القول الماتع في النجاة بالعلم النافع

القول الماتع في النجاة بالعلم النافع

الخطبة بعنوان القول الماتع في النجاة بالعلم النافع، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بطيبة 4 ذو القعدة 1446هـ الموافق 2 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الناس وفضل العالم الرباني

يشرح علي بن أبي طالب تقسيم الناس إلى عالم رباني، ومتعلم ناجح، وهمج رعاع، مبيناً مواصفات العالم الرباني وفضله. يستدل بالقرآن وأقوال السلف على مكانة العالم الرباني العظيمة.

أهمية العلم النافع والعمل به ونشره

تؤكد الخطبة أن طلب العلم النافع والعمل به ونشره أركان للمتعلم الناجح، محذرة من عاقبة الجهل وذهاب العلماء. تصف حال الهمج الرعاء الذين يتبعون كل ناعق بلا هدى.

وجوب التمسك بالعلم وأهل العلم

يحذر من اتباع دعاة الفتنة ويؤكد النجاة بالعلم النافع والالتزام بأهل العلم الربانيين، مستشهداً بالحديث والآيات. يدعو لتوقير العلماء وتجنب أهل الأهواء.

دعاء النصر والتمكين لأهل الإيمان

يستشهد بآية سؤال أهل الذكر ثم يدعو الله بتمكين الأمة وإعلاء أولياء الله. يختم بطلب المغفرة والرحمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، فإنه قد جاء عند أبي نعيم في الحلية، ورواه كذلك ابن عبد البر في جامع العلم وفضله، في وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في وصيته لكميل بن زياد. فقال في تلك الوصية العظيمة التي فيها منابع العلم، والتي فيها فضل العلم وفضل أهله، قال رضي الله تعالى عنه لكميل بن زياد: «يا كميل، الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاح، وهمج الرعاء، أتباع كل ناعق، يميلون أو تميل بهم الريح حيث مالت، لا يستضيئون بنور الله، ولا يلجأون إلى ركن وثيق». أيها الكرام، هذا الكلام العظيم الذي قاله هذا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وإن كان في إسناد هذا الكلام شيء، لكن قد تلقاه العلماء بالقبول وشرحوه. وممن شرحه الإمام ابن قيم رحمه الله في كتابه الذي ألفه في العلم والعبادة، وهو مفتاح دار السعادة. أيها الإخوة الكرام، في هذا الكلام بيّن علي رضي الله تعالى عنه أن الناس ثلاثة، أو أن الناس ثلاثة: عالم رباني. ومعنى عالم رباني: قيل أنه تربى على العلم، رباه العلم حتى صار عالماً يعمل بعلمه ويستضيء بنور الله جل وعلا. وقيل أن عالم رباني نسبة إلى الرب جل وعلا، نسبة إلى الرب سبحانه وتعالى، فسمي ربانياً لأنه أخذ علمه من الكتاب والسنة، أخذ علمه من الكتاب والسنة، وعلم بالكتاب والسنة، فعلمه رباني، فسمي عالم رباني. كما قال الله عز وجل: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلَهُمُ السُّحْتَ﴾. قدم الربانيون لأنهم أفضل أهل العلم، وهم العلماء الكمل الذين يعملون بعلمهم. فقال: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلَهُمُ السُّحْتَ﴾. وأيضاً يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. فهذا بيان للعالم الرباني. وكما ذكر الإمام البخاري عن ابن عباس قال: «الرباني الذي يقدم صغار العلم قبل كباره»، أي عنده منهج صحيح، تعلم صغار العلم ثم تعلم كبار العلم، ثم علم الناس على هذا المنهج الصحيح، فهو عالم رباني في تربية الناس بالعلم. هكذا عباد الله، فهذا العالم الرباني الذي يربّي الناس على العلم، ويربّي الناس على الأخلاق، ويربّي الناس كذلك على الفضائل، فهو له شأن عظيم عند الله جل وعلا. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. العالم الرباني الذي يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في جحرها، حتى الحيتان في بحرها، والنمل في جحرها. عباد الله، العالم الرباني الذي يستضيء بعلم الكتاب والسنة، ويعمل بالكتاب والسنة، فهذا العالم الذي تطمئن له النفس، وهذا العالم الذي يعلم الناس الخير، وهذا العالم الذي يستضيء الناس بعلمه، والذي أيضاً كذلك يقدمون علمه على غيره، وهذا العالم الذي يأتون ويستفتونه. لهذا عباد الله، يقول ربنا جل وعلا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. أولو الأمر عباد الله في هذه الآية هم علماء السنة، علماء الكتاب والسنة. هكذا عباد الله، فالعالم الرباني له منزلة عظيمة في دين الله جل وعلا، فإن الخير يذهب بذهابهم، يقبض العلم بقبض العلماء، يقبض العلم بقبض العلماء. فإذا قبض العلم أو قبض العلماء، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. فهذا هو العالم عباد الله. ثم قالوا: «متعلم على سبيل النجاح». والمتعلم الذي يريد النجاح، والذي يريد الطريق الصحيحة، والذي يريد رضوان الله وجنة الله جل وعلا، يشتمل على ثلاثة أمور. العلم الذي يريد هذا المتعلم الذي يريد النجاح، ينبغي عليه أن يحرص على ثلاثة أمور: أولاً: يحرص على العلم النافع، علم الكتاب والسنة، نافع في ذاته. علم الكتاب والسنة هو العلم النافع عباد الله. ثم بعد ذلك الأمر الثاني: أن يعمل بذلك العلم حتى يكون نافعاً له. فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من علم لا ينفع، سواء كان لا ينفع في ذاته، أو كان لا ينفع بعدم العمل به. فالذي لا يعمل بعلمه فإن العلم يكون وبالاً عليه. لهذا من أراد النجاح فإنه يعمل بعلمه. العلم يهتف بالعمل، فإن وجده وإلا ارتحل، كما قال السلف رحمهم الله. وكان سلف الأمة يستعينون بالعمل على حفظ العلم، وعلى بقائه واستمراره. هكذا عباد الله، من أراد النجاح فليعمل بعلمه، فليعمل بعلمه فيما استطاع، يحاول ويحرص على أنه يعمل بذلك العلم الذي يتعلمه. فإن كما قال عبد الله بن عمر: «كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعمل بها». كذلك قال أبو عبد الرحمن السلمي: «كان الذين يقرؤوننا القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولون: ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نعمل بها». وقال الإمام محمد رحمه الله: «إذا سمعت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعمل به ولو مرة، تكون من أهله». هكذا عباد الله، يحرص هذا المتبع أو المتعلم على سبيل النجاح، يحرص على العمل بالعلم. والأمر الثالث عباد الله: يحرص على نشر العلم، يحرص على نشر العلم الذي تعلمه. فإنه إذا تعلم علماً فإنه ينشر ذلك العلم، يكون من خيرة المسلمين، ومن أحسن قولاً، ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، أخرجه البخاري من حديث عثمان بن عفان. فيتعلم ويعلم، تعلم كتاب الله جل وعلا، يعلم غيره، يعلم أولاد المسلمين، يحرص على ذلك، فإن في ذلك البركة والنجاة. عباد الله، فلنحرص أيها الإخوة الكرام على العلم، ونحرص على أيضاً كذلك حفظه، وعلى العمل به، وعلى أيضاً كذلك نشره. فنسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بعفوه وكرمه سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فالقسم الثالث ممن ذكرهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، القسم الثالث هم: الهمج الرعاء، أتباع كل ناعق، يميلون مع الريح حيث مالت. قال: «ولا يستضيئون بنور الله، ولا يلجأون إلى ركن وثيق». هذا الوصف العظيم الذي وصف به علي رضي الله تعالى عنه هذا القسم، الذين تركوا العلم وتركوا أهل العلم، لم يلجأوا إلى أهل العلم، ولم يستضيئوا بالعلم، وإنما يتبعون كل ناعق وزاعق، يتبعون أهل الفتن وأهل المصائب. أيها الإخوة الكرام، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم عند أحمد وابن