الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تشرع الفرائض لتزكية النفوس وتهذيبها، ويعد رمضان فرصة عظيمة للمجاهدة في اكتساب الأخلاق الفاضلة والتخلي عن الرذائل. يركز الدرس على ذم خلق البخل وتعريفاته ووعيد الشارع لمن اتصف به ومنع حقوق الله وحقوق العباد.
يستعرض المقطع أحاديث وآيات تبين عذاب من يكنز المال ولا يؤدي حق الله فيه، مع توضيح أن قصة ثعلب بن حاطب المنسوبة لنزول آيات البخل في المنافقين قصة ضعيفة مكذوبة. ويؤكد أن البخل جحود لنعمة الله وقد يتطور إلى الشح، بينما التوبة مقبولة لمن أدى زكاة ماله بعد امتناع.
يستعرض المقطع خطورة البخل والشح مستدلاً بأحاديث نبوية تبين أنهما سبب لقطع الأرحام وسفك الدماء واستحلال المحارم، كما يمنعان المسلم من أداء الفرائض كالحج والعمرة والإنفاق على الأهل. ويؤكد أن البخل لا يجتمع مع الإيمان في قلب عبد، وهو من المهلكات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، داعياً إلى التخلق بالجود والتخلي عن هذا الخلق الذميم.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع الشكر للحضور على حسن الاستماع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فمن المعلوم أن الله جل وعلا افترض علينا هذه الفرائض لحكم عظيمة ولأغراض سامية. ففرض الله عز وجل الصلاة لنهينا عن فعل الفحشاء والمنكر، كما قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾. وهكذا افترض علينا الزكاة، قال جل وعلا: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا ﴾. فالزكاة لتطهير النفوس وتهذيبها وتزكيتها. وهكذا قال جل وعلا في الصيام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، لأجل حصول التقوى من هذا الصيام. وقال جل وعلا في الحج: ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ﴾. فهكذا إذا نظرنا في هذه الفرائض التي افترضها ربنا عز وجل علينا نجد أن العلة وأن الغاية من هذه الفرائض تزكية النفوس وتهذيب النفوس. وفي هذا أيضا يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالصيام، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». ونحن في هذا الشهر الفضيل الذي هو مدرسة عظيمة لاكتساب الأخلاق الفاضلة والتخلي عن الأخلاق السيئة الرذيلة، فالإنسان معه فرصة وعنده أعظم عون جعله الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر، فالشياطين مصفدة والنفوس منقادة، وهذا أمر عظيم وإعانة عظيمة من الله سبحانه وتعالى للعبد. فلذلك لا بد من المجاهدة، قال عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فالعبد لا بد عليه من أن يجاهد نفسه في هذا الشهر، ينظر في أخلاقه وفي كذلك صفاته، هل هي من الصفات التي يندبها الشرع أو هي من الصفات التي ذمها، فيجاهد نفسه على اكتساب الأخلاق الفاضلة ويجاهد نفسه على التخلي عن الأخلاق السيئة الرذيلة. من الصفات المذمومة التي ينبغي للعبد أن يتخلى عنها صفة البخل. البخل صفة ذميمة ذمها شرعنا العظيم. فلذلك على الإنسان أن يجاهد نفسه على القضاء على هذه الصفة وهذا الخلق الذميم. نبينا عليه الصلاة والسلام، كما ثبت في حديث عبد الله بن عباس في البخاري، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ». فكان عليه الصلاة والسلام أجود الناس، وربنا عز وجل كذلك جواد يحب الجود جل وعلا، فمن صفاته جل وعلا الجود كما ثبت في بعض الأحاديث صححها العلامة الألباني رحمه الله تعالى. فلذلك كما سمعتم، البخل صفة ذميمة ذمها شرعنا العظيم وذمها الناس، حتى أن الناس ذموا ماذا؟ البخل. ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال أكثر الشعراء يمدحون ممدوحيهم بالشجاعة والكرم، أكثر الشعراء يمدحون ممدوحيهم بالشجاعة والكرم، وذلك لأن البخل والجبن من الصفات الذميمة. والبخل عُرف بتعريفات: ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن البخل هو منع ما يُطلب، منع ما يُطلب مما يُقتنى، وشره أن يكون طالبه مستحقا، ولا سيما إن كان من غير مالي المسؤول. وذكر القرطبي رحمه الله تعالى أن البخل هو امتناع المرء عما أوجب الله تعالى عليه. وذكر المناوي في تعريف البخل أنه منع ما يُطلب وحبسه فيما لا يجوز حبسه عنه. فخلاصة هذه التعريفات أن البخل هو الامتناع، أن يمتنع المرء عن ما أوجب الله عز وجل عليه لنفسه. فربما يمنع نفسه حظها من الطعام، أو حظها من الشراب، أو حظها من اللباس، والسبب البخل. لا يتغدى بسبب بخله جيدا، يمنع نفسه هذا بخل، بسبب بخله. أو من اللباس لا يلبس لباسا طيبا لبخله. وهكذا كذلك لا يشرب الشراب بسبب ماذا؟ بسبب بخله، مع حاجة نفسه إلى ذلك الشراب الذي هو شراب مباح أحله الله سبحانه وتعالى، ولكن بسبب بخله يمنع نفسه أمورا واجبة عليه تجاه نفسه، أو قد يكون تجاه أهله، أو تجاه كذلك أولاده. فكل ذلك من البخل والعياذ بالله. ولذلك جاءت النصوص في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ذامة لهذا الخلق الذميم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾. في هذه الآية يذم الله جل وعلا الذين بخلوا، الذين بخلوا والعياذ بالله، أدى بهم البخل إلى الامتناع عن أداء زكاة أموالهم، جمعوا الأموال فوجبت فيها الزكاة، ولكن بسبب البخل والعياذ بالله لم يؤدوا زكاة هذه الأموال. فما هو الوعيد؟ الوعيد ذكره الله عز وجل في قوله: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. هذه الأموال التي كنزوها فإنهم يعذبون بها يوم القيامة. قد جاء في الأحاديث في الصحيح وغيرها عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ لَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ إِلَّا طُوِّقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَنْزُهُ يُعَذَّبُهُ، فَأَخَذَهُ بِالشِّدْقَيْنِ». وجاء في بعض الأحاديث أنه يجري وراءه الكنز، يجري وراء صاحبه الذي اكتنزه ولم يؤد حق الله جل وعلا فيه، وهو يفر منه، هو يفر وهو يلاحقه والعياذ بالله. بل جاء في بعض الأحاديث أن هذا الكنز يقتضمه، يأكل يده ويأكل رجله، يعني يقطعه أوصالا والعياذ بالله. وجاء في بعض الأحاديث كذلك في الصحيح أنه يمثل له الشجاع الأقرع في قبره يعذب بهذا الكنز، يقول له: أنا مالك، أنا كنزك. وفي كتاب الله سبحانه وتعالى ما جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ تُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾. هذه الآية في المنافقين، ذكر بعض المفسرين أن سبب نزولها في ثعلب بن حاطب الأنصاري، وذلك لم يثبت ولم يصح سبب نزول هذه الآية في ثعلب بن حاطب الأنصاري، يذكرها كثير من الوعاظ مقتفين أثرها. وثعلب بن حاطب الأنصاري صحابي رضي الله تعالى عنه أرضاه، ولم يحصل منه ذلك. القصة فيها أن ثعلب بن حاطب الأنصاري سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يرزقه الله جل وعلا مالا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: «خَيْرٌ لَكَ مَا عِنْدَكَ، نَعَمْ قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ». فسأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يرزقه مالا وسيؤدي حق الله جل وعلا فيه، فرزقه الله جل وعلا مالا، كان عنده غنم ينمو كما جاء في هذه القصة مثل الدود، يعني من سرعة نمو هذا الغنم إلى آخر ذلك، وأنه طلب منه النبي عليه الصلاة والسلام الزكاة فامتنع، ثم جاء بعد ذلك لما نزلت فيه هذه الآيات، يعني كما في القصة أن هذه نزلت فيه الآيات، فأتاه إليه وقال له: إن آيات قد نزلت فيك، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأراد أن يؤدي زكاة ماله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ مَنَعَنِي أَنْ آخُذَ مِنْكَ زَكَاةَ مَالِكَ». فرجع حتى توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء إلى أبي بكر، وقال له: يا أبا بكر، كذلك لا أقبل منك شيئا لم يقبله رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وجاء إلى عمر، وامتنع عمر من قبول زكاة ماله حتى توفي عمر، جاء عثمان وجاء إلى عثمان، وامتنع عثمان عن أخذ زكاة ماله حتى توفي في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه. هذه القصة لم تثبت، فهي ضعيفة وباطلة ومكذوبة، وتخالف نصوص الكتاب والسنة. فالله سبحانه وتعالى فتح باب التوبة، من تاب تاب الله جل وعلا عليه، الذي يمتنع عن زكاة ماله ثم يأتي ويدفع زكاة ماله هذا تائب لله عز وجل، وآيات كثيرة في كتاب الله والأحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام في قبول توبة المذنب. فهذه القصة لم تثبت، وإنما هي في المنافقين، المنافقون هم طلبوا ذلك ثم بعد ذلك وعدوا ثم بعد ذلك أخلفوا ما وعدوا الله عز وجل، ولذلك عقبهم نفاقا في قلوبهم. هؤلاء المنافقون عقبهم الله جل وعلا بأن عقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما بخلوا، بسبب بخلهم والعياذ بالله. فهذه الآية فيها ذم البخل، وأن البخل من صفات المنافقين والعياذ بالله. