المحاضرة بعنوان أحكام رمضانية، والتي كانت ضمن دورة بين يدي رمضان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 25 شعبان 1446هـ الموافق 24 فبراير 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أهمية تعلم أحكام الصيام قبل ممارسته، ويعرف الصيام لغةً وشرعاً، ويبين أنواعه (واجب، مستحب، مكروه، محرم)، مع تفصيل الصيام الواجب كصيام رمضان والكفارات والنذور، مستدلاً بالآيات والأحاديث وأقوال العلماء. كما يؤكد على وجوب الإلمام بهذه الأحكام لضمان صحة العبادة وسلامتها.
يستعرض المقطع المراحل الثلاث لوجوب الصيام: وجوب عاشوراء، ثم التخيير بين الصيام والفدية في أول رمضان، ثم وجوب صيام رمضان المطلق. ويبين أركان صيام رمضان وفي مقدمتها الزمان المحدد، ويشترط اليقين بدخول الشهر إما برؤية الهلال من عدلٍ ضَبطٍ في اليقظة، أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولا تُعتمد الرؤيا المنامية.
يبيّن المقطع أن ثبوت رمضان يكون برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً إذا غمّ الهلال، مستدلاً بحديث «صوموا لرؤيته...». ثم يفصل في وقت الإمساك موضحاً أن الفجر الصادق هو المنتشر في الأفق لا المستطيل (الفجر الكاذب)، وأن العبرة بانتشار البياض في الأفق الشرقي عند جمهور العلماء، مع ذكر خلاف الكوفيين القائلين باشتراط تبين الضوء في الطرقات.
بيّن المقطع أن من شك في طلوع الفجر فله الأكل حتى يتبيّن، ومن أكل ظاناً عدم طلوعه ثم تبيّن طلوعه فصيامه صحيح، وكذلك من أفطر ظاناً غروب الشمس ثم تبيّن عدم غروبها فصيامه صحيح اقتداءً بفعل الصحابة، أما من أفطر بالشك في الغروب فصيامه باطل للأصل بقاء النهار. كما ذكر أركان الصيام الثلاثة: الزمان، والنية، والإمساك، مشيراً إلى أن النية محلها القلب وتجب من الليل للفرض، ويجوز نية الشهر كله ما لم تقطع بعذر.
يؤكد المقطع أن نية الصيام محلها القلب ولا يشرع التلفظ بها ولا الجهر بها، بل هي بدعة ووسوسة، ويجب استصحاب النية من الفجر إلى الغروب، ومن قطعها جازماً بالإفطار أفطر عند جمهور العلماء. كما يبين أن الركن الثالث هو الإمساك عن المفطرات (الأكل والشرب والجماع)، مبيناً خلاف العلماء في تعريف الأكل والشرب، وأن الراجح عدم إفطار ما لا يتغذى به الجسم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، حفظكم الله تعالى. نسأل الله جل وعلا أن يجعل هذا اللقاء لقاءً مباركاً نستفيد منه وننتفع به، ونسأل سبحانه وتعالى الإعانة على ما نتكلم به ونقوله. فكما تعلمون أيها الإخوة الكرام، قد سمعتم في مجالس سبقت في هذه الدورة، بين يدي رمضان، قد سمعتم خيراً كثيراً في الدورة الأولى، وجاء رمضان وما يتعلق بهذا في الدورة الثانية: أخطاؤنا في رمضان. وإن شاء الله تعالى في هذه الليلة نأخذ أحكاماً رمضانية، أي هذه الأحكام التي في هذا الشهر العظيم. ولا شك أن نتعلم أحكام الصيام من التهيؤ والاستقبال العظيم الذي يستقبل به هذا الشهر، أن يتفقه في هذا الصيام؛ لأن العبادة تحتاج إلى علم. فالذي يعبد الله عز وجل بغير علم كان يفسد أكثر مما يصلح. فالله عز وجل قال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾. قال البخاري: «قدم العلم قبل القول والعمل»، قدم العلم قبل القول والعمل. فلهذا يحتاج كل مسلم إلى معرفة أحكام العبادات التي سيعبد الله عز وجل بها. ولهذا يقول العلماء: إن العلم على قسمين: علم واجب، وعلم مستحب. علم واجب، وعلم مستحب. ولما سئل الإمام أحمد رحمه الله عن العلم الواجب، قال: «الذي لا يسع المرء جهله»، الذي لا يسع المرء جهله؛ أنه إذا جهله ليس هو في سعة، بل أنه آثم على جهله بهذا العلم. وهذا كما ذكر العلماء، مثل توحيد الله جل وعلا، وكذلك العبادات التي سيفعلها، كالصيام: إذا كان مقبلاً على الصيام يجب أن يتعلم الصيام. إذا يسر الله عز وجل له الحج يجب أن يتعلم الحج. عنده مال لأجل أن يزكي به يتعلم الزكاة: كيف يزكي. وهكذا. وهو الأعظم: الصلاة، يتعلم كيف يصلي، تعلم شروط الصلاة وأركانها وغير ذلك. فلهذا فهذا العلم الواجب الذي لا يسع المرء جهله. وإن شاء الله تعالى