيه درهماً، هذا اشتريته بعشرة وأريد ربحاً درهماً، أي إحدى عشر، أو ذا بوازده، ووازده اثنا عشر، أو هذا بعشرة يعني رأس مالي في عشرة وأريد اثني عشر، وأريد اثني عشر. وإمام أحمد كان يكره هذا لأنها من لغة الأعاجم، وإلا فكان هذا معمولا به عند الصحابة. وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتاب الأم أنه قال رحمه الله تعالى: «إذا قال الشخص هذه السلعة، أو قال لشخص: اشترِ لي هذه السلعة، اشترِ لي هذه السلعة ويتبع بكذا، ويتبع بكذا، وأنا أربحك فيها كذا وكذا. اشترِ لي هذه السلعة تبع بكذا وأربحك فيها كذا وكذا». ونقل الإجماع على جواز هذا. أي أن زيداً من الناس يأتي إلى عمر ويقول له: يا عمر، اشترِ لي السلعة الفلانية، فهي تباع بعشرة آلاف وبمئة، وأنا أربحك فيها كذا. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «والمشتري بالخيار، والمشتري بالخيار». إذا اشترى له ذلك الذي طلب منه أن يشتري له فهو بالخيار، فهو بالخيار، إن شاء أخذ، وإلا إن شاء رد. وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إعلام الموقعين نوعاً من أنواع البيوع، وهي ما يسمى ببيع المرابحة اليوم، وما يسمى ببيع المرابحة اليوم الذي يتبايع به وتتبايع به البنوك الشرعية اليوم، التي سُميت بالبنوك الإسلامية للتمويل الأصغر، أو غير هذه البنوك في سائر بلاد المسلمين، يتعاملون ببيع المرابحة للآمر بالشراء. سُمّي هذا البيع وهذا التعامل عند هذه البنوك ببيع المرابحة للآمر بالشراء، أي أنه يأتي الشخص ويأمر هذا البنك بالشراء، أي بأن يشتري البنك له، على أن يربحه كذا وكذا، ما لم يتفقوا عليه، ويكون ذلك عليه بالتقسيط، سنة، سنتين، على حسب الاتفاق الذي يتفقون عليه. فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هذه الصورة، بأن يأتي شخص إلى آخر ويقول له: اشترِ لي هذه الدار، اشترِ لي هذه الدار، وأنا أربحك فيها كذا وكذا، أي زيادة على مالك الذي اشتريت به هذه الدار. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «من غير إلزام بالوفاء بالوعد». من غير إلزام بالوفاء بالوعد، يعني لا يجوز لهذا الرجل. واليوم البنوك قامت مقامها. أولاً: الآن هذه البنوك الإسلامية تقول أنها تبيع بيع المرابحة للآمر بالشراء، أي من جاء أحد إليها يطلب من البنك أن يشتري له سلعة، أن يشتري له سيارة، أن يشتري له داراً، أن يشتري له ثلاجة، مكيفاً، غسالة، أي شيء، فإن البنك بدوره يشتري له هذه السلعة بزيادة، بزيادة بنسبة مثلاً ستة عشر في المئة، أو خمسة عشر في المئة، على حسب ما يقرره البنك في الزيادة التي يريدها، فيشتري بعد ذلك البنك له هذه السلعة. وسنأتي إلى ذكر الصور الجائزة التي لا تخالف الشرع إذا تعامل أهل البنوك بها، والصور المحرمة. لكن الشاهد أن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يذكر هذا، وكأن هذه المعاملة قد كانت موجودة، فهو يذكر هذه المعاملة بصفتها، رحمه الله تعالى، نفس هذه المعاملة يذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. لكنه رحمه الله تعالى يقول: «إن الآمر بالشراء»، ما يسمى عند البنوك اليوم بالعميل، بالعميل الذي