الدرس في كتاب الأدب من صحيح البخاري 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يروي البخاري حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم صخرة في غار، فدعوا الله بأعمالهم الصالحة وكان أولهم براً بوالديه الشيخين. استجاب الله دعاءه وفرج عنهم، مبيناً جواز التوسل بالأعمال الصالحة وأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء.
يذكر المقطع حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم يحرم عقوق الأمهات ووأد البنات وقول الزور، مبيناً أن أكبر الكبائر هي الإشراك بالله وعقوق الوالدين. يسرد سير المغيرة بن شعبة وأبي بكرة، ويشير إلى تنازل الحسن بن علي عن الخلافة حقناً للدماء في عام الجماعة.
يشرح المقطع معنى مصطلح 'غندر' ويؤكد على الصبر على الأطفال وتربيتهم، مستعرضاً الكبائر الكبرى: الشرك، قتل النفس، عقوق الوالدين، وشهادة الزور. يوضح باب صلة الوالد المشرك بحديث أسماء بنت أبي بكر، ويذكر أن أول حديث في صحيح البخاري من طريق الحميدي هو حديث 'إنما الأعمال بالنيات'.
يختتم المتحدث كلامه بالدعاء إلى الله بطلب العلم النافع والعمل الصالح وحسن الخلق والأدب. يثني على الله ويسلم بعلمه المطلق وقدرته على كل شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الأدب من صحيحه: قال رحمه الله تعالى: «باب إجابة دعاء من بر والديه». ومعنى هذا أن بر الوالدين يعتبر سببا من أسباب إجابة الدعاء. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أبو محمد، قال: حدثنا سعيد ابن أبي مريم. ها هنا شيخ البخاري هو أبو محمد الجمحي القرشي مولاهم. قال: حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم ابن عقبة، وهو كذلكم أيضا قرشي أسدي أبو إسحاق المدني، ابن أخي موسى ابن عقبة صاحب السيرة. قال فيه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تقريب التهذيب: «ثقة، تكلم فيه بلا حجة». قال: أخبرني نافع، ونافع هو مولى ابن عمر، نافع أبو عبد الله الفقيه، قيل أصله من المغرب، وقيل أصله من نيسابور. قال: أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما ثلاثة نفر يتماشون، أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل». وفم الغار أي باب الغار، والغار قال العلماء: هو الفتحة التي تكون في الجبل. قال: «فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة، فادعوا الله بها لعله يفرجها». فقال أحدهم: «اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار، كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت، بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي». قال: «وإنه نأى بي الشجر» أي كان المرعى بعيدا، وهذا كان سببا في أنه يرجع متأخرا. قال: «وإنه نأى بي الشجر، فما آتيت حتى أمسيت، فوجدتهما قد ناما». قال: «فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب» أي باللبن المحلوب، «فوقمت عند رؤوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما» وهذا من أدبه مع والديه. «وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما، والصبية يتضاغون عند قدمي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم» أي حالي وحالهم. قال: «فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج لنا فرجة نرى منها السماء». قال: «ففرج الله لهم فرجة حتى يرون منها السماء». وقال الثاني - وهذا هو الشاهد يا إخوان، أنه ببره بوالديه استجاب الله له الدعاء، وهذا فيه نوع من أنواع التوصل المشروع، ألا وهو التوصل بالعمل الصالح: «ربنا إننا آمنا واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين». قال رحمه الله تعالى: قال: «وقال الثاني: اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فطالبت إليها نفسها» أي أراد أن يزني بها. «قال: فأبت حتى آتيها بمئة دينار، قال: فسعيت حتى جمعت مئة دينار، فلقيتها بها، فلما قعدت بين رجليها» أي أنه قاب قوسين أو أدنى سيفعل ويقع في الفاحشة. «قالت: يا عبد الله، اتق