الدرس في كتاب الأدب من صحيح البخاري 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
افتتح الشيخ مجلس قراءة كتاب الأدب من صحيح البخاري في دار الحديث بالشحر، مؤكداً مكانة مكارم الأخلاق واهتمام العلماء بتأليف كتب الآداب. بدأ بشرح باب البر بالوالدين مستعرضاً سند الحديث عن عبد الله بن مسعود وتعريف المخضرم من التابعين.
استعرض المقطع دعاء ابن مسعود واستجابة النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها ثم بر الوالدين ثم الجهاد. وذكر حديث من أحق الناس بحسن الصحبة حيث كرر النبي الأم ثلاث مرات قبل الأب مستدلاً بآيات الوصية.
بين عظمة حق الأم بما تتحمله من مشقة الحمل والوضع والرضاع، ومشاركة الأب في التربية. أوضح شرط إذن الوالدين في جهاد الطلب دون جهاد الدفع، وحرم سب الوالدين وعده من أكبر الكبائر مستدلاً بأحاديث صحيحة.
اختتم المتحدث بدعاء يطلب فيه حفظ الدين والوفاة على الإسلام والمغفرة له ولوالديه والرحمة بهما كما ربّياه صغيراً. وصلى على النبي محمد وختم بالحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الأحبة في الله، هذا المجلس من مجالس هذه الدورة الصيفية العلمية التي تقام في هذه الدار، في دار الحديث بالشحر، في عام ألف وأربعمائة وسبع وأربعين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. ونحن في هذا اليوم في السابع والعشرين من شهر ذي الحجة. وهذا المجلس عبارة عن قراءة وتعليق لكتاب الأدب من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا يخفى علينا جميعاً مكانة الأدب، وهكذا منزلة الخلق الحسن في ديننا الإسلامي الحنيف. فنبينا صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، مكارم الأخلاق». وأثنى عليه ربه عز وجل بأنه على خلق عظيم. وهكذا هي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي ترغب وتحث وتأمر أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان بأن يعتنوا عناية بالغة بجانب الآداب وجانب الأخلاق والسلوك الحسن. وليس هناك شيء يضاف إلى شيء فيزينه كعلم أضيف له أدب، أضيف له حلم وصبر وكرم وشجاعة، وهكذا غيرها من الآداب، وهكذا الخصال الطيبة. وعلماؤنا المتقدمون، وهكذا المتأخرون، أولوا هذا الجانب عناية عظيمة واهتماماً بالغاً كبيراً. فتجدهم يؤلفون الكتب المستقلة في الآداب. البخاري رحمه الله تعالى ألف «الأدب المفرد»، وهو غير كتاب الأدب الذي في صحيحه. وهكذا ألف غيره، ألف الخطيب البغدادي، وهكذا غيرهم. وتجد أن العلماء يودعون في مصنفاتهم وكتبهم أبواباً تتعلق بالأدب، كما صنع البخاري هاهنا، ومثله مسلم، وهكذا أصحاب السنن. فتجدهم يهتمون بهذا الجانب، جانب الأدب. وطالب العلم هو من أسعد الناس بهذا الباب، أن يتحلى بآداب وأخلاق وسلوك، فالعلم يدفعه إلى هذا ويجعله يتحلى بهذا. فما يصلح أن يكون طالب علم أدبه قليل وخلقه سيء، أين ثمرة العلم؟ أين ثمرة العلم؟ فالعلم يدعو إلى التحلي بمكارم الأخلاق، وهكذا بجميل العادات، وهكذا السلوك الحسن. كتاب الأدب من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تعالى كتاب جميل وكتاب عظيم ومفيد. وقد أطال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الأدب، وأجاد وأفاد. وأسأل الله عز وجل الإعانة والسداد والتوفيق في هذا الباب، وأن يعيننا على القراءة والتعليق، وعلى الاستفادة والانتفاع، وأن يجعلنا جميعاً ممن يسمع القول فيتبع أحسنه. قال رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب الأدب. كتاب الأدب. قال: باب قول الله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾. جاء في بعض نسخ صحيح البخاري أنه قال: باب البر والصلة. باب البر، أي البر بالوالدين، وهكذا صلة الوالدين، وهكذا الإحسان مع الوالدين. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أبو الوليد. وأبو الوليد هاهنا شيخ البخاري هو هشام بن عبد الملك الباهي مولى لهم الطيالسي البصري، أحد مشايخ البخاري الأجلة. قال: حدثنا شعبة. قال: الوليد بن عيزار أخبرني، قال: سمعت أبا عمر الشيباني يقول. وأبو عمر الشيباني هو سعيد بن إياس، سعيد بن إياس أبو عمر الشيباني. هذا مخضرم. وما معنى مخضرم؟ معنى مخضرم: أي أنه أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يعتبر من كبار التابعين، يعتبر من كبار التابعين. قال: سمعت أبا عمر الشيباني يقول: أخبرنا صاحب هذه الدار، وأومأ بيده إلى دار عبد الله. أومأ: يعني أشار بيده إلى دار عبد الله. وإذا أطلق في الصحابة «عبد الله» فالمقصود به من... إذا أطلق في الصحابة «عبد الله» يا عبد الله، فمن المقصود؟ عبد الله بن مسعود. أحسنت. عبد الله بن مسعود، أبو عبد الرحمن الهذلي، أحد علماء الصحابة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، يعني ابن مسعود. مر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وهو يصلي، فجعل يدعو، ابن مسعود يقول: «اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد، ويقينا لا ينفذ، ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في جنات الخلد». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه». وكان مع نبينا عليه الصلاة والسلام أبو بكر وعمر. فلما أصبحوا ذهب عمر مسرعاً إلى ابن مسعود لكي يبشره، فقال له ابن مسعود: «سبقك أبو بكر، سبقك أبو بكر». فقال عمر: «إن يفعل فإنه سباق، ما سبقنا إلى شيء أو إلى خير إلا سبقنا إليه أبو بكر، إلا سبقنا إليه أبو بكر». ولما كشفت الريح عن ساقي ابن مسعود، وكانت نحيفتين، فضحك بعض الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام: «أتضحكون من دقة ساقيه؟ إنهما في الميزان أثقل من جبل أحد، أثقل من جبل أحد». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم. قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ ولاحظ همة الصحابة يسألون عن معالي الأمور: أي العمل أحب؟ أي العمل أفضل؟ أي المسلمين خير؟ وهكذا همم عالية. قال: «الصلاة على وقتها». قال: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني، لو طلبت منه الزيادة في السؤال لزادني. صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والشاهد من إيراد هذا الحديث هو ذكر بر الوالدين، وأنه من أحب الأعمال إلى الله تعالى، حتى أنه قدمه على الجهاد في سبيل الله. وذكر الآية من سورة العنكبوت: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾. وفي بعض النسخ أيضاً معها الآية التي في سورة لقمان: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾. وهذه الوصية بالوالدين تقتضي الأمر بطاعتهما، تقتضي الأمر بطاعتهما، ولو كان كافرين. ولو كان الأب أو الأم كافراً فيجب طاعتهما، إلا إذا أمر بمعصية الله عز وجل. ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾. قال رحمه الله تعالى: قال: باب: من أحق... من أحق الناس بحسن الصحبة؟ ومعنى حسن الصحبة: أي حسن المعاملة. أخلاقنا يا إخوان وآدابنا وتعاملنا الحسن، من هو أولى الناس به وأحق الناس أن نتعامل به معه؟ قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا جرير. وجرير هاهنا هو ابن عبد الحميد الضبي، ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد الله الرازي الكوفي القاضي. قال: عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة. وأبو زرعة هذا... أبو زرعة هذا هو ابن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، البجلي الكوفي. اختلف في اسمه: قيل اسمه جرير، أو قيل اسمه هرم، وقيل جرير، وقيل عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وقيل غيرها. كان ثقة نبيلاً شريفاً كثير العلم. وقد ذكر الذهبي في التاريخ عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير... قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه. أبو هريرة الدوسي اليماني، حافظ الصحابة، حافظ الصحابة. قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك». قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك». وقال ابن شبرمة، ويحيى بن أيوب: حدثنا أبو زرعة مثله. هنا يا إخوان، هنا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن هو أحق بحسن المعاملة والصحبة والأخلاق الحسنة، فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى الأم في المرة الأولى والثانية