الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 772، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «في ثقيف مبير وكذاب»، مستعرضاً طرق روايته المتعددة عن إسرائيل وشريك، وموقف الأئمة أحمد والترمذي ومقبل الوادعي من تصحيح أسانيده. يبين أن أصل الحديث في صحيح مسلم من طريق أسماء بنت أبي بكر، مع تحديد شخصيتي الكذاب والمبير.
يتناول امتناع أسماء بنت أبي بكر عن الخضوع لتهديدات الحجاج بن يوسف، وتبكيتها إياه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم مبينة أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد والمبير هو الحجاج نفسه. يستعرض سياق إسلام ثقيف في السنة التاسعة ودور أسماء في تطبيق النص النبوي على الواقع.
يصف ظلم الحجاج بن يوسف وقسوته على الصحابة ومنهم أسماء، مع ذكر فضله في تقسيم القرآن إلى ثلاثين جزءاً. يرجح الذهبي أن سيئات الحجاج تطغى على حسناته، ويؤكد المقطع أن الحجاج هو المقصود بالمبير في الحديث النبوي والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو يعلى رحمه الله، وهو أحمد بن علي بن المثنى، أبو يعلى الموصلي صاحب كتاب المسند: حدثنا أمية بن بسطام، وهو بصري ثقة، قال: حدثنا يزيد بن زريع، وهو أبو معاوية، حافظ، حفّاظها للبصرة، قال: حدثنا إسرائيل، وهو ابن أبي إسحاق، إسرائيل بن يونس بن عمر بن عبد الله السبيعي، وهو من حفاظ أهل الكوفة، وخاصة في جده أبي إسحاق، وهو أوثق من أبيه، قال: حدثنا عبد الله بن عسمة، وسيأتي الكلام عليه، قال: سمعت ابن عمر يقول: أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في ثقيف مبيراً وكذاباً. قال: هذا حديث حسن، وهو بسند الإمام أحمد، والترمذي يرتقي إلى الصحة. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو كامل، وهو فضيل بن دكين، وهناك أبو كامل من مشايخ مسلم، الحسين بن علي الجحدري، قال: حدثنا شريك، وهو النخعي، عن عبد الله بن عاصم، وصوابه عبد الله بن عسمة، قال: عن ابن عمر به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، أي ابن محمد المصيصي، وأسود بن عامر، وهو شاذان، قال: حدثنا شريك عن عبد الله بن عاصم أبي علوان به. وقال الإمام الترمذي: حدثنا علي بن حجر، هو السعدي، قال: أخبرنا الفضل بن موسى، وهو السيناني، عن شريك عن عبد الله بن عاصم به. هؤلاء كلهم إلى شريك، وشريك بن عبد الله النخعي فيه ضعف، خاصة بعدما ولي القضاء، لكنه في المتابعات فحديثه يرتقي إلى الصحة. ثم قال الترمذي: حدثنا عبد الرحمن بن واقد، أخبرنا شريك نحوه. قال: وهذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر، لا نعرفه إلا من حديث شريك، وشريك يقول: عبد الله بن عصم، وإسرائيل يقول: عبد الله بن عصمت. ويقال: الكذاب المختار بن أبي عبيد، والمبير الحجاج بن يوسف. قال: وأخرجه الترمذي بهذين السندين، ثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك، وشريك يقول: عبد الله بن عصم، وإسرائيل يروي عن هذا الشيخ ويقول: عبد الله بن عصمت. طيب، هذا الحديث أصله موجود في صحيح مسلم، لكنه من حديث أسماء بنت أبي بكر: أن في ثقيف مبيراً وكذاباً. جاء في صحيح مسلم عن أسماء أن الحجاج بن يوسف أرسل إليها أن تأتي، فرفضت أن تأتي، قال: إما أن تأتي أو لأسحبنك بقرونك، أو قال: بنطاقك. ثم جاء إلى بيتها، فقال لها، قال لها على ولدها بعد أن قتله، بعد أن صلبه، صلب عبد الله بن الزبير، فقالت: أرأيت ما فعل ولدك؟ فقالت رضي الله عنها: أفسدت دنياه وأفسد آخرته. ثم أغلظ عليها الكلام، فقالت: تدرين ما تقولين بالنطاق؟ فذكرت أنها كانت تضع، أنها شقت نطاقها، فنطاق تضع فيه الطعام الذي ترسله إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإلى أبي بكر، وشق الآخر تلبسه لباس المرأة لأجل أن تغطي شعرها، لقلة الأثواب، فشقت رضي الله تعالى عنها نطاقها، وجعلته ترسل فيه الطعام مع عبد الله بن أبي بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهما في الغار، مع أبي وهما في الغار، فسميت بذات النطاقين، فكانت تحكي له هذا لأنه كان يعيرها بهذا، ذلك المبير الظالم الحجاج بن يوسف. ثم قالت له: أما إن النبي عليه الصلاة والسلام قد حدثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً، أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فما أراه إلا أنت. قال: إنه في ثقيف كذاباً ومبيراً. فقالت: الكذاب قد رأيناه، وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي، فهذا ادعى نصرة علي، ثم ادعى نصرة الحسن، وكذلك الحسين، ثم بعد ذلك تنبأ، ادعى النبوة، وملك الخلافة فترة من الزمن، ثم أزاحه الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في ثقيف كذاباً ومبيراً». ثقيف هذه قبيلة من قبائل العرب، كانوا يسكنون في الطائف، ونسبتهم ثقفي، وكانوا من خيرة العرب، وأسلموا في السنة التاسعة، بعد أن حصرهم النبي عليه الصلاة والسلام شهراً فلم يسلموا أنفسهم، ثم انصرف النبي عليه الصلاة والسلام، فتراجع بعضهم إلى بعض، ورجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنهم يسلمون، وأنه يؤدي إليهم ذراريهم وأموالهم التي أخذت عليهم في حنين، لأنهم شاركوا مع هوازن، ثم هربوا لما رأوا القتال فيهم، هربوا ودخلوا إلى الطائف وتحصنوا فيها، فلما حصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تحصينهم قوياً جداً، وعندهم طعامهم وشرابهم، فلم يخرجوا ولم يتراجعوا، فتركهم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم جاءوا بعد ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام مسلمين، فأرادوا ذراريهم وأموالهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اختروا أحد الأمرين: إما المال وإما الذراري»، فقالوا: نختار الذراري، يعني النساء والصبيان، فقال: أما ما كان لي، لأنها قد وزعت الغنائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما ما كان لي ولبني هاشم فهو لكم، وأما ما كان للناس فليرفع كل قبيلة عريفها»، فرفع الناس ابتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يتركون أسراهم، يعني يرجعون أسراهم إلى ثقيف، إلا الأقرع بن حابس، أو عيينة بن حصن، رفض أن يرجعهم، وقال: هؤلاء أسرانا، فقالوا له أصحابه: والله ما نفعل إلا كما يفعل رسول الله، ولا نطيعك في هذا، فتركوه وأعطوهم سباياهم. فثقيف، كما قلنا، قبيلة عريقة من العرب، وكما قلنا، كثير منهم أبل الله عز وجل بهم بلاء عظيماً في الإسلام، ومنهم الصحابة الأجلاء: المغيرة بن شعبة، وأيضاً عمه عروة بن مسعود الثقفي، الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح، وهو أيضاً أسلم ممن أسلم بعد الفتح، بعد فتح مكة، وكان ممن حسن إسلامه، وغيرهم ممن كان من أهل ثقيف. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن في ثقيف مبيراً وكذاباً»، ففسره العلماء، وكما قلنا فسرته أسماء بنت أبي بكر: أن الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، فقالت: أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير، أي الظالم، المبير هو الظالم، وأما المبير فما أراه إلا أنت، وصدقت رضي الله عنها، فكان الحجاج ظالماً يقتل ولا يبالي، ولا يبالي بشرف الصحبة، يهين حتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يلقَ لهم تلك الحرمة، فلهذا كانت طريقته سيئة جداً، وإن كانت له حسنات، لكن كما قال الإمام الذهبي: حسناته تغوص في بحر سيئاته، له حسنات كثيرة، منها ومن أعظمها أنه هو الذي جزأ القرآن، أن هذه الأجزاء ثلاثون جزءاً في القرآن، والأحزاب التي تتبعه، هذا من فعل الحجاج، وعاونه بعض أهل اللغة، وهذا يدل على كثرة حفظه، أو على قوة حفظه، كان يحفظ القرآن حفظاً متقناً، لكنه كان ظالماً وباغياً وقاسياً على رعيته، فلهذا كانت هذه الصفات، حتى أنه، كما قلنا، لا يبالي بأصحاب رسول الله، ولا يرى لهم مكانتهم. فهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها، كان يفعل بها هذا الفعل، ويقول لها هذا القول، وما كان يعظم إلا عبد الله بن عمر، لأن عبد الملك بن مروان أمره أن يطيع عبد الله بن عمر فيما يقول، خاصة في الحج لما حج بالناس. فالمهم أن هذا المبير الظالم هو هذا الحجاج بن يوسف الثقفي، فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.