الله ولا تفتح الخاتمة». قال: «فقمت عنها، اللهم إن كنت تعلم أني قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج لنا منها». «ففرج لهم فرجة». وقال الآخر: «اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرقي أرز، فلما قضى عمله، قال: أعطني حقي. قال: فعرضت عليه حقه، فتركه ورغب عنه، فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها. فجاء فقال: اتق الله ولا تظلمني، وأعطني حقي. فقلت: اذهب إلى ذلك البقر وراعيها. فقال: اتق الله ولا تهزأ بي. فقلت: إني لا أهزأ بك، فخذ ذلك البقر وراعيها». «فأخذه فانطلق بها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج ما بقي». «ففرج الله عنهم». هذا فيه يا إخوان إضافة إلى ما سبق، أن صنائع المعروف كما أخبر عليه الصلاة والسلام: «تقي مصارع السوء». قال رحمه الله تعالى: قال: «باب عقوق الوالدين من الكبائر». قال: هو عبد الله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا سعد ابن حفص، قال: حدثنا شيبان عن منصور عن المسيب، والمسيب ها هنا هو الكاهلي، أبو العلاء الأعمى. قال: عن وراد، ووراد هو أبو سعيد الثقفي مولى المغيرة ابن شعبة وكاتبه، كان يكتب للمغيرة ابن شعبة. قال: عن المغيرة ابن شعبة، والمغيرة ابن شعبة يا إخوان صحابي جليل، هو الثقفي أبو عيسى، كان يقال له مغيرة الرأي، كان يضرب به المثل في الدهاء والرأي، وكان كثير الزواج، ذكروا عنه أنه أحصن سبعين امرأة. وقد ذهبت عينه في معركة اليرموك، وقيل في معركة القادسية. وكان في يوم صفين، لما وقع الخلاف بين علي ومعاوية، علي ومعه أهل العراق، ومعاوية ومعه أهل الشام، كان المغيرة ابن شعبة في صف معاوية. ولهذا ذكروا أنه اجتمع في صفين على علي ثلاثة من دهاة العرب: منهم المغيرة ابن شعبة، ومعاوية ابن أبي سفيان، والثالث عمرو ابن العاص، رضي الله تعالى عنهم جميعا. قال: عن المغيرة ابن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات» وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في هذه الترجمة. والعقوق مشتق من العق، وهو القطع، والمراد به ها هنا أن يصدر منه ما يتأذى به الوالدان من هذا الولد، سواء كان قولا فلا تقل لهما أف، أو كان فعلا، أو غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثني إسحاق، قال: حدثني خالد الواسطي عن الجريري عن عبد الرحمن ابن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه. وأبوه هو أبو بكرة الثقفي، اسمه نفيع ابن الحارث رضي الله تعالى عنه. قيل كني بأبي بكرة لأنه لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم حصون الطائف بعد غزوة حنين، تدلى من الحصن بواسطة بكرة - ما هي البكرة؟ تلكم الحديدة المستديرة التي ينزل أو يرفع بها الأشياء والأثقال - على بكرة، نزل فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. ثم قال له: إني عبد. فماذا جعله النبي صلى الله عليه وسلم معه؟ وقيل: على بكرة، أي على ناقة صغيرة هي تعتبر بكرة. وهو صحابي جليل. لما وقعت الحرب بين علي ومعاوية، وانتهت بقتل الخوارج لعلي رضي الله عنه، بايع الناس ابنه الحسن ابن علي رضي الله تعالى عنهما. فجاء أبو بكرة إلى الحسن فقال: يا حسن، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ابني هذا سيد» - ويشير إلى من يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحسن - «إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فلا إله إلا الله يا إخوان، ماذا عمل الحسن؟ تنازل بالخلافة لمعاوية حقنا لدماء المسلمين. تنازل بالخلافة لمعاوية. فجاء المحرشون يقولون: يا حسن، تتنازل عن الخلافة؟ النار ولا العار؟ يقولون: النار ولا العار، يعني خلنا نقاتل ولو كنا على خطأ، النار ولا العار، يعني إيش بيقول الناس، ماذا سيقول الناس؟ فقال الحسن كلمة عظيمة: «بل العار ولا النار». فحمد الناس ما صنعه الحسن. اجتمعت كلمة المسلمين على معاوية ابن أبي سفيان، فسمي ذلك العام عام أربعين للهجرة، سمي بعام الجماعة. قال: «رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متكئا فجلس، فقال: «ألا وقول الزور، وشهادة الزور». ألا وقول الزور وشهادة الزور. قال: «فما زال يكررها» أي النبي صلى الله عليه وسلم «حتى قلنا: ليته سكت» أي رفقا بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثني محمد ابن الوليد، قال: حدثنا محمد ابن جعفر، لقبه غندر. فما معنى غندر؟ نعم يا أحمد، ما معنى غندر؟ مرة معنى أي لسد غندر. يا أبا يحيا، ما معناه؟ غندر كان في مجلس شعبة ابن الحجاج شيخه، فقال له: اجلس يا غندر، اجلس. وما أكثر الغنادر في المساجد الذين يظهرون عند إقامة الصلوات وعند الدروس وغيرها. نعم، لا، بعض الصغار مؤدبون ومحترمون، ليس كله صغير غندر. دعم، أحسنت. المشاغب المؤذي يقال له غندر، يقال له غندر. وهذا فيه يا إخوان الصبر على الأطفال، الطفل في صغره قد يكون مشاغبا مزعجا مؤذيا، فيصبر عليه ويؤدب ويوجه وينصح، قد يصبح إماما من أئمة المسلمين. لا تستعجل في طرده، لا تستعجل في طرده، فأرباب الشر وعصابات الشر بانتظاره، تقول له: هلم إلينا، هلم إلينا. لكن يعالج حاله ويحاول إصلاحه. قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني عبيد الله ابن أبي بكر، قال: سمعت أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين». فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قال: «قول الزور، أو قال: شهادة الزور». قال شعبة: وأكثر ظني أنه قال: شهادة الزور. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب صلة الوالد المشرك». صلة الوالد المشرك يعني الوالدان يحسن إليهما ولو كانا مشركين، وصاحبهما في الدنيا معروفا. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا الحميدي. الحميدي يا إخوان هو عبد الله ابن الزبير ابن عيسى، أبو بكر القرشي المكي، أبو بكر القرشي الأسدي المكي، إمام صاحب الشافعي رحمه الله تعالى في رحلته إلى مصر. الحميدي هذا هو أول شيخ روى عنه البخاري في صحيحه. فما هو أول حديث في صحيح البخاري؟ ما هو أول حديث في صحيح البخاري من طريق الحميدي؟ هذا أول حديث في صحيح البخاري يا أبا سفيان. حديث، حديث يستفتح به العلماء كتبهم ومصنفاتهم. أحسنت: حديث «إنما الأعمال بالنيات». أول حديث في صحيح البخاري هو من طريق الحميدي. قال: حدثنا سفيان ابن عيينة، قال: حدثنا يحيى ابن سعيد وهو الأنصاري، قال: حدثنا محمد ابن إبراهيم التيمي، قال: حدثنا علقمة ابن وقاص الليثي، قال: سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، قال: حدثنا هشام ابن عروة، وهو ابن الزبير ابن العوام، قال: أخبرني أبي عروة ابن الزبير، أحد أعلام التابعين وفقه المدينة السبعة الذين كان يرحل إليهم، وكان يلقب بالصابر المحتسب. قال: أخبرتني أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وأسماء هي أمه، أسماء بنت أبي بكر الصديق. قالت: «أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم». قيل: راغبة في الإسلام، وقيل: راغبة في الصلة، أي أن تصلها. وقيل: راغمة عن الإسلام، أي رافضة للإسلام. قال: «فسألت النبي صلى الله عليه وسلم: أصلها؟» قال: «نعم». قال ابن عيينة: فأنزل الله تعالى فيها: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾. هذا يا إخوان يدل على سماحة الإسلام، الأب أو الأم ﴿ وَلَوْ كَانَ مُشْرِكَيْنِ ﴾. بل قال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾، ﴿ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾ لا تُطِعْهُمَا فِي الْمَعْصِيَةِ وَالشِّرْكِ، ﴿ لَكِنْ قَالَ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾، أحسن إليهما وتعامل معهما بالمعروف، ولو كان مشركين، ولو كان يأمران بالشرك والمعصية فلا طاعة لهما، لكن حقهما الإحسان والصلة. الحديث له تتمة مع أبواب كتاب الأدب من صحيح الإمام البخاري، يأتي معنا إن شاء الله تعالى في مجالس لاحقة. أسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علما نافعا وعملا صالحا وأدبا وخلقا حسنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.