في هذا المجلس نذكر أحكاماً من أحكام هذا الشهر العظيم. ولا شك ولا ريب أن الأحكام التي تكون في هذا الشهر هي الصيام والقيام. أنا أقصد العبادات التي شرعت، وحتى عليها الشرع: الصيام والقيام. أي التراويح. القيام مشروع في كل سنة، لكن في رمضان كان النبي عليه الصلاة والسلام يجمع أو يصلي بالناس جماعة، كما جاء في حديث أبي ذر، وجاء أيضاً كذلك عن زيد بن ثابت وغيره. وأيضاً لما جاء وقت عمر، جمع الناس عمر على إمام واحد، على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن تفرض على الناس. فالصيام والقيام، نتكلم إن شاء الله تعالى أولاً على الصيام. الصيام المراد به لغةً هو الإمساك. صام أي أمسك، كما قال الله عز وجل على لسان مريم: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً﴾. نذرت صوماً، أي صوماً عن الكلام. فالصوم هو الإمساك، كما قال النابغة: خيل صيام وأخرى غير صائمة ... تحت نجاج وتعليق العجم والمراد أن خيلاً صائمة، أي ممسكة عن الصهيل، عن الصوت. وأخرى غير صائمة، أي أنها تصيح أو تصهل؛ لأن صوت الخيل يسمى صهيلاً. فلهذا فالإمساك أو الصوم في اللغة هو الإمساك. وأما في الشرع فهو إمساك مخصوص في زمن مخصوص بنية التعبد، أو يقال: التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هكذا عرفه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وهو تعريف جماعة من العلماء كالنووي، لكن لم يذكر كلمة التعبد، ذكر مع النية. كذلك ذكره ابن قدامة أيضاً بدون ذكر كلمة التعبد، وإنما زادها الشيخ ابن عثيمين لأنها لابد منها. فلهذا بعض العلماء ذكر مع النية، وهو معنى واحد، المعنى واحد، سواء قلت: التعبد لله، أو قلت: مع النية، أي نية الإخلاص والتعبد. فلهذا فالصيام الشرعي هو: التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من الأكل والشرب والجماع وغيرها، من طلوع الفجر حتى غروب الشمس. ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. فهذا هو تعريف الصيام لغةً وشرعاً. والصيام الواعي: صيام واجب، وصيام مستحب، وصيام أيضاً مكروه، وصيام محرم. والصيام الواجب هو صيام شهر رمضان، وهذا الذي نتكلم أو نتكلم فيه إن شاء الله تعالى، وهو الصيام الواجب: صيام شهر رمضان. وكذلك صيام الكفارة، وصيام النذر. هذا هو الصيام الواجب. وصيام الكفارات: إذا اختار الذي يكفر الصيام. أنا مثلاً إنسان عنده كفارة يمين، كفارة اليمين: ربنا جل وعلا جعل ثلاثة بالتخيير، وواحد بالترتيب. قال الله عز وجل: ﴿فكفارة إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة﴾. هذه ثلاثة أشياء بالتخيير، فلهذا قال: ﴿أو﴾. ثم قال: ﴿فمن لم يجد﴾، من لم يجد لا إطعام ولا كسوة ولا عتق، ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾. فالآن هذا الصيام صار ترتيباً: أولاً ثلاثة الأشياء، ثم إذا لم يجد كان الصيام. فإذا صام، عند أكثر العلماء أنه يوجب عليه تكملة الكفارة بالصيام. أكثر العلماء لا يجزئون عندهم الكفارة تكون متنوعة: أنا صيام وإطعام. لابد إما صيام وإما إطعام. مثل مثلاً كفارة الظهار، كفارة المجامع في نهار رمضان: عليه أن يطعم ستين مسكيناً، أن يطعم ستين مسكيناً. وكذلك قبل ذلك عليه أن يصوم شهرين متتابعين. أو قال النبي صلى الله عليه وسلم للمجامع: «صم شهرين متتابعين». قال: لا أستطيع. أو قال له قبل ذلك: «أعتق رقبة». قال: لا أجد. قال: «صم شهرين متتابعين». قال: لا أستطيع. قال: «فأطعم ستين مسكيناً». أنا على أن لكل يوم من الصيام إطعام مسكين. قال: «فأطعم ستين مسكيناً». قال: لا أجد. فهنا النبي عليه الصلاة والسلام رتب هذه الثلاث: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً. لا يجزئ مثلاً أن يقول: سأطعم أو سأصوم شهراً وأطعم ثلاثين مسكيناً. لهذا ما يجزئ، لا بد أنه إذا اختار الصيام يصوم. فصيام الكفارات واجب. وكذلك أيضاً صيام النذر: إذا نذر أن يصوم يوماً أو شهراً أو أسبوعاً أو غير ذلك، فإنه يجب عليه أن يفي بنذره. فالصيام الواجب وهو صيام رمضان، هذا الصيام فرضه الله عز وجل على الناس، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. من