هو طالب الشراء، يسمى عند البنوك بالعميل، الذي يريد السلعة، يريد من البنك أن يشتري له هذه السلعة، يقال له العميل، وعندهم في مصطلحهم: الآمر بالشراء، الآمر بالشراء، وتسمى المعاملة: بيع المرابحة للآمر بالشراء، بيع المرابحة للآمر بالشراء. فقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «لكن من غير إلزام المشتري الذي سيشتري من هذا الشخص، من غير إلزامه بالوفاء بوعده». قال رحمه الله: «فإن خاف»، فإن خاف البائع الذي سيشتري لهذا الرجل، فما الحيلة؟ لأن هذا الرجل مثلاً زيد جاء إلى عمر، قال: يا عمر، اشترِ لي هذه الأرض، ويتبع بكذا، ولابد من معرفة قيمتها، لابد من معرفة قيمتها حتى تكون هذه المعاملة، وهي بيع المرابحة للآمر بالشراء، أن يكون ثمن السلعة معلوماً لدى العميل الذي يريد هذه السلعة، والثمن معلوماً. فقال ابن القيم: «لا يلزم»، نعم، الرجل هذا لا يلزم، هذا الرجل، أي طلب منه أن يشتري له السلعة، بالوفاء بوعده. لكن قال: «إذا تراجع»، يخاف الآن ويخشى عمر أن يتراجع زيد. زيد قال: اشترِ لي كذا وكذا، وأنا أربحك كذا وكذا. فعمر الآن يخشى أن يتراجع زيد، لأنه غير ملزم به الشراء، غير ملزم به الشراء، وإنما هو وعد فقط. إنما زيد وعد عمراً بأنه إذا اشترى له، أي عمر اشترى لزيد هذه السلعة، بأنه سيشتريها منه، وعد فقط بكذا وكذا، يعني بزيادة، وأن يربحه فيها. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإذا خاف من تراجع الطالب للشراء عن وعده ولم يشتري، قال: فما الحيلة؟ قال: الحيلة أن يأخذ البائع الذي سيبيع، وهو عمر هنا، قلتُ: النبي بعمر لزيد، أن يأخذ لنفسه خياراً، أن يأخذ لنفسه خياراً». يعني الآن زيد يريد أن عمر يشتري له، عمر سيشتري السلعة لزيد، عمر سيشتري من صالح مثلاً. قال: يأخذ عمر مثلاً من صالح خياراً، يقول: يا صالح، أعطني خياراً، أريد يومين، أريد ثلاث أيام، إن أخذت السلعة أخذتها، وإلا رددتها لك. ثم عمر هنا سيقول لزيد: يا زيد، هذه السلعة التي طلبت مني شراءها لك، وأنا قد اشتريتها لك، وهي بالثمن الذي ذكرت، فها هي، فها هي، أي هذه عندك. قال: «فإذا تراجع زيد عن شراء هذه السلعة، قد جعل لنفسي خياراً عند صالح، فيرجع عمر إلى صالح، يقول: يا صالح، هذه سلعتك، لا أريدها». قال رحمه الله تعالى لابن القيم: «قد يشتري هذا الطالب للشراء أيضاً خياراً». فمثّلنا بزيد هنا، وعمر، وصالح. أي زيد يقول لعمر: يا عمر، أعطني الخيار، أعطني الخيار في هذه السلعة. فقال رحمه الله تعالى ابن القيم: «فيعطيه خياراً أنقص من خياره، يعطيه خياراً أنقص من خياره». هو إذا أخذ الخيار ثلاثة أيام، فيعطي زيدا هنا الذي مثلنا به، يعطيه يومين، يقول: لك يوم، لك يومين. فإذا أخذ زيد السلعة، وأنفذ البيع، فله ذلك والحمد لله، وانتهى الأمر. وإذا رد زيد هذه السلعة لعمر، وقال: يا عمر، لا أريدها، يكون قد بقي مع عمر خيار له عند صالح، فيرد هذه السلعة. لذلك ذكر جمع من أهل العلم: قال هذا الذي ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، ما أتى من فراغ. قال بعضهم: لابد أن يكون قد اطلع على ما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أي في كتاب الأم، حين ذكر أنه إذا جاء رجل وقال لآخر: اشترِ لي هذه الدار، اشترِ لي هذه السلعة، وأنا أربحك فيها كذا. قال: لكن الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى تفطن، تفطن لأمر، وهو: إذا لم يمضي البائع، لم يمضي الآمر بالشراء، ذلك لأنه وعد فقط، وقد يتراجع. فأتى الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بهذه الحيلة الشرعية. والحيل في الشرع على نوعين، ليست كلها محرمة، ليست كلها محرمة. الحيل: فهناك من الحيل ما هي محرمة، وهناك من الحيل ما هي حيل شرعية، ما هي حيل شرعية. هذه الحيل الشرعية التي يكون بها الخروج مما يحصل من بعض الإشكالات، من بعض الإشكالات. فبحمد الله تبارك وتعالى يجد حيلة شرعية يخرج بها من الوقوع في الحرام، وفي عقد معاملة محرمة. لكن هذه تحتاج إلى نظر وتفطن لها، حتى تكون البيوع صحيحة موافقة للشرع. وبيع المرابحة: الصور الجائزة فيه، أول نذكر الصور المحرمة. فمن هذه البنوك، البنوك التي هي بنوك التمويل الإسلامي الأصغر، بعضها لا نعلم تعاملاتها وكيف تتعامل، لكن نعطي صورة لمن أراد أن يتعامل بهذه المعاملة، بيع المرابحة للآمر بالشراء. وصارت الآن هذه أغلب معاملات البنوك، أغلب تعاملات البنوك الإسلامية التي هي تسمى بنوك التمويل الأصغر الإسلامي، بهذه المعاملة: بيع المرابحة للآمر بالشراء. نحن نفرح بوجود بنوك إسلامية، هذا ينبغي أن يفرح به كل مسلم، أن توجد بنوك إسلامية حقاً. لكن الأسماء لا تغير من الحقائق شيئاً. إذا كان البنك سَمّى نفسه بنكاً إسلامياً، ويتعامل بمعاملة تخالف الإسلام، فلا يغني هذا الاسم. ولو سمى نفسه بالبنك الإسلامي السلفي، والبنك الإسلامي أهل السنة والجماعة، ما تغير هذه المسميات، يسمى نفسه بالبنك الإسلامي السلفي أو كذا وكذا، فالعبرة بالحقائق، العبرة بالمعاملات التي يتعامل بها هذا البنك. فإذا كانت التعاملات التي يتعامل بها هذا البنك معاملات شرعية غير مخالفة للشريعة، فهذه حقاً تستحق أن يقال لها بنوك إسلامية، مقابلة للبنوك الأخرى التي لا تلتزم، التي لا تلتزم معاملات الإسلام في تعاملاتها وفي عقودها. من الصور غير الجائزة: أن يأتي العميل، هو الطالب للشراء، لو كنا زيداً من الناس، هذا العميل الطالب للشراء، يأتي إلى البنك، ويطلب منه أن يشتري له سلعة، سيارة، ثلاجة، مكيفاً، أي شيء. فيأتي إلى صاحب البنك، ويأتي إلى البنك. في هذه الحالة، إذا جاء هذا الآمر بالشراء، وهو العميل، الآن التعاملات أنهم يكتبون وعداً، وعداً، يكتبون عقداً، خلاصته: وعد من العميل الآمر بالشراء، ووعد من البنك. وعد من العميل الآمر بالشراء بالشراء هذه السلعة التي أرادها، وعد. إذا اشتراها البنك بمواصفاتها، يكتبون: العقد فلان من فلان من فلان، يريد كذا وكذا، بطاقته كذا، وجوازه كذا وكذا، يريد سلعة كذا وكذا، وقيمتها كذا وكذا، ويكون الربح فيها كذا وكذا وكذا، إلى آخر ذلك. هذا المكتوب هو مجرد وعد، مجرد وعد. والوعد ليس بيعاً. إذا قلت للشخص: أنا أعدك مثلاً أني سأشتري منك السيارة، لا يكون هذا بيعاً. لا يقول ذلك: خذ السيارة، أنت الآن قد اشتريت. لا، أنا وعد، لي أن أنقض هذا الوعد، أفي به أو