الدرس في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ العثيمين 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح أن الصلاة المؤداة بخشوع وإتمام أركان تربط العبد بربه وتنير قلبه، فيقوى إيمانه ويمنعه من الفحشاء والمنكر، وصلاح العبد مرهون بصلاح صلاته.
تبين عظمة الصلاة عند الخاشعين الموقنين بلقاء الله، وأن هذا اليقين يدفع لاجتناب المعاصي، والسنة تؤكد أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر حتى مع التقصير الأولي.
توضح أن الصلاة الصادقة والخشوع ينهيان عن الفحشاء والمنكر، وأن قوة الإيمان وتزيينه في القلب توجب محبة الطاعات وكراهية المعاصي والكفر، بخلاف من يضيع حق الله.
يختتم المؤلف الفائدة مؤكداً أن ما ذُكر خلاصة للموضوع، معلناً الاكتفاء بهذا القدر من البيان ومفوضاً العلم الكامل لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ومن فوائد الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا صلاها الإنسان على الوجه الذي أمر به. قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾، وذلك لما يحصل للقلب بالصلاة من إنابة إلى الله، وحضور بين يديه، وقوة في الإيمان، واستنارة في القلب، وصلاح في الأحوال، فلا يزال طعم ذلك في قلبه، وكلما هم بمنكر أو فحشاء تذكر تلك الصلة بينه وبين ربه فابتعد عن ذلك. فهذا السر الموجود في هذه الصلاة؛ فإن الصلاة إذا صلحت صلح سائر العمل، والصلاة إذا صلحت صلح العبد، فصلاح العبد وفساده بصلاح الصلاة وفسادها. فإن كان يتهاون في الصلاة ويفرط فيها فإنه فاسد، وأيضًا كذلك سيكون في حياته فاسدًا، بعيد عن الأعمال الصالحة، وبعيد كذلك عن الخير. فالصلاة، فالصلاة هي الرابط العظيم بين العبد وربه، ولهذا فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر إذا صلاها العبد كما أراد الله سبحانه وتعالى، فأتم ركوعها وسجودها، وأيضًا دخلها بتعظيم وإجلال، بتعظيم لله جل وعلا وإجلال له. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾، عن هذه الصلاة معظمة عند أهل الخشوع وأهل الخضوع لله جل وعلا. من هؤلاء؟ قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾. "يظنون" هنا أي يوقنون، الذين عندهم يقين أنهم سيلاقون ربهم، هؤلاء هم الذين يعظمون الصلاة. فما دام أنهم يعظمون هذه الصلاة ويعظمون تأديتها، فلا شك أنهم سيعظمون الله في غيره. ولهذا قال: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾، أي يوقنون أنهم سيلاقون الله، والذي يوقن أنه سيلاق الله عز وجل لا شك أنه سيبتعد عن ما يغضب الله جل وعلا، وهو يعلم أنه سيلاق ربه جل وعلا. فالمفرط في الصلاة كيف يحب أن يلاق الله؟ وكيف سيلاق الله وهو مفرط في أعظم صلة بينه وبين ربه جل وعلا؟ فلذلك فالصلاة عظيمة، فهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. ولهذا جاء عند أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن رجلًا - أو إن شابًا - يقوم الليل ويصلي الصلوات الخمس، إلا أنه إذا أصبح سرق، يسرق». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما إنه ستنهاه صلاته، أما إنه ستنهاه صلاته». أي: هذه الصلاة ستنهاه، مادام أنه يصلي ويصلي الليل فستنهاه هذه الصلاة. لكن بعض الناس يكون فيه طبع، طبع وهو صغير على هذا، بعضهم يطبع وهو صغير على السرقة، عود نفسه أن يأخذ من هذا ويأخذ من هذا، فإذا كبر تجد أن هذا الخلق لا زال معه. بعض الناس مثلاً عود نفسه على الغضب الشديد، عود نفسه على كذا وكذا من الأشياء في الدنيا، فتجده يعتاد حتى إذا كبر. لكن من أراد الله وأراد الدار الآخرة فإنه يحاول أن يبعد كل ما يغضب الله عز وجل عليه، وكل ما يسخط الله سبحانه وتعالى عليه، يبتعد عنه. فلذلك أهل الصلاة، الذين هم أهلها، يعني الذين يحافظون عليها، والذين يعظمونها ويخشون الله عز وجل فيها، فهؤلاء تنهاهم هذه الصلاة عن الفحشاء والمنكر، أن يبتعد عن المعاصي وعن الذنوب، وتجده أكثر ما يكون في الطاعات لأنها حببت إليه، وزين الإيمان في قلبه، وحبب إليه الإيمان، فلذلك تحبب إليه الطاعات. فإذا حببت إليه الطاعات فإن المعاصي تبغض إليه، ويكره المعاصي، و﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾. فإذا قوي الإيمان وزين في قلب العبد وحبب إليه، فإنه يكره أن يقع في الكفر ويقع في المعاصي والفسوق. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه الفائدة، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.