شهد الشهر فليصمه. فهذه الآية دلت على أن من شهد الشهر، ليس مسافراً ولا مريضاً ولا مجنوناً، وغير هذه من الأمور التي لا يشهد شخص صيام رمضان، أو عنده مانع: امرأة عندها مانع من موانع الصيام كالحيض والنفاس. كل هؤلاء لا يصومون. لكن من شهد الشهر فليصم. ثم جاءت بعد ذلك الاستثناءات في الآيات والأحاديث، في الآيات والأحاديث، وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم. فصيام شهر رمضان واجب كما هو معلوم، وهو من أركان الإسلام الخمسة. وكان الصيام على أحوال، ما جاء في الأدلة. الصيام الواجب على ثلاثة أحوال، وهذا قول أكثر العلماء. أولاً: قالوا أن الله عز وجل أوجب الصيام يوم عاشوراء. أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل المدينة، لما جاء في حديث ابن عباس: دخل المدينة، وجدهم يصومون. فقال: «ما تصومون؟» فقالوا: «نصوم عاشوراء». يقولون: أن الله عز وجل نجى موسى في هذا اليوم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بموسى منكم». نحن أحق بموسى منكم. فصامه وأمر بالصيام. فصامه وأمر بالصيام. ولهذا في حديث ابن عباس، حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي عليه الصلاة والسلام في يوم عاشوراء يرسل إلى القرى ونواحي المدينة، يرسل إليهم من يبلغهم بأن اليوم عاشوراء: «فمن كان صائماً فليتم صومه، ومن كان مفطراً فليصم». من كان صائماً فليتم صومه، ومن كان مفطراً فليصم. فكان يوم عاشوراء كان هو الواجب على الذي أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لما فرض رمضان، أوجب الله عز وجل شهر رمضان، نسخ وجوب عاشوراء، كما جاء في حديث ابن عمر وعائشة في الصحيحين. ثم قال: «من شاء صامه ومن لم يشأ لم يصمه». والمرحلة الثالثة، أو هذه المرحلة الأولى أقصد، هذه المرحلة الثانية: وجوب شهر رمضان لكن بالتخيير. كذلك: من شاء صام، ومن شاء فدى، أو أطعم بدل الصيام، يعني يطعم بدل أن يصوم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم﴾. أنا فقط أنه بالخيار: إن تطوع بالصدقة تصدق وفدى ولا يصوم، وإن صام فهو من باب الخير. وهذا قد جاء تفسيره وسبب نزول هذه الآية أيضاً لعائلة. بعدها في وجوب رمضان عن عبد الله بن عمر وسلمة بن الأكوع في الصحيحين. ثم أوجب الله وهي المرحلة الثالثة: أوجب الله عز وجل صيام شهر رمضان، صيام شهر رمضان. وقال جل وعلا: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. فهذه مراحل الصيام الواجب. طيب، هناك أركان لهذا الصوم، وشروط لهذا الصوم. الصوم الواجب الذي هو صوم رمضان له أركان، وله كذلك شروط. نذكر أركان من أركان صيام رمضان: أولاً: الزمان. أن يكون في الزمان المحدد الذي حدده الشرع، سواء كان في أصل الصيام أو في وقته. فالزمان لا شك أنه شهر رمضان. فلو صام إنسان في غير شهر رمضان بنية شهر رمضان لا يقبل منه. لو قال الإنسان: أنا سأصوم في رجب بنية شهر رمضان، إذا جاء رمضان ما سأصوم. فأنا أقول: هذا صيامك باطل، صيامك غير صحيح. أو يقول مثلاً: أنا سأصوم في شوال، ما سأصوم الآن في رمضان لأن عندي عمل، عندي كذا، سأقضيه في شوال. فهل هذا مقبول؟ لا، هذا الكلام غير مقبول، ولا هذا الصيام صحيح، بل باطل. لابد أن يصوم في شهر رمضان، لابد أن يصوم في شهر رمضان. وأيضاً كذلك هذا شهر رمضان، لابد أن يعرف دخوله، يعني يتأكد أن رمضان قد دخل. فإذا كان هناك شك فإنه لا يصام، فإنه لا يصام. إذا هناك شك، وقد جاء بالنهي، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن صيام يوم الشك. فما في حديث عمار: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وفي الصحيحين في حديث أبي هريرة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تصوموا، لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا صوماً كان يصوم أحدكم». فدل على أنه لابد من اليقين. واليقين في دخول رمضان يكون بشيئين اثنين. اليقين في دخول رمضان يكون بشيئين اثنين: برؤية هلال رمضان. لا بد أن يرى هلال رمضان. إذا لم يكن هناك غيم أو قتر. الغيم معروف، والقطر هو الغبار. فإذا كان السماء صحواً، فلا بد أن يروا الهلال. فلا صوم إلا برؤية الهلال. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً». فإذا غم هذا الشهر ولم يروا، فإنهم يكملون عدة شعبان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فدل هذا الحديث على أن رمضان يدخل بأمرين اثنين، أو يتيقن منه بأمرين اثنين: إما الرؤية، وإما إكمال شهر شعبان، شهر شعبان. وهذه الرؤية يراها إنسان عدل، ولو رجل واحد، يشهد أنه رأى هذا القمر أو هذا الهلال. لكن لا بد أن يكون صحيح النظر، ويكون إنسان عدل، كما ذكرنا. لأن بعض الناس مثلاً يكون في نظره شيء، عنده مثلاً ضعف في النظر، فقد يرى شعره ويظنها هلالاً. وأيضاً ليس من المعقول أن هذا الذي نظره ضعيف يرى الهلال، وغيره الذي نظره صحيح لا يرى الهلال. فلهذا اشترط العلماء: يكون عنده نظر قوي. إذا كان معناه ترى الناس الهلال، فلو رآه واحد عدل، أخذ برؤيته. كما جاء عند أحمد والسنن عن عبد الله بن عمر: أنه قال: «رأيت الناس الهلال»، رأيت الناس الهلال، فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام أني رأيته، قال: «فصام وأمر الناس بالصيام». وأمر الناس بالصيام. صام وأمر الناس بالصيام عليه الصلاة والسلام. فلهذا فيكتفى في دخول الشهر برؤية الواحد العدل، يكتفى بدخول الشهر برؤية الواحد العدل. لكن لا بد أن تكون رؤية يقظة، لا منام. كما ادعاه بعض أهل التصوف، يقولون: أنه رآه السيد الفلاني. أنه حصل في بعض الأزمان أن الناس لم يروا الهلال، فقال لهم السيد هذا: بل رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبرني أن الليلة هي أول ليلة من رمضان. فهل يعتد بمثل هذا الكلام؟ لا، لا يعتد أبداً. ولو كان هذا الشخص من أعبد الناس ومن أعلم الناس. إذا رأى رؤية، حتى لو رأى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم أن الليلة من رمضان، نقول له: لا يعتمد هذا. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله هذه المسألة في المجموع، وذكر أن كثير من أصحابه قالوا، بل أكثرهم، بل لا خلاف بينهم أن هذا لا يعتمد، أي لا تعتمد الرؤية. وذكر النووي رحمه الله عن قاضي عياض أنه بإجماع العلماء أن الرؤية لا يعتد بها، أي الرؤية المنامية. لكن يعتد برؤية الهلال في اليقظة. فإذا رآه الناس وشهدوا بذلك، حتى كما قلنا ولو رجل عدل شهد بأنه رأى الهلال، صام الناس بذلك، كما جاء في حديث ابن عمر الذي ذكرنا. فلهذا فهذا أول ما يثبت به الشهر. فإذا لم يرى الناس الهلال، سواء كان الجو صحواً أو غيماً. وإذا كان الجو صحواً ولم يروا، فهذا إجماع العلماء، لأنه لا يصح. إذا كان الجو صحواً، ليس هناك غيم ولا قتر ولا كذا، ليس هناك ما يحجب الرؤية، فهنا بإجماع العلماء أنه لا يصوم. لكن الخلاف حصل إذا كان هناك غيم أو قتر، غبار، فلم يرى الهلال. فهل يصومون أو لا يصومون؟ فأكثر علماء العلم قالوا: أنه لا يصوم، لا يصوم، حتى يرى الهلال، حتى يرى الهلال. وقال أحمد رحمه الله: أنه يصوم، أنه يصوم ذلك اليوم الذي لم يرى فيه الهلال، وهناك غيم أو قتر. لكن الصحيح الذي دلت عليه الأدلة أنه لا يصوم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم»، غم عليكم، أي صار هناك غيم، ولا استطاعوا رؤيته، «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً». فلهذا إذا غم شهر ولم يرى، فتكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً. تكمل عدة شعبان، بمعنى يجعل شعبان ثلاثين. فإذا كان شعبان ثلاثين، معنى هذا بعد ذلك يقين أن ما بعده رمضان، ما بعده، الليلة التي بعدها تكون رمضان. فهذا يثبت به الصيام الواجب، أو شهر رمضان. ثم ثم أيضاً أن هذا الركن وهو الزمان، أيضاً يدخل فيه الوقت. يدخل فيه وقت الصيام. لا بد أن يكون هذا الصوم يكون فيه الوقت المحدد الذي حدده الشرع، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. هذا هو الوقت الذي حدده الشرع في قوله جل وعلا: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾. في بداية الأمر، لما نزلت هذه الآية، لم ينزل قوله: ﴿من الفجر﴾. ففهم الصحابة من الآية أنها رؤية خيط أبيض وخيط أسود. فكان بعضهم يضع خيطين، مثل ما جاء عن عدي بن حاتم: يضع تحت وسادته، فإذا تبين له الأبيض من الأسود، العقال الأبيض من الأسود، أمسك عن الطعام. وأيضاً فعل بعض الأنصار مثل هذا أو نحوه. حتى قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام، لما جاء عدي وقال له: أني أضع العقال الأبيض والعقال الأسود تحت الوسادة. فقال: «إن وسادك إذن لعريض، هذا إنما بياض النهار وسواد الليل». هذا النهار بياضه وسواده، ما يسعه هذا الوسادة التي لك. فقال: «إن وسادك لعريض، وإنما بياض النهار وسواد الليل». فلهذا لابد للصائم أن يتبين الفجر، وهو بياض النهار. فقال الله عز وجل: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. جاءت أحاديث كثيرة في بيان هذا الفجر، ما هو هذا الفجر الذي يمسك فيه عن الطعام والشراء. جاءت أدلة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبين هذا الفجر. فجاء في حديث ابن عباس، وجاء نحوه عن عائشة أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفجر فجران». وهذا في السنن. «الفجر فجران: فجر يحل الطعام ويحرم الصلاة، وفجر يحرم الطعام ويحل الصلاة». فجر يحرم الصلاة ويحل الطعام، وفجر يحل الصلاة ويحرم الطعام. عن الفجر الكاذب والفجر الصادق. في الصحيحين أيضاً عن جماعة من الصحابة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يغرنكم أذان بلال، ولا الصاعد المستطيل، حتى ترونه ينتشر، حتى ترونه ينتشر». الصاعد المستطيل، معناه الذي قال في رواية كذلك: بالسرحان، مثل ذنب أو ذيل الذئب. الصاعد المستطيل هذا هو الفجر الذي يأتي في أفق السماء، في معنى في الأفق، في أفق السماء، في كبد. يعني لما تنظر تراه في وسط السماء، يبدأ من وسط السماء، ثم يكون في وسط السماء كبيراً، ثم تجد أنه يضيق، يضيق، يضيق، يعني يصير مثل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذنب السرحان». ذنب السرحان عند مؤخرته تجد كبير، ثم كلما نزل كلما ضاق، وهكذا. هذا الضوء الذي يكون في السماء، يكون أولاً في كبد السماء كبيراً، ثم يضيق، ثم يضيق، وينتهي إلى آخر الأفق، أو قبل الأفق، لأن الأفق يكون فيه سواد. ثم هذا البياض يذهب، حتى يأتي إلى الأفق، ثم يتبين أو ينتشر في الأفق، على الأفق الشرقي، معنى مكان الشمس، ينتشر هذا البياض. فهذا هو الفجر الذي جاء في الأحاديث. هذا الفجر الذي جاء في الأحاديث. وإنما حصل خلاف قديم بين العلماء: هل لابد أن يكون هذا الفجر فقط منتشر في الأفق، أم أنه لابد أن يرى في العرض، حتى تذهب غشية الليل كلها تذهب؟ فهذا الخلاف حصل في مسألة الصيام. أما الصلاة، لا، كلهم متفقون على أنه يكفي انتشار البياض، يكفي انتشار البياض. لكن حصل خلاف في مسألة الصوم: هل لابد أن يتبين الصوم، لابد أن يكون في الأرض هذا الضوء، أم يكفي أنه في الأفق؟ فقال طائفة من أهل الكوفة: أنه لابد أن يتبين في الطرقات، لابد هذا الضوء يكون في الطرقات، يعني يذهب الليل كله. وقالوا: لأن الله عز وجل يقول: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾. لكن الأدلة التي دلت كما ذكرناها: «لا يغرنكم أذان بلال، ولا الصاعد المستطيل، حتى يستطير، حتى ينتشر». قال: «حتى ينتشر في الأفق». ولا يغر أنكم أذان بلال، وللصاعد المستطيل، حتى يؤذن ابن أم مكتوم. هذه كل الأحاديث تدل على أن العبرة بانتشاره في الأفق، العبرة بانتشار هذا الضوء في الأفق، ليس انتشاره في الأرض، ليس انتشاره في الأرض. وهذا الذي عليه جماهير العلماء، وأجمع عليه المتأخرون. كان كما قلنا في خلاف قديم، حتى نسب ابن المنذر الخلاف إلى الصديق، أبي بكر الصديق، وأيضاً إلى ابن مسعود، وجماعة من أهل الكوفة. والصحيح أنه حتى يتبين الفجر. أما حديث، حديث، حديث عند النساء، أنه قال: «تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة، أو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع». هذا الحديث المراد به أنهم، لأنحيان الفجر يكون ضوءه شديد، ضوءه شديد، وخاصة في بداية الشهر أو في نهاية الشهر، يكون الضوء شديد، قد يراف الأرض في بدايته. فلهذا ظن الصحابة هؤلاء الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم تسحر بعد الفجر، بعد الفجر. فلهذا الذي دلت عليه الأدلة كما قلنا: أن الفجر هذا الذي ينتشر في الأفق، إذا كان الإنسان مثلاً يشك: هل طلع الفجر أم لم يطلع؟ هل له أن يمتنع عن الطعام؟ عنده شك، ما يدري هل طلع الفجر أم لم يطلع؟ هل يأكل أم أنه يمسك عن الطعام؟ الذي عليه كثير من العلماء كالشافعي وأحمد وغيرهم: أنه يمسك، أقصد له أن يأكل، له أن يأكل حتى يتبين. لأن الله عز وجل قال: ﴿حتى يتبين﴾. فإذا كان في شك، فإن له أن يأكل. فإن أكل ثم تبين أنه قد طلع الفجر، فالصيام صحيح عند جمهور العلماء؛ لأن الأصل بقاء الليل. بل ذكر ابن المنذر أنه قول عامة الصحابة. فالأصل بقاء الليل، بقاء الليل. فلهذا إذا شك، فإنه طيب. إذا ظن، ظن أن الفجر قد دخل، فهل يمسك أم أنه يأكل؟ لا يمسك، لما دام أنه عنده ظن غالب أن الفجر قد دخل. فإذا أكل في هذه الحالة، ظن أن الفجر لم يدخل بعد، عنده ظن أن الفجر لم يدخل، لكن الفجر قد دخل. مثلاً لم يسمع أذان، نظر إلى السماء، ما تبين له شيء. معنا الآن الأضواء هذه تحجب الرؤية، تحجب الرؤية، لا يستطيع الإنسان أن يرى الفجر مع هذه الأضواء الكثيرة. فهذا كما قلنا: إذا شك أو ظن أن الفجر لم يطلع، فأكل، ثم تبين له أن الفجر قد طلع، فالصحيح أنه لا يفطر. كما قلنا: إذا قام مثلاً ولم يسمع أذان، ونظر في ساعته، فظن أن الوقت لا زال، فأكل أو شرب، أو أنه مثلاً بعض الناس يقوم بسرعة مع حشرة النوم كما يقولون، فيقوم ويأكل أو يقوم ويشرب، وهو قد أذن، أو بل بعضهم قد صلى الناس. فمثل هذا، إن شاء الله تعالى، ما عليه شيء، إذا لم يكن متعمداً. أن بعضهم يتعمد مثل هذا، يقول: ما سأصوم، وقبل أن أشرب، لابد أشرب. فلهذا، فلهذا فلا، إذا أكل وليس متعمداً، وظن أن الفجر لم يطلع بعد، فصيام صحيح. وكذلك المغرب. المغرب إذا ظن أن الشمس قد غربت، على الغروب كما هو معلوم. جاءت الأدلة أن غروب، أو أن الصائم يفطر إذا غربت الشمس. وأما ما يقول الشيعة والروافض وغيرهم من هؤلاء الذين لا يعرفون الأدلة ولا يعرفون دين الله، يقولون: أن الإفطار يكون عند اشتباك النجوم. قالوا: لأن الله عز وجل قالوا: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾. قالوا: الليل لا يعرف إلا باشتباك النجوم ودخول النجوم وظهور النجوم. وهذا كلام باطل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام بين إفطار الصائم، وجعل إفطار الصائم هو غروب الشمس. فقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عمر: «إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم». إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم. في حديث عبد الله بن أبي أوفى: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء الليل من ها هنا، من المشرق، وأدبر النهار من ها هنا، من المغرب، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». أنا هذه ثلاث علامات، لكن العلامة الأصلية هي غروب الشمس. فإذا بقي النهار، لم يدبر النهار، أو طلع الليل، ولم تغرب الشمس، فالعبرة بغروب الشمس. لا ينتظر مثلاً، لا ينتظر سواد الليل، بل العبرة بغروب الشمس، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا غربت الشمس فقد أفطر الصائم». فالعبرة بغروب الشمس. فمن تأكد بغروب، معنى رأى الشمس تغرب أمامه، لا ينتظر مثلاً أن يؤذن مؤذن، لأن العبرة ليس بالأذان، العبرة بغروب الشمس. فإذا غربت الشمس، فقد أفطر الصائم. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم، بل النبي عليه الصلاة والسلام، كان يرسل من يرى الشمس، إذا كان ما يراها، يرسل من يرى الشمس، فإذا رأى الشمس، أفطر عليه الصلاة والسلام. فالعبرة بغروب الشمس. فإذا أكل ظاناً أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فهل يكون مفطراً أم أن صومه صحيحاً؟ هذه المسألة، الصحيحة أن صومه صحيحاً. وقد حصلت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. جاء في البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صياماً، وكان وقت غيم، لم ترى الشمس، فأفطر النبي عليه الصلاة والسلام، أفطرنا معه، ثم ظهرت الشمس». أنا بعدما أفطروا ظهرت الشمس. فلم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقضوا ذلك اليوم، لم يأمرهم، ولم يخبرهم بأن صيام باطل، بل سكت النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا سكوته إقرار أن صيامهم صحيح. هذا السكوت يعتبر إقراراً بأن صيامهم صحيحاً. فلهذا من أفطر ظاناً أن الشمس قد غربت، فإنه صيام صحيح. لكن لو شك، لو كان شاكاً: هل الشمس غربت أو لم تغرب؟ فهنا إذا أفطر، فصيامه باطل، صيامه غير صحيح. إذا أفطر بالشك، لأن الأصل بقاء النهار. لا يفطر بالشك، وإنما يفطر إما بيقين أو ظن، أو يفطر مع المؤذن، إذا كان هو ما يعرف هل دخل الوقت أو لم يدخل الوقت، يحمله كما نقول: المؤذن، إذا أذن المؤذن، أفطر. لكن إذا كان يعرف الوقت، ويرى الشمس أمامه تغيب عن الأرض، ليس عن تحت جبل، لا، تغيب عن الأرض، عن ظاهر الأرض، فهنا يفطر، لأن هذا وقت إفطار الصائم، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، هذا الركن الأول وهو الزمان، يدخل فيه وجوب شهر رمضان، أو معناه بدخول بالرؤية، وكذلك وقت الصوم. الركن الثاني: هو الإمساك، أو قبل الإمساك: النية. أنا هي ثلاثة أركان: الزمان، والنية، والإمساك. والنية، بعض العلماء يجعلها شرطاً، وبعضهم يجعلها ركناً، والأمر سهل. فالنية لابد منها في الصيام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». إنما الأعمال بالنيات. فلا يكون صيام صحيح إلا بالنية. وأيضاً اتفق العلماء على أن نية صيام الفرض تكون من الليل، تكون من الليل. وجاء حديث في هذا، لكنه موقوف على حفصة، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل». لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل. لكن كما قلنا، الحكم هذا اتفق عليه العلماء، لابد أن ينوي من الليل. والليل كله وقت نية، الليل كله وقت نية. معنا لو نوى مثلاً بعد المغرب، ثم نام، فهذا يكفي عن نية الصيام. فلابد أن ينوي قبل أن يطلع الفجر. وأما في شهر رمضان، فقد أجاز جماعة من العلماء أنه ينوي شهراً كله، لأن نية شهر واحد، ينوي الشهر كله، يعني من بدايته، ما لم يقطعه، ما لم يقطعه، ما لم يقطعه، ما لم يقطعه، أنه يصوم هذا الشهر، شهر رمضان، ما لم يقطعه. يقطعه إما بسفر، أو مرض يأتيه، أو مثلاً يغمى عليه، أو غير ذلك من الأسباب التي تقطع الصيام وتقطع النية. فلهذا فإذا نوى الشهر كله، أجزأته هذه النية. ولما نقول نية، لا يحسب الإنسان أنه يتلفظ بها. ليس هناك في الشرع التلفظ بالنية أبداً. بل الذي جاء، أو الذي أجمع عليه العلماء، أن النية محلها القلب. ليس هناك من يحرض مثل هذا. حتى الشافعية، أيضاً لم يوجد في كلام أحد من الأئمة أن التلفظ بالنية مشروع، وأنه مستحب. لم يوجد في كلام أحد من الأئمة المتبوعين: لا الشافعي، ولا أحمد، ولا مالك، ولا أبي حنيفة. أنا بعض الشافعية يقول: لا، كيف؟ أو لا، أئمة الشافعية يقولون بهذا. نقول لهم: أين كلام الشافعي؟ الشافعي قال: أن الصلاة ليست كغيرها من العبادات، فلابد أن يدخلها بكلام. فظنوا أن الكلام هذا هو النية. لا، هو قصد التكبير. فلو كان مثلا مقصوداً منه النية، لكانت في العبادات كلها، ليس فقط في الصلاة. فلهذا فلا يدل كلامه أبداً على أن الإنسان ينوي ويتلفظ. وإنما هذا غالباً جاء من الوسوسة. هذا القول جاء من الوسوسة، أنه لابد أن تتلفظ حتى يعين اللسان القلب. وهذا خطأ. لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يتلفظ بالنية، ولم يأت أيضاً على أحد من الصحابة أنهم كانوا يتلفظون بالنية. الآن أيها الإخوة، معنا عندنا هنا في البلاد، هذا شيء عجيب، معنا النية يكررونها ثلاث مرات أو أربع، بعد المغرب، بعد التراويح، وكان في صلاة الليل أيضاً نية، وقبل الفجر نية. هذا خطأ. إلى متى مثل هذه الأشياء معنا؟ هذا ليست مشروع أصلاً، وليس أيضاً الجهر بها مشروع. ولم يقل أحد بالجهر إلا بعض الشافعية الذين شذوا في هذه المسألة، وبعض الحنفية، وغلطهم أصحابهم. لم يقل أحد بالجهر أبداً. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن من جهر بالنية في الصلاة وفي غيرها من العبادات، فهو محاد لشرع الله، معناه يخالف الشرع ويضاده. من أين جاءت هذه الأشياء؟ فلهذا فالنية محلها القلب، وليس أن الإنسان يلفظ بها. طيب، أيضاً هذه النية يجب استصحابها في اليوم كله، وقت الإمساك كله، من بعد طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لابد أن يستصحب النية. فإذا قطع هذه النية، مثلاً بإفطاره، فعند عامة العلماء، مثلاً لو جزم قال: خلاص، أنا مفطر اليوم، معناه لا يلزم أنه يتكلم، حتى بنيته نوى الإفطار. فإذا جزم بنيته بالإفطار، فهو مفطر عند عامة العلماء. بل بعض يجعله إجماعاً. لكن الخلاف موجود، لأن بعض العلماء يقول: لا يفطر إلا بالطعام. فعند نية القلب لا يفطر بها. وأكثر العلماء على أنه إذا غير نيته، فإنه يفطر. فلهذا أيضاً، أما إذا تردد، يقول: أفطر أو لا؟ بعض الناس مثلاً يجد نفسه مريضاً، فعند متعب، ويتردد في نيته: هل يفطر أو لا يفطر؟ فهذا لا تؤثر، على الصحيح أنها لا تؤثر في الصيام. فهنا كما قلنا: استصحاب النية، لابد، لابد من استصحاب النية من الفجر إلى غروب الشمس. وهناك مثل أخرى تسمى: ذكر النية. ذكر النية مستحب، لكن استصحاب النية واجب. أما ذكرها، ذكرها معناه أنه يذكر أنه صائم، مثل ما جاء في الحديث: «لما يقول: اللهم إني صائم، إذا سابه أحد أو شاتمه، قال: اللهم إني صائم». يذكر نفسه. فهذا الذكر، ذكر الصيام، أنه صائم، هذا مستحب. لو غفل مثلاً، لو أصابك غفل عن الصيام، حتى أنه أراد أن يأكل، أو بل أكل، هذا لا يؤثر على صومه؛ لأنه نسي أنه صائم. لما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أكل أو شرب وهو ناسٍ، فليتم صومه، وهو ناسٍ، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». فإنما أطعمه الله وسقاه. وهناك مسائل أيضاً نقرأ في النية، نتركها لأجل الوقت. الركن الثالث: وهو الإمساك. الإمساك عن المفطرات. الإمساك، أي يمسك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يمسك عن ماذا؟ عن المفطرات. المفطرات مما جاء في القرآن: الشرب والأكل والجماع. قال الله عز وجل في الجماع: ﴿وأحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ إلى آخر الآية. فحل الله عز وجل الليل الرفث إلى النساء، إلى الجماع. وأما في النهار فلا يجوز، ويكون مفطراً للصائم إذا شرب أو أكل أو جامع. وإذا جامع ناسياً أنه صائم، هل يدخل في هذا الحكم؟ الصحيح أنه يدخل، الصحيح أنه يدخل؛ لأنه لم يتعمد الفطر، لم يتعمد الفطر. وأيضاً لم يذكر أنه صائم. فقلنا: الذكر من باب الاستحباب، وليس من باب الوجوب. وإنما استصحاب النية يكون واجباً. طيب، فالإمساك عن المفطرات: الأكل والشرب والجماع، وغيرها من المفطرات. أولاً: الأكل والشرب. فهذا مفطر بالإجماع، وجاءت الأدلة عليه. لكن ما هو الأكل وما هو الشرب؟ ﴿فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾. ما هو الأكل؟ قال العلماء: الأكل أنه كل ما أكل، وكل ما شرب. وهذا عند جمهور العلماء: أن كل ما أكل، حتى تراباً، حتى لو أكل تراباً، يسمى أكلاً. أو شرب، أي شيء، كل شيء يسمى شرباً. معنى أدخله إلى فمه أو من أنفه، فإنه يفطر. بل بعضهم حتى يقول: حتى من المنافذ الأخرى، من العينين، من الأذن، إذا كان مثلاً قطر، أو دخل ما من أذنه، حتى وجده في حلقه، عند كثير من العلماء أنه يفطر. والصحيح أن المنافذ هي الفم والأنف فقط، الأنف والفم، هذه منافذ شرعية التي جاءت بها الأدلة. فما أكله، قالوا: الأكل كل ما يأكله الإنسان. وهناك قول عند الحنفية: أن الأكل كل ما استفاد منه الإنسان، معنى ما كان طعاماً، وما لم يكن طعاماً لا يسمى أكلاً. وما لم يكن طعاماً لا يسمى أكلاً. وهذا هو الصحيح، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن كل ما لم يسمى أكلاً، أو ما لم ينتفع به الجسم، ولا يتغذى به الجسم، فليس هو أكلاً أصلاً، وإن سمي في اللغة أكلاً. لأن الآن الجسم لا يستفيد منه، لا يستفيد منه هذا الجسد. فلهذا فهو لا يفطر صائماً. فلهذا إدخال مثلاً الحديد، مثلاً الآن مناظير، عندنا مناظير حديد ومناظير بلاست