ماجة من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم». العالم الذي يعلم ذلك العلم، والمتعلم الذي يحبه ويتعلم من علمه. وأما الذي يعرض عن العلم فلا خير فيه، فلا خير فيه، الذي يريد الدنيا ويشغل نفسه بالدنيا، ويشغل نفسه أيضاً كذلك بتحصيلها، وما يكون من هذه الفتن، ويشغل نفسه بهذه الفتن، ما تقوم فتنة إلا وهو فيها. أيها الإخوة الكرام، نبينا عليه الصلاة والسلام قد حذر من الفتن أشد التحذير، فلا ينبغي للمسلم أن يكون أتباع كل ناعق. كل من قام ودعا الناس إلى شر وإلى فرقة، تجد أنهم يجد من يتبعه من أهل الإسلام. هذا لفراغ، لفراغ قلوبهم من العلم النافع، لفراغ قلوبهم من اتباع أهل العلم وسماع أهل العلم. فإنه لو كان يسمع للعلماء، ويسمع لطلبة العلم، ويحضر دروسهم وعلمهم، لما كان من أتباع هؤلاء. فليحذر المسلم أن يكون من هؤلاء، من أتباع كل ناعق. قال علي رضي الله عنه: «تميل بهم الريح حيث مالت، تميل بهم الريح حيث مالت». ليس عندهم ما يوطن به قلوبهم، ليس عندهم ما يستمسكون به عن هذه الفتن. فكلما جاءت فتنة غاص فيها، حتى تصير كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض». فهذا العالم الرباني والمتعلم في سبيل النجاة. قال: «والآخر كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه». أي إلا ما يهواه، وما يكون فيه، وما أدخل عليه من كلام ذلك الناعق، فيكون ذلك الهوى في نفسه، فيذهب هذه المشارب وهذه المذاهب. أيها الأخوة الكرام، ينبغي علينا أننا نتنور بالعلم. فهذا الذي صار همجاً وصار رعاة كل ناعق، هذا لأنه لم يستضيء بنور الله، لم يستضيء بالعلم، لم يستضيء بالكتاب والسنة. فقال رضي الله عنه: «لم يستضيئوا بنور العلم، لم يستضيئوا بنور العلم». ثم قال: «ولم يلجأوا إلى ركن شديد». أيها الكرام، العلماء، العلماء هم الركن الشديد في هذه الحياة، في هذه الدنيا. العلماء الربانيون، علماء الكتاب والسنة، لأنهم يدلون الناس على الكتاب والسنة، وعلى ما شرع الله جل وعلا. لا يدلون الناس على الحماس، وعلى ما يقابله من العواطف والفتن. فإن هذا ليس عند علماء السنة، عند العلماء الربانيين، وإنما يدلون الناس على الحق، يدلون الناس على شريعة الله جل وعلا، وعلى الطريق المرضية التي يرضاها ربنا سبحانه وتعالى. فيا أيها الناس، ينبغي علينا أن نكون مع أهل العلم، أن نسمع لأهل العلم. لا ينبغي للمسلم أن يسفه أهل العلم، أو يتهمهم بالعمالة، كما يفعل كثير من أهل الأهواء والفرق، يتهمهم بأنهم عملاء، أو يتهمهم بأنهم كذا وكذا، وأنهم لا يفقهون الواقع، وأنهم كذا، وأنهم من هذه التهم. إنما أيها الإخوة الكرام، من لم يعرف قدر نفسه لم يعرف قدر العلماء. فإن العبد المؤمن هو الذي يعلم قدر أهل العلم. المتعلم في سبيل النجاح هو الذي يعرف قدر العلم، ويعرف لعلمائنا حقهم. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه، فليس منا». أيها الكرام، فينبغي علينا أننا نسمع لأهل العلم، ونجل أهل العلم، ونعتبر كلامهم هو الكلام الصحيح. لا ننظر إلى نشرات الأخبار، وإلى كذلك مطالع هذه الأخبار، ولا نبثوها، ولا أيضاً نسمع الإذاعات الكافرة، ولا من يتلقى عنها. فإن هذا من الفتن التي تعصف بالناس. عباد الله، والواجب علينا أن نسأل أهل العلم في كل نازلة. فربنا جل وعلا قال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بالبينات والزبر. أيها الأخوة الكرام، نسأل ربنا جل وعلا أن يأبرم لهذه الأمة أمر رشد، يذل فيه أعداؤه، ويعز فيه أولياؤه جل وعلا، ويحكم فيه بكتابه سبحانه وتعالى، وكذلك يكون أهل الإيمان هم أهل العلو في هذه الأرض. فنسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا وأن يرحمنا، والحمد لله رب العالمين.