والثالثة. ولهذا قال أهل العلم، كما جاء عن الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى أحد شراح صحيح البخاري: «مقتضاه... مقتضاه أن يكون للأب ثلاثة أمثال... أن يكون للأم مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال مال الأب من البر». قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ﴾. مشقة بعدما مشقة، كم تعبت وعانت! وكلما كبر الجنين كلما كبرت وعظمت المشقة، وبعد ذلك يأتي الوضع، قال: ثم الوضع، أي الولادة، قال: ثم الرضاع. قال: فهذا تنفرد به الأم وتشقى به، ثم تشارك الأب في التربية. الأب يا إخوان ما حمل ولا وضع ولا رضع، الأب ربى، الأم تشارك الأب أيضاً في التربية، في التربية. فما أعظم حق الأم! ما أعظم حق الأم! وهكذا أيضاً حق الأب كذلك عظيم، وليس... وليس بهين. قال رحمه الله تعالى: قال: باب: لا يجاهد إلا بإذن الأبوين. والمقصود بالجهاد الذي يشترط فيه إذن الوالدين هو الجهاد الذي ليس جهاداً عينياً وواجباً عينياً كواجب الدفاع عن حوزة المسلمين. هنا لا يشترط، إذا تعين الجهاد لا يشترط فيه إذن الوالدين. أما غيره كجهاد الطلب فهذا يشترط فيه إذن الوالدين. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان. وسفيان هاهنا هو ابن سعيد بن مسروق، أبو عبد الله الثوري، أمير المؤمنين في الحديث. قال: قال: عن سفيان وشعبة، قال: حدثنا حبيب. قال: حاء. وحاء هاهنا المقصود بها تحويل السند، أي سيأتي البخاري ويروي السند من أوله لكن من طريق آخر. قال: حاء، وحدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، أي الثوري، عن حبيب، عن أبي العباس، عن عبد الله بن عمرو، أي ابن العاص. عبد الله بن عمرو بن العاص هو عابد الصحابة، عابد الصحابة، أحد العبادلة من الصحابة، وممن روى أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: «أجاهد؟ أجاهد؟» قال: أي النبي صلى الله عليه وسلم: «لك أبوان؟ يعني أبوان لك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد، ففيهما فجاهد». وهذا يا إخوان إن دل على شيء دل على فضل الوالدين. جاء في بعض روايات الحديث أن هذا الرجل الذي جاء يسأل، تدرون من أين جاء؟ جاء من اليمن إلى المدينة، كم قطع من الفيافي والقفار! ولما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاء يريد أن يجاهد، فسأله عن والديه، فأخبره أن له والدين، قال: «ارجع، ففيهما فجاهد». في بعضها أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عمن ترك، فذكر أنه ترك أماً، قال: «تريد الجنة؟» قال: نعم. قال: «ارجع فالزمها، فإن الجنة تحت قدميها، تحت قدميها». فما أعظم هذا الدين الذي يجبر خاطر الوالدين، وهكذا يأمر ببرهما والإحسان إليهما، ولو كان في مقام قتال أعداء الله. قال رحمه الله تعالى: قال: باب: لا يسب الرجل والديه. عجباً يا إخوان، وهل يتجرأ ولد أن يسب والده؟ نعم، قد يقع. يتجرأ، ونحن اليوم يا إخوان في زمن كثر فيه العقوق، كثر من الأبناء من يرفعون أصواتهم على والديهم، ومن يقوم بنهر والديه، فلا تستغرب أن يوجد من يسب، بل من يضرب والديه، ولا سيما من ابتلي بآفة المخدرات والحشيش وغيرها من الآفات. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، يلعن الرجل والديه». قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ لاحظوا يا إخوان، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمراً يقع فيه كثير من الأبناء، ولربما عده بعضهم مزاحاً وضحكاً. قالوا: قيل يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه». لاحظوا هذا: يسب أبو هذا، يسب أبا هذا، ذلك ما يسكت له، يقول: سب أبي أنت، فيُلعن ويسب أباه، أو يسب أمه، فيكون هذا الولد العاق سبباً لسب أبيه أو سبباً لسب أمه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه». وفي بعض الروايات قال: «ملعون من سب أباه، ملعون من سب أمه». فلما سئل عن ذلك ذكر ما سبق: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه. فأسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يغفر لنا ولوالدينا، وأن يرحمهما كما ربياني صغيراً. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم.