الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 76، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي قصة بني إسرائيل بعد موسى حين طلبوا من نبيهم ملكًا ليقاتلوا في سبيل الله، فلما فُرض عليهم القتال تولوا إلا قليلًا. مبينًا أن الله ساق القصة لتكون عبرة للأمة في الرغبة في الجهاد وعدم النكول عنه، فالصابرون ينالون العواقب الحميدة والناكلون يخسرون الدارين.
يروي المقطع كيف اختار نبي بني إسرائيل طالوت ملكًا ليقودهم في القتال لاسترداد ديارهم، فاعترض القوم لافتقاره للمال. رد النبي بأن الله اصطفاه وزاده بسطة في العلم والجسم، وأيد ذلك بآية مجيء التابوت فيه سكينة وبقية من آثار موسى وهارون.
اختبر طالوت جنوده بمنعهم من الشرب من نهر أثناء مسيرهم، فامتنع القليل وطاعوا أمره بينما شرب الأكثرية. بعد عبور النهر، أبدى بعض الجنود ضعفاً وقالوا لا طاقة لهم بجالوت وجنوده مبررين نكولهم عن القتال.
يوضح المقطع كيف استشعر المؤمنون الذين عبروا مع طالوت الاستضعاف، لكن إيمانهم الكامل وتوكلهم على الله شجعهم على الثبات. استشهدوا بقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فثبتوا وصبروا لقتال جالوت بعون الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ الآيات. قال رحمه الله: إلى قوله جل وعلا: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾. قال رحمه الله: يقص الله تعالى هذه القصة على الأمة ليعتبروا، وليرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه؛ فإن الصابرين صارت لهم العواقب الحميدة للدنيا والآخرة، والناكلين خسروا العمرين. الناكلون: أي الرافضون للجهاد، فخسروا الدنيا والآخرة. فأخبر تعالى أن أهل الرأي من بني إسرائيل وأصحاب الكلمة النافذة تراودوا في شأن الجهاد، واتفقوا على أن يطلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا لينقطع النزاع، لتعينه وتحصل الطاعة التامة، ولا يبقى جدال ولا مقال. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، يريدون ملكًا حتى تستقيم الطاعة له، ويذهب النزاع الذي بينهم: هل يقاتلون أو لا يقاتلون؟ فهذا الملك هو يسوسهم. قالوا: إن نبيهم خشي أن طلبهم هذا مجرد كلام لا فعل معه، فأجابوا نبيهم بالعزم الجازم، وأنهم التزموا ذلك التزامًا تامًا، وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم. وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكًا يقودهم في هذا الأمر، لا بد لهم من قائد يحسن القيادة. وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت، وهذا حال بني إسرائيل دائمًا: يطلبون الطلبات، ثم إذا جاءهم الطلب تجد أنهم يعترضون، وإنما يريدون على حسب ما هم يريدون، أي طلبهم على حسب أهوائهم. فعين لهم نبيهم طالوت ملكًا، قالوا: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ﴾. انظر إلى نظرة أهل الدنيا: معنى أنهم رفضوه لماذا؟ لأنه ليس عنده مال. قال رحمه الله: وأن القتال متعين عليهم حيث كان وسيلة لاسترجاع ديارهم ورجوعهم إلى مقرهم ووطنهم، وأنه عين لهم نبيهم طالوت ملكًا يقودهم في هذا الأمر الذي لا بد لهم من قائد يحسن القيادة، وأنهم استغربوا تعيينه لطالوت، وهم أحق بالملك منه وأوسع مالًا. فأجابهم نبيهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾. قال: فالعلم بالسياسة: الخبرة، وآلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير عن قوة العلم بسياسة الأمور. وأيضًا قوة الجسم: أي ليس مريضًا ولا متكاسلًا، بل شجاعًا. قال: وأن الملك ليس بكثرة