ترجمة الشيخ عبدالحميد بن باديس 1

ترجمة الشيخ عبدالحميد بن باديس 1

الدرس في ترجمة الشيخ عبدالحميد بن باديس 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

نشأة الشيخ عبد الحميد بن باديس وبداية تعليمه

ولد الشيخ عبد الحميد بن باديس في قسنطينة عام 1889م ونشأ في بيئة علمية، حيث حفظ القرآن الكريم في سن الثالثة عشرة وأَمَّ الناس في صلاة التراويح. تلقى العلوم الشرعية على يد مشايخ أجلاء أبرزهم الشيخ حمدان الونيسي، مما أسس لانطلاقته العلمية المباركة.

رحلات الشيخ ابن باديس العلمية ونصيحة العلماء بالعودة للجزائر

سافر الشيخ إلى تونس والحجاز والشام ومصر لطلب العلم والتقى بكبار العلماء، وألقى دروساً في الحرم النبوي الشريف. نصحه علماء المدينة النبوية بالعودة إلى الجزائر لنشر الدعوة الإصلاحية وإنقاذها من براثن الاستعمار الفرنسي، فاستجاب وقرر الرجوع إلى وطنه.

تأسيس جمعية العلماء المسلمين المسلمين والمسار الإصلاحي في الجزائر

التقى الشيخ ابن باديس بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي في المدينة النبوية واتفقا على خدمة الجزائر، فعادا إلى قسنطينة وأسسا جمعية العلماء المسلمين المسلمين مع سبعين عالماً. رفعا شعار «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، ونشرا الوعي الديني، وتطور النضال من اللين إلى المقاومة المسلحة، كما اشتغل الشيخ بالتفسير والشرح والكتابة السياسية حتى وفاته عام 1940م.