لا أفي. والوفاء بالوعد في هذا يستحب، الوفاء بالوعود نعم، فيما فيه الخيار للناس، لأن الوفاء بالوعد قد يكون واجباً، وإلا كان من علامات أهل النفاق، وقد يكون الوعد مستحباً، فيه مثل هذه الأمور التي للمسلم فيها الخيار. فيكتبون هذا العقد، وهذا الاتفاق، إنما هو مجرد وعد. إذا اعتبر البنك هذا الاتفاق عقد بيع، فهذه المعاملة محرمة مباشرة. إذا أتيت إلى بنك، وقلت له: أريد سيارة، أريد ثلاجة، أريد غسالة، فقال لك: تعال، وكتب العقد، وقال: خلاص، شوف الآن هي أنت ملزم بها. إذا قال لك هذا، خذ الأوراق وقطعها وارمها فيها، هذه معاملة محرمة. لماذا؟ لأن البنك في هذه الحالة لم يتملك السلعة. كيف يعقد عقد بيع، وكيف يكتب اتفاقاً وفي عقد بيع ملزم، يلزم، يلزم به الآمر بالشراء؟ هو لم يتملك. والنبي عليه الصلاة والسلام، حتى حكيم بن حزام رضي الله عنه، يقول: «لا تبع ما لا تملك». وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تبع ما ليس عندك». لا يجوز أن يبيع أحد شيئاً لم يتملكه. من شروط ومن أركان صحة البيع: الملكية. هذا ركن من أركان للبيع، كما أن الصلاة لها أركان لا تصح إلا بأركانها وبشروطها. صلاة من غير طهارة لا تصح، لأن من شروط الصلاة الطهارة. القيام ركن من أركان الصلاة، الصلاة من غير قيام لمن كان قادر عليه لا تصح. البيع كذلك له أركان، البيع له أركان لا يصح إلا بها، ومن ذلك كما سمعتم: الملكية والتراضي. قد جاء وقت الأذان، نواصل بعد الأذان إن شاء الله. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فكما سبق: إذا أبرم البنك اتفاقاً ملزماً للعميل، بأن هذه السلعة قد لزمته، وأنه لا خيار له فيها، وإنما قد صار ملزماً بهذا العقد وهذا الاتفاق، فهذا العقد باطل، وهذا الاتفاق محرم، وهذه البيعة باطلة لا تجوز، لفقدها أحد أركان البيع، ألا وهو الملكية. قال عليه الصلاة والسلام: «لا تبع ما لا تملك». قال عليه الصلاة والسلام: «لا تبع ما ليس عندك». أيضاً، وأيضاً هي ربح لشيء لم يضمنه البنك. فهذه المعاملة تضمنت من المحظورات: الأول: البيع قبل التملك، وهو بيع ما لا يملك. والثاني: ربح ما لم يضمن. قد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ربح ما لم يضمن. والثالث: أن البنك باع شيئاً قبل حيازته. ولا يجوز بيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، كما في حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، فإنه رضي الله تعالى عنه رأى أحد الصحابة قد اشترى سلعة، ولكن لم يحزها، ثم أراد أن يبيعها لآخر. فإذا زيد بن أرقم قد أخذ بيده من الخلف، أخذ بيده من الخلف، قال: «لا تبعها حتى تحوزها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم». لابد من الحيازة. فالبيع بهذه الصورة في هذه المحظورات: بيع ما لا يملك، وربح ما لم يضمن. لأن الربح إنما يكون لمن ضمن، جعل الشرع له هذا الربح مقابل الضمان. لأنه إذا اشترى السلعة، نعم قد تتلف عليه، قد يحصل له شيء ويذهب عليه المال، في الأجل هذه الأمور، لأجل هذا الأمر جعل له الشرع الربح مقابل الضمان. أما أن يربح من غير أن يضمن، فهذا