التعليق على كتاب الداء والدواء 134

التعليق على كتاب الداء والدواء 134

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 134، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

علاجات داء العشق وتقوية محبة الله

يوضح الشرح علاجات داء العشق عبر قطع أسبابه وتقوية محبة الله والعمل الصالح، مبيناً أن الله وحده يُحب لذاته مستدلاً بصفات رحمته وفرحه بالتوبة. وينهى عن إيذاء النفس لقصور ملكية العبد على نفسه.

كمال اللذة في محبة الله ولقاءه

يقرر المقطع أن كمال اللذة والفرح تابع لكمال المحبوب وهو الله، وأن لذات الدنيا منقوصة مصحوبة بالكدر بخلاف لذة الآخرة الدائمة الخالصة. ويستدل بأقوال ابن القيم وآيات القرآن في تفضيل الآخرة على الدنيا.

أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله

يبيّن أن راحة المؤمن الحقيقية تتحقق في الجنة وأعظم لذاتها النظر إلى وجه الله وسماع كلامه والقرب منه مستدلاً بأقوال الإمام أحمد وابن القيم. وينبه إلى ضعف حديث نسيان نعيم الجنة عند الرؤية.

أعظم لذات الدنيا والآخرة معرفة الله

يؤكد المقطع أن أعظم لذة في الدنيا معرفة الله ومحبته وأن لذات الدنيا الفانية بجانبها كتفلة في بحر، مع تضعيف حديث سماع القرآن من الرحمن. ويذكر أثر المحبة الصادقة في طمأنينة القلب مقارنة بالشهوات الدنيوية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع هذه المجالس العلمية التي نتذاكر فيها رسالة قيمة وكتاباً نافعاً من كتب الإمام شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهذه الرسالة كما يعلم الجميع هي «الداء والدواء»، ولها اسم آخر: «جواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، وهو يعتبر من أنفس وأجمل كتب ابن القيم رحمه الله تعالى. وكما سبق يا إخوان، الكتاب جاء جواباً عن سؤال قدم لشيخ الإسلام ابن القيم، وهذا السؤال عن رجل يعاني من شوق، يعاني من شيء وقع في نفسه وجاهد نفسه فلم يستطع مجاهدة هذا الأمر، فابتلي بهذا الداء. فما هو الداء يا فاروق؟ العشق. العشق. وجعل ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الكتاب جواباً عن هذا السؤال ودواءً لهذا الداء الخطير الذي لا يعافي منه إلا الله تبارك وتعالى. وذكر في هذه الفصول المتأخرة التي ختم بها هذا الكتاب علاجات للعشق، سواء كان العاشق في ابتداء العشق، أو كان في وسط هذه المرحلة، أو كان قد بلغ المنتهى في العشق. فهذه المراحل كلها تحتاج من العبد أن يجاهد نفسه، وأن يستعين بالله عز وجل، فيدعو الله تبارك وتعالى ويتضرع بين يديه سبحانه وتعالى أن يعافيه من هذا الداء. كذلك أيضاً يقوي محبة الله عز وجل في قلبه، فعندها تضعف المحاب الأخرى. كذلك أيضاً يقطع الأسباب التي تغذي هذا الداء من النظر إلى الصور، وهكذا الاستماع إلى الغناء وغيره مما يهيج، إلى غير ذلك مما يغذي ينابيع العشق في هذا القلب. كذلك أيضاً يجتهد في الأعمال الصالحات كالصلوات، وهكذا الصيام وتلاوة القرآن وذكر الرحمن تبارك وتعالى، إلى غير ذلك مما ذكره رحمه الله تعالى كعلاج لهذا الداء، ألا وهو داء العشق. ومر معنا في خاتمة هذا الفصل الماتع الذي أطال فيه ابن القيم فأجاد وأفاد رحمه الله تعالى، ذكر ما يتعلق بمحبة الخالق ومحبة المخلوق. وذكر رحمه الله تعالى أنه لا يحب شيء لذاته إلا شيئاً واحداً. فما هو يا أبا أسامة؟ لا يحب شيء لذاته إلا شيئاً واحداً. فما هو الشيء الذي يحب لذاته بينما غيره من الأشياء لا تحب إلا من أجله وفيه وابتغاء مرضاته؟ طيب، لا بأس يا أبا مريم، ما هو الشيء الذي يحب لذاته؟ هذا ليس بجديد، دائماً يتكرر معنا، لا تظن أني أتيت بشيء جديد. ما هو الشيء الذي يحب لذاته بينما غيره من الأشياء الأخرى إنما تحب من أجله وفيه؟ أحسنت: محبة الله عز وجل. محبة الله عز وجل. فالله سبحانه يحب لذاته، بينما غيره سبحانه فإنما يحب من أجل الله، كمحبة الأنبياء وبعض الأماكن ك مكة والمدينة وغيرها، فكل ذلك يحب لأجل الله تبارك وتعالى. وذكر رحمه الله تعالى في آخر ما ذكرنا: قال: «فهو أحق من ذكر» أي الله عز وجل، أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد، وأعز من التجأ إليه، وأكفى من توكل عليه. أرحم بعبده من الوالدة بولدها. ومر معنا حديث عمر الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في قصة تلك المرأة التي كانت في السبي وقد فقدت صبياً لها، فهي ومعها ثديها، كل امرأة صبياً ألقمته الثدي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أتظنون أن هذه...» آه، ماذا؟ «أن هذه واضعة ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله، وهي قادرة على ألا... ألا... ألا تلقه في النار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعبده من هذه بولدها». من هذه بولدها. وربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. انظر، قد يقدم الشخص على أذية نفسه، على أن يقتل نفسه، ينتحر. هل يجوز له ذلك؟ الجواب: لا. لماذا لا يجوز؟ لأن الله تعالى لا يرضى بذلك ولا يحب ذلك. طيب، هو الإنسان راضي بهذا؟ يقال: الإنسان لا يملك نفسه، إنما أنفاسنا بيد الله عز وجل. ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ولهذا استدل من استدل من أهل العلم على أن الشخص لا يجوز له أن يتبرع بشيء من أعضائه ككلية أو غيرها، ما يجوز. لماذا لا يجوز؟ لأنه لا يملك هذا، وإنما الذي يملكها هو الله تبارك وتعالى، إلى غير ذلك. قال: «وأشد فرحاً» أي ربنا عز وجل بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا يأس من الحياة ثم وجدها. ما دليل ذلك؟ ما دليل ذلك؟ حديث: «إن الله عز وجل أشد فرحاً بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة، أي مضنة الهلاك، إذ يأس من الحياة ثم وجدها». حديث من يا أبا محمد؟ حديث من؟ أحسنت، أحسنت. حديث أنس بن مالك في الصحيحين: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم... من أحدكم كان على بعيره وقد أضله بأرض فلاة وعليه طعامه وشرابه، قال: فأيس... أي من الحياة، فأتجع تحت شجرة». ماذا ينتظر يا إخوان؟ الموت. تجع تحت شجرة ينتظر الموت، ما يدري الموت يأتيه من أي جانب. قال: «فبينما هو كذلك إذ براحلته أمامه وعليها ماذا؟ عليها طعامه وشرابه. ماذا سيفعل يا إخوان؟ مباشرة سيقوم ويمسك بخطامها». فقال ذلكم الرجل من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». انظر، من شدة الفرح قال: «أخطأ من شدة الفرح». قال: «وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند له، كل شيء هالك إلا وجهه، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصى إلا بعلمه، يطاع فيشكر، ويعصى فيغفر ويعفو تفضلاً وكرماً، وحقه أضيعا، وحقه أضيعا». قال: «فهو أقرب شهيد، وأجل حفيظ، وأوفى وفي بالعهد، ومن أوفى بعهده من الله؟ من الله». قال: «وأعدل قائم بالقسط، حال دون النفوس وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار ونسخ الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب له مكشوف، شهادة، وكل أحد إليه ملهوف». قال: «عنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت العقول عن إدراك كنهه، ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه». وقوله: «ودلت الفطر»، الفطر هذا جمع أم مثنى أم مفرد؟ الفطر أجمع هو أم مثنى أم مفرد؟ الفطر... الفطر... قال: «ودلت الفطر» جمع. أحسنت. فما... ما مفرده يا إخوان يوسف؟ يوسف الصديق، ما مفردها؟ أحسنت: فطرة. كل مولود يولد على الفطرة. أيضاً في قوله عز وجل: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. قال: «ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله أو شبهه». لا يوجد يا إخوان له مثيل أو شبيه. قال: «أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت به الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات». ثم ذكر حديث أبي موسى في صحيح مسلم في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ينام» أي الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، «يحفظ القسط ويرفعه». وفي بعض النسخ «يخفض» وهي الأقرب إلى لفظ الحديث، الخفض يقابل الرفع. قال: «يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو... لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه». قال: «سبحانه وتعالى، وله الحمد والفضل، معتاض بادل حبه لسواه معتاض» أي ما وجد عوض شيء يعوض، بادل حبه لسواه من عوض، ولو ملك الوجود بأسره، ولو ملك الوجود بأسره بأسره، فلن يجد يا إخوان ما يعوض، ما يعوض هذه المحبة لله عز وجل، ولو أعطي مقابل ذلك ما في الوجود جميعه. قال رحمه الله تعالى: «قال فصل، قال: وها هنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به». وما هو المقصود باللبيب؟ قال: «يجب على اللبيب العاقل، أولو الألباب، أي أصحاب العقول». قال: «وها هنا أمر يجب على اللبيب الاعتناء به». قال: «وهو أن كمال اللذة والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين، تابع لأمرين». قال: «أحدهما». وهنا أراد أن يبين في هذا الفصل أن كمال اللذة، وهكذا تماماً النعيم الذي يكون في القلب، يكون تابعاً لكمال المحبوب. كلما كان المحبوب كاملاً، كلما كانت هذه اللذة والنعيم كاملاً. وهكذا أيضاً كمال محبته. إذا كمال المحبوب الأمر الأول، كمال هذه المحبة الأمر الثاني. قال: «أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله، وأنه أولى بإيثار المحبة من كل ما سواه». هذا الأمر الأول. قال: «والأمر الثاني: كمال محبته، كمال محبته، واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء». هذا يا إخوان لا ينطبق إلا في حق الله تبارك وتعالى. ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله. هذا ماذا يسمى؟ يحبونهم كحب الله يا أبا طاهر؟ ماذا يسمى؟ شرك. أحسن. طيب، والتوحيد فيما بعدها. قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، أي أشد حباً لله عز وجل من محبة المشركين لأندادهم. هذا على قول. على قول آخر: أشد حباً لله من محبة المشركين أيضاً لله عز وجل. وربنا تبارك وتعالى، أما يستحق المحبة كلها؟ جل في علاه. قال: «وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته، فكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحبة به أكمل». قال: «فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال». شخص اشتد به الظمأ، اشتد به الظمأ، ماذا يتمنى؟ يتمنى كأساً من الماء، هذا محبوب إلى قلبه. قال: «ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي ونضائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته». شخص تأخر به الزواج، تأخر به الزواج، وبدأ الشيب لربما يغزوه والضعف يعتريه، ماذا يشتهي؟ اشتهي طعام أو شراب أو لباس أو ماذا يا أبا خالد؟ ماذا يشتهي؟ أحب شيء إلى نفسه: زوج. أحسنت. فمحبة المؤمنين يا إخوان لربهم عز وجل أعظم محبة وأشد لذة من الماء البارد على الظمآن، وهكذا من الطعام اللذيذ على الجوعان، وغير ذلك. قال: «وإذا عرف هذا، قال: فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كل حي، كل حي». ولهذا يا إخوان اتفق الناس كلهم على أنهم يبحثون عن هذه الأشياء. الكل يا إخوان يبحث عن الراحة، الكل يبحث عن السعادة، الكل يبحث عن اللذة، عن النعيم. لكن هم طرائق قدداً، تعددت مشاربهم، ﴿وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾. قد علم كل أناس مشربهم. والبعض... والبعض يظنها في المال، والبعض يظنها في الشهرة، وآخر يظنها في الرئاسة والملك، وآخر يراها في الإيمان والعمل الصالح والطاعة، وهؤلاء هم أهل التوفيق. قال رحمه الله تعالى: «قال: بل هو مقصود كل حي». قال: «وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها، قال: فهي تذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها، أو منعت لذة خيراً وأجل منها. فكيف إذا أعقبت مع ذلك أعظم الحسرات، وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟». وهذا يا إخوان ظاهر. اللذة التي يجدها الإنسان إذا كانت سيعقبها ألم، سيعقبها ألم، فهذه تذم، هذه تذم. واللذة التي تفوت على صاحبها لذة أعظم منها، هذه كذلك أيضاً تذم. ولهذا يا إخوان، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من شرب الخمر في الدنيا، أي ومات ولم يتب منها، فإنه يحرم الخمر في الآخرة. وهكذا من لبس الحرير من الرجال في الدنيا، فيحرم ذلك في الآخرة. وهكذا. فكيف إذا أعقبت هذه اللذة مع ذلك أعظم الحسرات؟ كماذا؟ كلذة المشركين والكافرين التي تجعل صاحبها خالداً في النار، وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم. وهكذا تفوت عليه أعظم اللذات والمسرات. ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾. وما للظالمين من أنصار. قال رحمه الله تعالى: «قال: وتحمد» أي هذه اللذة والسرور والفرح، هناك يذم وهنا يحمد. قال: «وتحمد إذا أعانت على لذة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما، بوجه ما». قال: «وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها». قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. في أي سورة هذه عندك؟ نعم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. أي سورة؟ سورة... نعم، سورة... أحسنت: الأعلى. سورة الأعلى. وقال: «وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾». يعني أن عذابك منقطع وملكك إلى إضمحلال ونفاذ، لأن الدنيا فانية. ولو عذبتنا فيها من أولها إلى آخرها، فكيف؟ وإنما بقي من قليلك، وأنت وملكك إلى نفاذ، إلى نفاذ. قال: «والله سبحانه إنما خلق الخلق لينيلهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما الدنيا فمنقطعة ولذاتها لا تصفو أبداً ولا تدوم، بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم». ولاحظوا يا إخوان الفرق بين لذات الدنيا وبين لذات الآخرة. الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. مكابدة منذ أن يخرج من بطن أمه إلى أن يتوفاه الله عز وجل وهو يكابد. واللذات التي يجدها ماذا يعتاريها؟ نكد وتنغيص وتنغيص. قال ابن القيم رحمه الله تعالى عن الدنيا: «طبعت على كدر، فكيف تنالها صفواً؟ أهذا قط بالإمكان؟» يعني بعض الناس يريد أن يعيش في الدنيا لا يمرض ولا تصيبه مصائب ولا تقع به آلام أو أحزان. لا، هذا لا يكون إلا أين؟ في دار السلام، في دار السلام، في الجنة. ولهذا لما سئل إمام أهل السنة والجماعة في عصره الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله تعالى، قيل له: يا إمام، متى يرتاح المؤمن؟ نحن تعبنا من فتن وحروب ومشاكل وآلام وأحزان، متى يستريح المؤمن؟ فأجاب بجواب مختصر مفيد. بماذا أجاب يا أبا عبد الرحمن؟ أحسنت: قال: «عند أول قدم نضعها في الجنة». عند أول قدم نضعها في الجنة. هناك لا مرض ولا خوف ولا ألم ولا فتن ولا حروب ولا مشاكل. قل لهذا يا إخوان، أهل الجنة إذا دخلوا الجنة يحمدون الله عز وجل على ذلك، وقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾. ولا يمسنا فيها لغوب. قال رحمه الله تعالى: «قال: بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبداً، ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده الصالحين فيها من قرة أعين». ومعنى قرة أعين: أي ما تقر به العين، ترتاح وتنبسط إذا رأته. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. قال: «بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». وأشير هنا إلى ما في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين» أين؟ في الجنة: «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر». ﴿اقْرَؤُوا إِن شِئْتُمْ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. جزاء بما كانوا يعملون. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه، الذي قصده الناصح لقومه بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾». وهذا الناصح لقومه ماذا يقال له؟ ماذا يقال له الناصح لقومه يا أبا سعيد؟ ﴿أَهْدِكُمْ﴾، فقال رجل مؤمن: ﴿أَهْدِكُمْ﴾، يقال له ماذا؟ هذا الناصح مؤمن. أحسن: مؤمن آل فرعون. وذكر الله عز وجل قصته في سورة ماذا؟ في أي سورة يا أبا ناظم؟ في أي سورة؟ وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمان... طيب، أحسنت. عندك، عندك يا أبا محمد، في أي سورة؟ أه، في أي سورة؟ ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. سورة غافر. سورة غافر. أحسنت. قال رحمه الله تعالى: «قال: فأخبرهم». وكم يا إخوان في قصة مؤمن آل فرعون من العبر ومن الفوائد العظيمة جداً، فوائد العظيمة جداً، ممكن يذكر بها الإنسان غيره في خطبة جمعة أو في محاضرة أو في مجموعة من الدروس العلمية إلى غير ذلك. قال: «فأخبرهم أن الدنيا متاع يستمتع بها العبد إلى غيرها، وأن الآخرة هي دار المستقر». قال: «وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها» أي لأجل اللذة التي في الآخرة، أي لأجل اللذة التي في الآخرة. ﴿إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا فُطُنًا طَلَقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَ﴾. هذا يدل يا إخوان على أن الدنيا وما فيها هذا ما هو إلا لكي يتوصل الإنسان إلى اللذة الدائمة والسعادة الأبدية في الآخرة. قال: «وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة، ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم تناولها، بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة». هذا يا إخوان قاعدة مهمة في هذا الباب. أي لذة يا إخوان توصل إلى لذة الآخرة، لذة الآخرة، فهذه الأصل أنها تحمد، الأصل أنها تحمد. بخلاف اللذة التي... التي لربما تمنع صاحبها من لذة الآخرة، فهذه تذم. قال: «إذا عرف... إذا عرف هذا، هذا كله مقدمة». طيب، ما الذي يريد أن يصل إليه؟ يريد أن يصل إليه هو أن أعظم نعيم الآخرة وأعظم لذة هو ماذا؟ هو... أحسن: هو النظر إلى وجه الله الكريم، النظر إلى وجه الله الكريم، القرب من الله، وهكذا السماع لكلام الله. قال: «قال رحمه الله تعالى: قال: إذا عرف هذا، فأعظم نعيم... أو فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها، فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها، ولذاتها: النظر إلى وجه الرب جل جلاله، وسماع كلامه منه، أي مباشرة، والقرب منه». كما ثبت في الصحيح في حديث الرؤية: «فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، من النظر إليه». جاء في حديث أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي في صحيح مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى لهم: تريدون شيئاً أزيدكم؟ تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ فيكشف ربنا عز وجل الحجاب» أي عن وجهه سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فما... فما... فما أعطو... فما أعطو شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجه ربهم عز وجل، إلى وجه ربهم عز وجل». وفي تفسير قول الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قالوا: الزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، إلى وجه الله الكريم. قال: «وفي حديث آخر: إنه إذا تجلى لهم، أي ربنا عز وجل لهم، أي لأهل الجنة، ورأوه، نسوا ما هم فيه من النعيم». أي نسوا ماذا؟ نعيم الجنة كله حين أن يروا وجه الله تبارك وتعالى. وهذا الحديث لا يصح يا إخوان، هو حديث جابر رضي الله تعالى عنه عند ابن ماجه وغيره، وهو من طريق الفضل بن عيسى، الفضل بن عيسى الرقاشي، يرويه عن محمد بن المنكدر عن جابر، والفضل بن عيسى هذا منكر الحديث، منكر الحديث. وله شاهد من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، لكنه أيضاً ضعفه شديد جداً، ففي إسناده عباد بن كثير وهو متروك، يرويه عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة. وجاء من كلام الحسن البصري، وفي إسناده أبو حفص عمر بن مدرك وهو كذاب. إذن الحديث ضعيف جداً يا إخوان، وقد ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في ضعيف الترغيب والترهيب وغيره. قال: «وفي المسند، ومسند الإمام أحمد، من حديث عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه، في دعائه: وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك». وهذا الحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. قال: «وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد مرفوعاً» يعني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «مرفوعاً: كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن، فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك، فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك». وهذا الحديث لا يصح يا إخوان، في إسناده إسماعيل بن رافع وهو ضعيف. كذلكم أيضاً هو من طريق محمد بن عبد الرحمن، محمد بن عبد الرحمن العبدي، وهذا محمد بن عبد الرحمن فيه جهالة، ولهذا ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ على الأمة، على الأمة. وعزاه بعضهم عن أنس، وبعضهم إلى محمد بن كعب القرظي، وعلى كل فإسناده لا يصح، إسناده لا يصح. قال: «وإذا عرف هذا، قال: فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو... أعظم لذات الدنيا على الإطلاق». يقول: «وإذا عرف هذا» هذا إشارة إلى ماذا؟ يقول: «وإذا عرف هذا» أي الذي سبق ذكره، وهو أن أعظم لذة هي ماذا؟ النظر إلى وجه الله الكريم، والقرب منه، وسماع صوته سبحانه وتعالى. إذا علم هذا، قال: «فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة» أي تجعل العبد يرى الله عز وجل في الآخرة ويقرب منه ويكلمه، «قال: هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهو لذة معرفة الله سبحانه ولذة محبته». قال: «فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي، ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر». تفلة معروفة: تفلة ما يخرجه الإنسان من ريق من فمه. يقول: اللذة التي تحصل بسبب المحبة لله والقرب من الله والأعمال الصالحات، هذه غيرها من اللذات الأخرى التي في الدنيا، كلذة الأموال والزوجات وغيرها، ما هي إلا كتفلة في ماذا؟ في بحر. قال: «فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك، فأطيب ما في الدنيا معرفة الله ومحبته، وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته». قال: «فمحبته ومعرفته قرة عيون محبيه وعابديه، ولذة الأرواح وبهجة القلوب، ونعيم الدنيا وسرورها. بل لذات الدنيا القاطعة للعبد عن ذلك تنقلب آلاماً وعذاباً». أي لذة يا إخوان، أي لذة تكون من لذات الدنيا تكون سبباً لقطع هذه اللذة، فإنها تنقلب إلى... إلى ألم وإلى عذاب. قال: «ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك». فليست الحياة الطيبة إلا بالله. ولهذا يا إخوان، ربنا عز وجل يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ويقول في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. ولك أن تقارن بين الحياتين وبين العيشين. قال: «وقد تقدم من هذا جانباً صالحاً، كقول بعض المحبين: إنه لتمر بالقلب أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال، إنهم لفي عيش طيب». لاحظوا يا إخوان، عظيم المحبة لله والأنس بالله تبارك وتعالى والطمأنينة عند الأعمال الصالحات. يقول بعض هؤلاء الصالحين: إنه لتمر بالقلب أوقات أن يشعر فيها راحة ونعيماً سعادة، يقول الواحد عندها لنفسه: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال، أي لو لم يكن لهم من السعادة والراحة إلا... إلا كما يجدها هذا المؤمن في هذه الدنيا، قال: «إنهم لفي عيش طيب». قال: «وكان غيره يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من الراحة وطيب العيش لجالدونا عليه بيض السيوف، لجالدونا عليه بيض السيوف». لكنهم يا إخوان مساكين لا يدركون ذلك، يظن أحدهم أن الراحة في الملك والقصر، وتلذذ بيض المركوبات، وهكذا بالعقارات، وهكذا بالأطعمة والمشروبات وغيرها. وهذا مر معنا أنه جاء عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى. قال: «وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي عذاب على قلب المحب، يقول في حاله: وما الناس إلا العاشقون ذو الهوى، وما الناس إلا العاشقون ذو الهوى، ولا خير في من لا يحب ويعشق». أكد يا إخوان، يظنون مثل الذي يخزن... يقول الذي لا يخزن... ما طعم ماء الراحة؟ الذي يشرب الخمر يقول: أنت تشرب خمر؟ قال: لا. قال: فاتك نصف عمرك. كيف؟ قال: والله راح في الخمر. وهكذا العشاق، يقول: أنت إذا لم تجرب العشق والحب كما مر معنا، فأنت حمار، يعني مثلك مثل الحمار، اذهب ولتأكل ماذا؟ تبناً، أي قصباً يابساً مقطعاً. والمسكين ما يدري أنه معذب، أنه معذب، أنه معذب. طيب، سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم الكلام حول تتمة هذا الفصل وما بعده من الفصول الجميلة الماتعة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يرزقني وإياكم الفردوس الأعلى، وأن يرزقنا النظر إلى وجهه الكريم، ومرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.