المال، ولا بكون صاحبهم من كان الملك والسيادة في بيوتهم، ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾. قال: ثم لم يكتفِ ذلك النبي الكريم عليه الصلاة والسلام -أو هذا النبي، يعني نبيهم- بتقنيعهم بما ذكره من كفاءة طالوت واجتماع الصفات المطلوبة فيه، حتى قال لهم: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ﴾. أنا أيضًا أعطاهم آية حتى يذعنوا لهذا الملك طالوت. فقال: إن آية ملكه، علامة ملكه، أن يأتيكم التابوت، وهو الصندوق، فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، أي في بقايا من بقايا نبي الله موسى وكذلك هارون. قال: وكان هذا التابوت فقد استولت عليه الأعداء، فلم يكتفوا بالصفات المعنوية في طالوت، ولا بتعيين الله له على لسان نبيهم، حتى يؤيد ذلك بهذه المعجزة، ولهذا قال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. ولأن هؤلاء كان حلمهم هذا وتمنيهم أنهم يقاتلون عداهم بملك، فجاءهم الملك فرفضوا. قال: فحينئذ سلموا وانقادوا. فلما سار بهم طالوت وجندهم، ورتبهم وفصلهم إلى قتال عدوهم، وكان قد رأى منهم من ضعف العزائم والهمم ما يحتاج إلى تمييز الصابر من الناكل، قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾، هو يريد أن يميز أولًا الذين يثبتون، يثبتون الجيش، يختبرهم. فأراد هذا الملك طالوت أنه يبعد هؤلاء، لأن بقاءهم في الجيش تثبيط وتخذيل للجيش. فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾، أي لا يتبعني؛ لأن ذلك برهان على قلة صبره ووفور جزعه. ومن لم يطعمه فإنه مني لصدقه وصبره. انظر هذا الموقف: بعد أن يمشون في المفازات في الصحراء، صحراء سيناء التي كانوا فيها، يأتيهم ماء، فيبتلون ويمتحنون بأنه لا يشرب منه أحد. هذا موقف عصيب، لكن فعله طالوت لأجل أن يميز جيشه ويمحصه: من الذي يبقى معه ويصبر على طاعة هذا الملك، ومن الذي سيخالف؟ فقال: ﴿ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾، أي فإنه مسامح فيها: أن يغرف غرفة واحدة، لا بأس، لكن الأفضل أنه لا يشرب منه. قال: فلما وصلوا إلى ذلك النهر كانوا محتاجين إلى الماء، شربوا كلهم منه إلا قليلا منهم، فإنهم صبروا ولم يشربوا. تميز هنا أهل الطاعة وأهل المعصية: فمن أطاع الأمير وأطاع الملك لم يشرب من هذا النهر. قال: فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قالوا -أي الناكلون أو الذين عبروا-: ﴿ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾. هنا أمر آخر وإشكال آخر: أنهم أيضًا ثبتوهم بالكلام، فالأول تثبيت، وهذا تثبيت أيضًا آخر: ثبتوا الجيش بالكلام على أنهم لا طاقة لهم، ﴿ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾، وجالوت هو ملك من ملوك بني إسرائيل. قال: فإن كان القائلون هم الناكلين، فهذا قول يبررون به نكولهم. وأنا الآن: الله أعلم، قد يكون للناكلين، وقد يكون لمن عبر. ومن لم يشرب هم القليل، هم القليل الذي ذكرهم الله، وهذا يدل على أنهم حصل لهم نوع استضعاف. كما قال من قال: فإن كان القائلون هم الناكلين، فهذا قول يبررون به نكولهم. وإن كان القائلون هم الذين عبروا مع طالوت، فإنه يحصل معهم نوع استضعاف لأنفسهم، ولكن شجعهم على الثبات والإقدام أهل الإيمان الكامل، حيث قالوا: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾. وهذا هو معنى التوكل على الله عز وجل، وهذا هو الإيمان الذي يوقر في القلب، قال: يعينهم بعونه وتأييده ونصره، فثبتوا وصبروا لقتال عدوهم جالوت وجنوده. طيب، إن شاء الله نكمل هذا في الدرس القادم، والله أعلم.