دعاء الختام والصلاة على النبي

اختتم المتحدث حديثه بالدعاء إلى الله أن يجمعهم بعلمائهم في أعلى درجات الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. واختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وحبيبنا وشفيعنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعد، فكان الكلام في الدرس الماضي ضمن المجالس العلمية التي نتذاكر فيها صفحات مضيئة وتراجم مفيدة من حياة علمائنا الراحلين، الذين كما سبق كان رحيلهم خسارة على هذه الأمة، إذ فقدت برحيلهم ما فقدت من العلم، وفقدت من خيرة أبنائها وفلذات أكبادها. وكم هي الأمة أحوج ما تكون إلى العلماء، ولا سيما عند الفتن، فالعلماء هم مصابيح في الدجى، في الليل، وهم علامات ومنارات للهدى، وبالنجم هم يهتدون. فالنجوم في السماء والعلماء في الأرض، كما مر معنا في أثر أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى قال: «العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، إذا بدَت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا، كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا». وكذلك العلماء يا إخوان، ينيرون الدروب والطرق للناس، فكم هدى الله عز وجل بهم من ضال، وأحيى بهم من ميت، إلى غير ذلك. وكان الحديث في الدرس الماضي حول علم وعالم كبير من علماء الأمة، فمن هو يا أبا أسامة؟ أحسنت: محمد خليل هراس رحمه الله وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهو من علماء مصر، بل ومن علماء الأمة رحمه الله تعالى، ومؤلفاته يا إخوان تدل على رسوخ في العلم، وصحة في المعتقد، وثبات على السنة، إلى غير ذلك. حديثنا في هذه الليلة حول علم من هذه الأعلام، وهو من أعلام المغرب العربي. وإذا أطلق المغرب العربي فيراد به تلكم البلدان: ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا، ونحوها. ألا وهو الشيخ عبد الحميد باديس رحمه الله تعالى. وقد كنت متردداً في الكلام حول هذه الترجمة، نظراً للكلام الذي يقال في أمثال هذا العلم، فتكلم فيه بعضهم، وسبب الكلام في أمثال هذا العلم المراحل التي مر بها، ولا سيما في فترة جهادهم ونضالهم ضد المستعمر الفرنسي. إلا أني رأيت من أهل العلم من يشيد به ويثني عليه، ويرد تلكم الدعاوى والمزاعم. ومن ذلكم ما ذكره أحد علماء الجزائر المعاصرين، وهو الشيخ أبو عبد المعز الشيخ فركوس حفظه الله تعالى، وهو من علماء الجزائر، صاحب البيت أدرى بما فيه. فذكر كلاماً وجمع ثناء على هذا العلم، وأجاب عن بعض ما نسب إليه بعضهم. وهكذا أيضاً الشيخ صالح بن حمد العصيمي حفظه الله تعالى، له كلام وثناء على الشيخ عبد الحميد باديس الصنهاجي رحمه الله تعالى. والشيخ عبد الحميد باديس هو: عبد الحميد ابن محمد المصطفى ابن المكي ابن محمد كحول ابن الحاج علي النوري، وهكذا نسبه إلى عبد الرحمن ابن باديس الصنهاجي الحميري الصنهاجي الحميري. وكان مولده بمدينة تقع في شرق الجزائر تسمى قسنطينة، وهي تعتبر عاصمة الشرق الجزائري. وكان مولده في يوم الجمعة، عام ألف وثلاثمائة وسبع من الهجرة، يعني الموافق ألف وثمانمائة وتسع وثمانين من الميلاد. وكما سبق في الجزائر، كان رحمه الله تعالى من أسرة معروفة بالعلم والشرف، وكان عبد الحميد هو الابن الأكبر لوالديه. وبدأ رحمه الله تعالى حياته العلمية في الكتاب القرآني على يد الشيخ محمد المداسي، فدرس إلى أن حفظ القرآن عليه، وختم الشيخ عبد الحميد ابن باديس القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، كما سبق، على يد هذا الشيخ محمد المداسي. ومن شدة إعجاب الشيخ بجودة حفظ باديس وحسن سلوكه، قدمه ليصلي بالناس التراويح في رمضان بالجامع الكبير عندهم هناك، سنتين أو ثلاثاً. وهكذا تلقى الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله تعالى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيد عبد المؤمن، على يد مشايخ أجل، من أشهرهم عالم من علماء تلكم البلاد يقال له الشيخ حمدان الونيسي القصنطيني، وهو يعتبر من أوائل المشايخ الذين كان لهم أثر طيب في اتجاه الشيخ باديس الديني. ولا ننسى أن الشيخ ابن باديس بدأ طلبه للعلم، وكان هذا الشيخ يوصيه بوصية، يقول له: «ادرس العلم للعلم لا للوظيفة». ونعم الوصية يا إخوان. وكان هذا من الوصايا التي انتفع بها انتفاعاً كبيراً. بل هذا الشيخ أخذ على الشيخ ابن باديس عهداً ألا يقرب الوظائف الحكومية الفرنسية. وكما سبق يا إخوان، الجزائر كانت مستعمرة فرنسية، والفرنسيون سطروا صفحات سوداء، بل صفحات حمراء مليئة بدماء. وكان ذلك في الجزائر، وهكذا في غيرها من البلدان التي كانوا يحتلونها. قتلوا أكثر من مليون جزائري، تخيل هذه الجثث الهائلة. أكثر من مليون جزائري قتلهم الفرنسيون. بل من شدة استخفافهم، كما سبق معنا، كانوا يلعبون كرة بجماجم ورؤوس الجزائريين، هذا يشوت رأساً بقدمه، والآخر يستقبله ويعطيه الآخر، تلاعب بدماء. وهذه الدماء ليس لها ذنب إلا أنها مسلمة، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. ثم يأتي هؤلاء الأوغاد، هؤلاء المجرمون من فرنسا وغيرها، ويتكلموا عن الإرهاب. هل هناك إرهاب أعظم من هذا؟ فرعون لم يتجرأ على ما فعله أولئك. جرائم بشعة قام بها أولئك الذين اليوم شعاراتهم: حقوق الإنسان، حق المرأة، أي التبرج والاختلاط والمعاملات المشبوهة، بل والمحرمة. بل أعجب من هذا، اليوم يطالبون بحقوق الحيوان: حق الكلب، والهرة، والبعير، والحشرات وغيرها، وهم أجرم خلق الله، وجرائمهم لا تزال آثارها في هذه البلدان التي كانوا يحتلونها. والشيخ عبد الحميد باديس واصل دراسته، فالتحق بجامع الزيتونة، وكان ذلك في عام ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين، فأخذ عن جماعة من كبار علمائها. وفي مقدمة هؤلاء الذين أخذ عنهم بالزيتونة - والزيتونة في بلاد تونس - أخذ عن الشيخ محمد النخلي القيرواني. والقيروان أين تقع؟ القيروان هذه مدينة بناها المسلمون وهم في طريقهم إلى فتح إفريقية، فتقع في بلاد تونس. وكانت تونس تعرف بهذا الاسم: القيروان. وكانت من حواضر العالم الإسلامي، أي من المناطق والمدن التي فيها العلم وفيها العلماء. وهكذا أيضاً أخذ عن الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، وهكذا أيضاً أخذ عن غيرهم من هؤلاء المشايخ والمربين الذين كان لهم تأثير في نموه العلمي. وهكذا أيضاً الشيخ محمد - أو الشيخ عبد الحميد باديس رحمه الله تعالى - سافر إلى أرض الحرمين ونجد، وذلك في عام ألف وثلاثمائة واثنين وثلاثين من الهجرة تقريباً. وكانت رحلته امتدت إلى الحجاز، وإذا أطلق الحجاز فيراد به مكة والمدينة والطائف وغيرها. الحجاز قيل أنها تحجز بين نجد وتهامة. فماذا رحل إلى الحجاز، ومن الحجاز إلى الشام ومصر، وزار بعض عواصم الدول الإسلامية للاتصال بعلمائها والاطلاع على ما يجري بها، معتبراً هذه الرحلة تتمة لدراسته العلمية. ورجع لأداء مناسك الحج والعمرة إلى أرض الحرمين، وزار المدينة النبوية وأقام بها. وفي أثناء إقامته بالمدينة التقى بأستاذه الأول الذي درس عليه في مسقط رأسه، ألا وهو الشيخ حمدان الونيسي الجزائري، الذي كان هاجر إلى المدينة النبوية وأقام بها. وتعرف على بعض العلماء، ولا سيما العلماء الذين انتقلوا من المغرب العربي إلى أرض الحرمين. وهكذا أيضاً التقى ببعض العلماء الذين أتوا من شبه القارة الهندية، كالشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي. وهكذا ألقى بحضوري جمع من هؤلاء العلماء درساً في الحرم النبوي الشريف، فأعجب به إعجاباً شديداً مما لفت الأنظار إليه. وفي هذه الأثناء أبدى الشيخ عبد الحميد باديس رغبته في البقاء بالمدينة النبوية، ورحب به غير أن بعض العلماء هناك لم يوافقه على هذه الفكرة، بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه، إلى الجزائر، وذلك لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه. فالجزائر كانت تعيش فترة مظلمة تحت الاستعمار الفرنسي، الذي كان يحارب المعالم الإسلامية هناك، فكان من الضرور أن يوجد مثل هؤلاء العلماء الذين يدعون ويعلمون، وينشرون هذه الدعوة في تلك البلاد. فاقتنع الشيخ عبد الحميد ابن باديس بهذه الفكرة، وقبل النصيحة، وقرر الرجوع إلى وطنه. وخلال الفترة التي قضاها في المدينة النبوية تعرف على بعض الشباب الجزائريين، ومنهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي كان يقيم مع والديه بالمدينة النبوية. أقام معه مدة، تعارف فيها وتحاورا معاً في شأن الخطة التي سيمشون عليها لإصلاح الأوضاع المتردية في بلادهم الجزائر، واتفقا معاً على خدمة بلادهما متى عادا إليها. وكانت علاقة قوية بين الشيخ عبد الحميد ابن باديس وبين هذا التلميذ، ألا وهو الشيخ محمد البشير الإبراهيمي. والشيخ محمد البشير الإبراهيمي هو علم من أعلام الجزائر، لكن أخذ عليه بعض المؤاخذات، مما يتعلق بالثناء على بعض الطرق الصوفية مثلاً، أو لمز الدعوة السلفية التي يسمونها بالوهابية في أرض الحرمين، وهكذا غيرها. وكانت العودة إلى الجزائر، واستقر في مدينته التي هي قسنطينة، وشرع رحمه الله تعالى في العمل التربوي، وبدأ بتدريس الصغار، ثم أخذ يدرس الكبار، وكان المسجد هو المركز الرئيسي لنشاطه. وتطورت دعوته إلى أن قام بإنشاء جمعية العلماء المسلمين، وشاركه في هذه الجمعية ما يزيد على سبعين عالماً من علماء الجزائر، وأصدروا جريدة. وهكذا أيضاً استمروا في نشرهم للوعي الديني، وكان من شعارهم الذي مشوا عليه أثر الإمام مالك رحمه الله تعالى: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها». فكانت لهم جهود عظيمة في بلاد الجزائر، غير أنهم كانوا في أول أمرهم عندهم شيء من اللين في التعامل مع سلطات الاحتلال الفرنسي، وكانوا يعاملون الاحتلال بشيء من الليونة. والمبرر لهم على ذلك أن الاستعمار الفرنسي كان قاسياً شديداً، إذا رأى أن القوم يعاملونه بشدة، لربما كان ذلك سبباً لقمعه لهذه الدعوة ولهذه الحركة التي نشأت في الجزائر. ثم بعد ذلك تطور أمرهم إلى نوع من الشدة، وانتهى أمرهم إلى النضال وهكذا قتال ضد الاستعمار الفرنسي في الجزائر. والشيخ عبد الحميد ابن باديس عبارة عن شخصية كما قيل عنها غنية وثرية، فهو مجدد ومصلح دعا إلى نهضة المسلمين. وهكذا أيضاً أخذ يعلم، وكان عالماً مفسراً، فسر القرآن الكريم كله خلال خمس وعشرين سنة في دروسه اليومية. أيضاً شرح موطأ الإمام مالك خلال هذه الفترة. وكانت له عناية بالسياسة، فكان يكتب في المجلات والجرائد التي أصدرها عن واقع المسلمين، ولا سيما بالجزائر، وهاجم الاستعمار الفرنسي، وهاجم أساليبهم الاستعمارية. وهكذا قام بشرح أصول السياسة الإسلامية. وهكذا له آثار عظيمة وكثيرة في الجزائر، وهكذا في غيرها من البلدان الأخرى. والشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله تعالى ظل حياته في الدفاع عن الإسلام ومحاربة الفساد الذي أحدثه الفرنسيون المستعمرون، إلى أن توفي رحمه الله تعالى. وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء الثامن من ربيع الأول سنة ألف وثلاثمائة وتسع وخمسين من الهجرة، الموافق السادس عشر من شهر إبريل نيسان عام ألف وتسعمائة وأربعين من الميلاد، وذلك في مسقط رأسه بمدينة قسنطينة، التي اتخذها في حياته مركزاً لنشاطه التربوي والعلمي والإصلاحي والسياسي وغيره. وفي يوم تشييع جنازته رحمه الله تعالى إلى المقبرة، قالوا: خرجت مدينة قسنطينة عن بكرة أبيها، كلهم يا إخوان يودعون هذا العلم، يودعون هذا العلم. كما حضر وفود عديدة من مختلف جهات البلاد الجزائرية وغيرها، كلهم يشيعون جنازة الشيخ عبد الحميد ابن باديس. ودفن في مقبرة هي مقبرة آل باديس الخاصة في مدينة قسنطينة. وقد رثاه الشعراء، وهكذا تكلم العلماء في وفاة هذا العلم. ومن ذلك ما ذكره شاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة، رثى بأبيات الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله تعالى، فقال في رثائه: «يا قبر طبت وطاب فيك عبير *** هل أنت بالضيف العزيز خبير هذا ابن باديس الإمام المرتضى *** الحميد إلى حماك يصير العالم الفذ الذي لعلومه *** صيرت بأطراف البلاد كبير بعث الجزائر بعد طول سباتها *** فالشعب فيها بالحياة يصير». وهكذا غيره من الشعراء رثوا هذا العلم الكبير، عالم الجزائر الشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولعلمائنا أجمعين. وأسأل المولى تبارك وتعالى أن يجمعنا بعلمائنا في أعلى الجنة، في فردوسه الأعلى، إخواناً على سرر متقابلين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.