الدرس في كتاب الحدود من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حد شرب المسكر معرفاً إياه بما يغطي العقل لذةً وطرباً، ويميز بين تناوله اختياراً للتلذذ واستخدامه اضطراراً للعلاج. ويبين أن الخمر كل ما خامر العقل من عصير العنب أو التمر أو غيرهما، والعبرة في التحريم بالإسكار وجوداً وعدماً مستدلاً بأحاديث: «كل مسكر خمر» و«كل شراب أسكر فهو حرام».
يبيّن المقطع أن كل مسكر خمر وحرام قليله وكثيره، ولا يجوز التداوي به لأن الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها، ويفرق بين التداوي المحرم والتخدير المباح للضرورة. كما يوضح أن الخمر أم الخبائث لذهاب العقل وارتكاب الجرائم، وحرمت لكونها رجساً من عمل الشيطان تورث العداوة وتصد عن ذكر الله والصلاة.
يتناول المقطع خلاف الفقهاء في حد شارب الخمر، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى ثمانين جلدة للحر استناداً إلى فعل الصحابة، بينما رأى الشافعية أن الأصل أربعون جلدة لحديث مسلم، وأن الزيادة إلى ثمانين تكون تعزيراً لا حداً، ويرجح القول بأن الأصل أربعون ويجوز للإمام الزيادة تعزيراً حتى ثمانين للردع.
يعلن المحاضر أن الدرس القادم سيبدأ بكتاب القضاء والدعاوى والبينات وأنواع الشهادات، وهو آخر كتاب في السلسلة، ويأمل أن يتم الانتهاء منه في الأسبوع القادم بإذن الله.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: نرجع إن شاء الله إلى ما ذكره الشارع في حد شرب المسكر. قال: حد شرب المسكر، المسكر يعني ما أسكر العقل، أي خمره. قال: المسكر كل ما غطى العقل على سبيل اللذة والطرب والنشوة والارتقاء والتعالي. وذكروا هذا حتى يخرجوا استخدام المفتر من أجل العلاج أو التخدير. فأحيانا في التخدير في الأمراض يستخدمون بعض المسكنات أو بعض المخدرات أو بعض المسكرات، فهذا لا يدخل في هذا الباب. لماذا؟ لأنه لم يشربه طوعا من أجل التلذذ ومن أجل الطرب والنشوة واللذة، وإنما استخدمه اضطرارا للتسكين أو للتخدير أو نحو ذلك. الآن مثلا بعض أصحاب الحالات النفسية استخدموا لهم بعض المخدرات التي تهدئهم وتسكن من طيشهم وفسادهم ونحو ذلك، فإذا كان كذلك فإن شاء الله هذا لا يدخل في هذا الباب. قال: سواء كان مائعا كالخمر أو جامدا كالمخدرات، فالمخدرات أشد من الخمر المائع، والمخدرات الآن تنوعت أصنافها، فمنها ما هو حتى بالشم، ومنها ما هو بالأقراص، ومنها ما هو بالحقن تعمل إبرها، فلا استخدره. فكل ما كان بمعنى الخمر والمسكر فهو يدخل في هذا المعنى، وهو ما حرمه الله عز وجل. قال: والخمر ما خامر العقل، سواء كان من العنب أو الرطب أو الشعير أو البر أو غيرها. فصناعة الخمر يؤتى بعنب مثلا، أو يؤتى برطب التمر، أو بشعير، أو ببر، فيبلل بالماء، طيب، يعني يجعل فيه ماء، ثم ربما أيضا يوضع فيه بعض المواد، أو يوضع في الشمس طيب لمدة يوم، يومين، ثلاثة أيام، فيخمر هذا الشيء، يخمر يعني يكون مثل الخمر. وصناعة الخمر الآن في أشياء حديثة استخدمها هؤلاء المفسدون في صناعة الخمر، ك بعض، ك بعض مثلا الأشياء الحامضة يسمى عندنا هنا الخميرة، هذه