حرام. نعم، النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ربح ما لم يضمن. والقاعدة في هذا: الخراج بالضمان. الخراج بالضمان. بعضهم يجعلها حديثاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه لا يصح مرفوعاً، ولكنها قاعدة مجمع عليها عند أهل العلم، وأن الخراج بالضمان. الخراج يعني الربح والفائدة، بالضمان. فالخراج مقابل الضمان. فمن قد دخل في ضمانه سلعة، بحيث أنه دخلت في ضمانه، بحيث أنه إذا تلفت عليه هو يتحمل ذلك التلف، استحق أن يأخذ الضمان، استحق أن يأخذ الربح مقابل الضمان. إلا ما استثناه العلماء من بيع الثمار بعد بدو صلاحها. فإن زيداً من الناس إذا اشترى من عمر من الناس تمراً قد بدى صلاحه، قد بدى صلاحه في الأشجار والنخيل، ثم باعه، ثم باعه، جاز ذلك، مع أنه ربح ما لم يضمن، على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو أن الضمان على صاحب النخل، إذا تعرض هذا التمر الذي قد بدى صلاحه بآفة من الآفات، فإن الضمان بحقه صاحب النخل. ومع هذا إذا باع المشتري الذي اشترى من صاحب النخل هذا التمر بعد بدو صلاحه وربح، فقد ربح ما لم يضمن، فهذا مستثنى لدلالة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام الدال على جواز ذلك، على جواز ذلك. استثنى أيضاً مسألة أخرى في الإجارة، وأن المستأجر إذا أجر داراً، إذا استأجر، أن المستأجر إذا استأجر داراً، زيد استأجر من عمر داراً، زيد استأجر من عمر داراً، ثم أجر زيد لآخر، لصالح، أجر لصالح بربح. هو استأجر، أي زيد من عمر، بمئة ألف مثلاً، بخمسين ألف، ثم أجر زيد لصالح بسبعين، أو بمئة وعشر، يعني بزيادة، جاز ذلك، جاز ذلك. فربح ماذا؟ زيد هذا الربح، مع أنه ماذا؟ لم يضمن، الضمان على من؟ على صاحب البيت المؤجر الأول. وبعض العلم قال: إنما جاز له أن يربح، أي زيد هذا الربح، لأنه لما استأجر، أي زيد من عمر، دخلت، دخلت هذه الدار في ضمانه. الشاهد أن هذه المعاملة، بيع المرابحة للآمر بالشراء، باتفاق بين العميل والبنك، وأنه عقد، عقد ملزم، فهذه صورة محرمة لا تجوز. ومن الصور المحرمة كذلك في بيع المرابحة للآمر بالشراء: أن لا يعقد البنك عقداً ملزماً، أن لا يعقد البنك مع العميل الطالب للشراء عقداً ملزماً، وإنما مجرد وعد، والعميل بالخيار. لكن صاحب البنك يعطي العميل قيمة السلعة، فيقول له: بكم السلعة التي تباع في المعرض؟ هذه الثلاجة، وهذه السيارة، وهذه الغسالة، وهذا المكيف. فيقول له: بمئة ألف. يقول: خلاص، خذ هذه المئة ألف. يعطي البنك مئة ألف العميل، ويسجل عليه أن هذه السلعة عليه بمئة وعشرين مثلاً، لمدة سنة، بزيادة ستة عشر في المئة، أو خمسة عشر في المئة. هذه معاملة محرمة لا تجوز، لا تجوز. لماذا؟ لأنها في حقيقتها قرض جر نفع. في حقيقتها قرض جر نفع. وكل قرض جر نفع فهو ربا. وهذه قاعدة مجمع عليها: كل قرض جر نفع فهو ربا. ففي الحقيقة أن البنك أقرض هذا العميل هذا المال، وتحصّل مقابل، وتحصّل مقابل هذا القرض الذي أقرضه، تحصل على ربح، وعلى منفعة. فهذه معاملة محرمة. وأيضاً يدخل فيها أنه باع شيئاً لم يحزه، باع شيئاً لم يحزه، وباع شيئاً لم يمتلكه. وإنما هي حقيقة أنه قرض، أعطاه القرض هذا، وقال: سنسجل