الخميرة استخدموها هؤلاء في صناعة الخمر، أو كذلك بعض الأشياء، أشياء الحديثة المصنعة. فالمهم الضابط في هذا: كل ما أسكر كثيره فقليله حرام، وفي لفظ: فملء المد منه حرام، نعم، أو ملء الكف منه حرام. فهذا هو الخمر. قال صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر». كل ما يسكر بمعنى يذهب بالعقل فهو خمر. وقال صلى الله عليه وسلم: «كل شراب أسكر فهو حرام». كل شراب أسكر بمعنى ذهب بالعقل، هذا هو الضابط. فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما، الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. فمتى وجد الإسكار وجد التحريم. لأن هناك مثلا بعض الأشياء قد تشتبه، مثل النبيذ مثلا، يعني هذا العنب والرطب والشعير والبر إذا وضع في الماء لفترة يسيرة، مثلا من الليل للصباح فقط، يكون نبيذا. هذا النبيذ لا يصل إلى درجة الإخمار، ما يصل إلى درجة الإخمار، بمعنى أنك إذا شربته تشعر بشيء من يعني الراحة واللذة لكن ما يذهب بالعقل. مثلا سبيل المثال، لعل بعضكم يعني يخرج إلى السوق أو إلى بعض المشارب يبيعون الشعير، الشعير هذا في يعني ماذا، في شعير مثل الشراب العادي، وفي شعير مركز يكون في يعني في يعني جالون خاص، هذا مركز يعني بعد ما يسكب لك من الشعير الذي هو مثل الشراب العادي يضع لك قليلا من هذا، يجعل الشراب العادي مركزا شيئا ما، لكن ما يذهب بالعقل، تشعر يعني بشيء من الطعم الجيد لكن ما يذهب بالعقل، هذا لا بأس. لكن لو زيد وضع كثير من هذا الذي في الجالون المركز لربما يسكر، لربما يسكر. واضح. فالمهم العبرة في هذا هو الإسكار. الآن مثلا أتوا ببعض هذه الأشياء معلبة، معلبة، ويسأل عنها بعض الناس، مثل ما يسمى مثلا الموسي، تسمعون عنا الموسي هذا، طيب، هذا إذا شربته هل يسكر؟ لا، ما يسكر، هذا فالأصل أنه القاعدة: هذا أي شيء أسكر بمعنى أنك تشعر أن العقل بدأ يذهب عليك، ها، وبدأت يعني في عالم آخر، فهذا باعتبار أنه خمر لا يجوز. أما إذا شربته والأمور طيبة، ها، فهذا يعني لا يضر، هذا لا يضر. هذا هو العبرة. كل مسكر خمر، وكل شراب أسكر فهو حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام. هذه قواعد تتعلق بضابط الخمر، بضابط الخمر، والخمر حرمها الله عز وجل كما سيأتي. قال: ولا فرق في حرمتها بين أن يشربها للذة أو لعطش لأنها تزيد العطش، أو لتداو أو غيره. لكن التداوي هذا يختلف عن مسألة التخدير، لأن التخدير بمعنى أن هذا الذي يأخذ هذه الجرعة يعني يذهب عقله بحيث لا يشعر بالألم، بحيث لا يشعر بالألم. لكن أيش المراد لتداو أوائره؟ يعني مثلا عنده ما غص في بطنه، قالوا له: هذا يذهب بالخمر، اشرب قليلا من الخمر، هذا لا يجوز. تمام، هذا لا يجوز. لماذا؟ لأن الخمر حرام، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». يعني ما يكون هناك شيء محرم وفيه شفاء، وفيه شفاء، فلذلك لا يجوز التداوي بأي حرام، بأي حرام. فمثلا بعض الناس يقول لك مثلا على سبيل المثال، يقول لك مثلا لحم، مثلا على سبيل المثال، يقول لك لحم الحمار الأهلي علاج، فهذا لا يجوز التعالج به، لا يجوز لأنه محرم، فالله عز وجل لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها، فيما حرم عليها. ففرق العلماء بين الأمراض التي يكون فيها تداوي، وبين الأمراض التي إنما فيها تسكين، فيها تسكين، كما ذكرنا المخدرات هذه تستخدم في التبنيج، التبنيج هذا، لكن ليس على وجه اللذة أو الطرب، طيب. ولكن لو كان الإنسان مريضا وشربها على وجه اللذة والطرب، وإن كان نيته أنه يشفى، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز. قال: والخمر هي أم الخبائث. لماذا أم الخبائث؟ لأن العقل إذا ذهب فعل هذا السكران جميع الخبائث، قد يقتل، صح، لأن ما في العقل ذهب، قد يزني، قد يعني يعني يعني يفعل جرائم كثيرة، فلذلك هي أم الخبائث. من شربها فعل كل الخبائث، فعل كل الخبائث لأنه يفقد عقله، لأنه يفقد عقله. قال الله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال: وهي أخطر من المخدرات وغيرها، يعني الخمور، الخمور، لأن المخدرات مش كلها يعني بعضها، لأن يعني أنواع ربما تكون أخطر من الخمر، في أنواع من المخدرات قد تكون أخطر من الخمر، إذ تجعل الإنسان لا عقل له، وهذه المخدرات القوية التي قد تؤدي بالإنسان إلى أن يفقد عقله تماما، وهناك من المخدرات ما هي دون ذلك، ما هي دون ذلك. قال: وحرمت لحكم كثيرة، يعني لماذا حرمت الخمر والمخدرات؟ قال: منها أنها رجس من عمل الشيطان، الشيطان إذا استطاع أن يجعل الإنسان يتعاطى الخمر يستولي عليه، يستولي على هذا الإنسان لأنه يفقد عقله. قال: توقع العداوة والبغضة بين الناس. لماذا توقع العداوة والبغضة؟ لأن إذا شرب الخمر ربما آذى الناس، صح، آذى الناس، ضرب هذا، ودخل بيت هذا، ولا شك أن هذه الأفعال منه تجعل الناس يبغضونه ويعادونه، صح، فتكون هناك عداوة بينه وبين الناس. قال: تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. لأن قلنا إذا تخمر فقد عقله، فأن له أن يذكر الله. ولذلك قال الله عز وجل في تدريج في تحريم الخمر، لأن الخمر حرم بالتدريج كما هو معلوم. فمما جاء في التدرج في تحريم الخمر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. نهاهم في أول الأمر عن أن يأتوا إلى الصلاة وهم سكارة، لأنهم ما يدرون ما يقولون. هل السكران يقرأ الفاتحة؟ ما في عقل أصلا. وهل يستطيع أن يعمل في الصلاة يعني بأركانها وشروطها؟ لا يستطيع ذلك، فلذلك تصده عن ذكر الله وعن الصلاة. قال: ثالثا، رابعا: تفقد صاحبها عقله فلا يجد ما يعقله عن المنكر، يعني يأتي المنكر ويترك المعروف لأنه لا عقل له. قال: حكم شارب المسكر: قال: أن يعزره الحاكم بما لا يقل عن أربعين جلدة، وللحاكم أن يزيد عليها إذا رأى المصلحة في ذلك. وقد قضى عمر رضي الله عنه بثمانين جلدة. بالنسبة لحكم شارب الخمر هذه المسألة اختلف فيها قوال أهل العلم، مع اتفاقهم، اتفاق العلماء على حد شارب الخمر، وأن حد شارب الخمر الجلد، الجلد، وهذا باتفاق الفقهاء. لكن اختلفوا: كم مقدار الجلد؟ كم مقدار الجلد؟ فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أنها ثمانون جلدة في الحر، وفي غيره من العبد والأمة أربعون، يعني على النصف. ودليلهم على ذلك إجماع الصحابة، ذكروا إجماعا للصحابة، فقالوا: ضرب عمر ثمانين، وضرب علي ثمانين، وضرب عثمان ثمانين، وذكروا عن جماعة من الصحابة، فقالوا: هذا فعل الصحابة وليس لهم مخالف، فهو الحد الشرعي. وذهب الشافعية إلى أن حد شارب الخمر أربعون جلدة في الحر، وعشرون في غيره. هذا هو الأصل، هذا هو الأصل في الحد أنه أربعون جلدة في الحر، وعشرون في غيره، يعني في العبيد. واستدلوا بحديث في مسلم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين»، والحديث في صحيح مسلم، والحديث في صحيح مسلم. لكن قال هؤلاء: الحد أربعين، لكن لو رأى الإمام بلوغه، بلوغه في الحر ثمانين، جاز. لماذا قالوا ذلك؟ قالوا: لأنه ورد عن الصحابة، فما ورد عن الصحابة، فما ورد عن الصحابة فيحمل بعد الأربعين، يحمل بعد الأربعين على التعزير. يعني الأصل في الحد أن يكون أربعين، لكن الإمام قد يرى أن الأربعين هذه لكثرة مثلا تساهل الناس فيها، كما وقع في عهد الصحابة أن الصحابة قالوا لعمر: يا أمير المؤمنين، إن الناس انهمكوا في شرب الخمر واستصغروا حده، يعني قال: سهل، سأشرب، وإذا اكتشفتوني سأضرب أربعين، أربعين قليل، فتساهل الناس في شرب الخمر، فعمر رضي الله عنه رأى حتى ينزجر الناس أن يزاد فوق الأربعين أربعين أخرى تعزيرا. إذن، والله أعلم، الصواب في هذه المسألة أن يقال: إن الأصل في حد الخمر الأربعين، كما جاء في صحيح مسلم، طيب. لكن لو رأى الإمام أن فوق الأربعين يكون تعزيرا، فالتعزير يكون إلى الثمانين ولا يزاد عليه. لماذا لا يزاد عليه؟ لفعل الصحابة، ولأن كذلك لو ضرب أكثر من ثمانين لصار موازيا لحد، ماذا يعني؟ لو ضرب مثلا مئة، ما هو حد ضرب مئة؟ الزنا، طيب، نعم، الزنا لغير المحصن. فإذن حتى لا يكون مثل الزنا، فيكون ثمانين، وهو فعل الصحابة. واضح. بل له يجوز أن يزيد عشرين فقط فوق الأربعين، لأن هذا التعزير، والتعزير قلنا بابه واسع، التعزير بابه واسع، لما يراه الإمام، لأن قد يرى الإمام أن زيادة على الأربعين فيها ردع للمفسدين، لما يعلم الكارب أنه سيجد الثمانين، لربما يكون له زاجرا، يكون له زاجر، هذا التعزير. فوالله أعلم أن الأصل في الحد كما جاء في حديث مسلم أنها أربعين، فإذا رأى الإمام أن يزاد على ذلك لمصلحة، فلا بأس أن يزيد إلى الثمانين ولا يتجاوزها. وهذا هو في الحقيقة مذهب الإمام الشافعي. قال: ولو رأى الإمام بلوغه في الحر ثمانين جاز، يعني يجوز هذا في الأصح. قال: والزيادة تعزير، يعني ليست حد. لكن على أصحاب القول الأول يرون أن الزيادة كذلك حد، أن الزيادة حد. ولذلك قيل: ورد عن الصحابة، ومنهم علي، أنه جلد أربعين في بعض شراب الخمر، وجلد ثمانين في البعض الآخر، وجلد ثمانين في البعض الآخر، فهذا يدل على السعة في هذا الباب، على حسن ما يراه الحاكم، على حسن ما يراه الحاكم. هذا والله أعلم خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وبه نكتفي. وإن شاء الله في الدرس القادم نبدأ في باب كتاب، أو في كتاب القضاء والدعاوى والبينات ونوع الشهادات، وهو آخر كتاب، ولعلنا إن شاء الله نختمه في الأسبوع القادم بإذن الله.