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ﴾، يعني الذي يبخل هو الذي يضر نفسه، هو الذي يضر نفسه. وفي الآية الأخرى: ﴿ وَمَن يَبْخَلْ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. فالبخل يضر صاحبه، هو الذي يتضرر بسبب بخله والعياذ بالله. البخل جحود لنعمة الله سبحانه وتعالى، جحود لنعمة الله سبحانه وتعالى، لأن الواجب على العبد أن يظهر نعمة الله جل وعلا عليه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ». فهذا البخيل لا يظهر نعمة الله جل وعلا عليه، لا ترى أثر النعمة عليه في ملبسه، ولا ترى أثر النعمة عليه في غدائه، ولا ترى أثر النعمة عليه في كذلك مسكنه، ولا كذلك في مركبه، ولا في أموره، لماذا؟ بسبب بخله والعياذ بالله. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى رجلا سأله: «مَاذَا أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنَ الْإِبِلِ؟» قال: كذا. «مَاذَا أَعْطَاكَ مِنَ الْبَقَرِ؟» قال: كذا. «مَاذَا أَعْطَاكَ مِنَ الْغَنَمِ؟» قال: كذا. فرآه على حالة ليست فيها إظهار لهذه النعم العظيمة التي أنعم الله جل وعلا بها عليه، فأمره أن يظهر أثر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. فالبخل جحود لنعمة الله سبحانه وتعالى، والبخل كذلك والعياذ بالله ربما يتطور، ربما يتطور فيصل إلى أعلى درجاته والعياذ بالله، يصل إلى الشح الذي هو البخل مع الحرص الشديد، كما ذكر القرطبي رحمه الله تعالى. إنسان يكون بخيلا ثم يستمر على ذلك ولا يجاهد نفسه، يصل إلى الشح الذي هو ربما يحمل الإنسان على فعل أمور عظيمة، أعظم من الأمور التي هي بسبب البخل. فالشح ربما يجعل الإنسان يقطع أرحامه ولا يبالي بسبب الشح، الشح يكون سببا لسفك الدماء واستحلال الأعراض، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الشُّحُّ، حَمَلَهُمْ عَلَى سَفْكِ دِمَائِهِمْ وَاسْتِحْلَالِ مَحَارِمِهِمْ». وجاء في بعض الألفاظ: «وَقَطْعِ أَرْحَامِهِمْ». فالبخيل هذا الذي يعني عظم عنده البخل، البخل ربما يجد يصل إلى حال يقطع فيه أرحامه بسبب بخله، لماذا لا يعطيهم شيئا من ماله؟ لا يصلهم لأنه ربما يقول: إذا وصلتهم فهم ربما يحتاجون إلى شيء، إلى هدية، إلى شيء من المال، فيمتنع من صلة أرحامه بسبب بخله لكي لا يعطيهم شيئا. وهكذا العياذ بالله ربما يسفك الدم لأجل البخل، وربما يجبن ويقع في الجبن ويقع كذلك في الحزن. ولذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة عند بعض السنن، صححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، من حديث يعلى بن منبه الثقفي رضي الله تعالى عنه، أن الحسن والحسين جاءا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يستبيقان، فضمهما النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْوَلَدَ مُجَبِّنَةٌ مُبْخِلَةٌ مُحْزِنَةٌ». فهذا الحديث فيه ذم كذلك للبخل. كذلك البخيل ربما يترك الفرائض بسبب بخله، يترك فرائض الله جل وعلا. كم من الناس من ربما قد وجب في حقهم الحج، وجب في حقهم الحج، عندهم الصحة في البدن، وعندهم المال، عندهم المال، وعندهم الصحة، فوجب في حقهم هذا الفرض، ومع هذا لا يحجون، لا يذهبون إلى الحج، لماذا؟ بسبب البخل، بسبب البخل، يقول: إذا ذهبت إلى الحج كم يحتاج؟ إلى مليون، إلى مليونين. أو منهم من لا يذهب إلى العمرة وهي في حقه واجبة، ممن كانت في حقه واجبة، الذي لم يعتمر أبدا، فالعمرة في حقه واجبة على الصحيح من أقوال العلماء، ومع هذا عنده مال ولكن لا يذهب إلى العمرة، لماذا؟ يخاف على ماله من القلة، يقول: يقل مالي، فبسبب البخل لا يذهب إلى الحج ويأتي بهذه الفريضة، ولا يذهب إلى العمرة، ويستجيب لداعي الشيطان الذي قال الله عز وجل عنه في كتابه الكريم: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾. كم من الناس من قد وجب في حقهم الحج أو العمرة، ومع هذا ماذا؟ لا يذهبون إلى حج ولا يذهبون إلى عمرة بسبب البخل والعياذ بالله. كم من الناس من قصر في نفقة أهله، في حق أولاده، أولاد يحتاجون إلى اللباس، أولاد يحتاجون إلى الطعام، يحتاجون إلى المسكن، يحتاجون إلى الكتب الدراسية التي يتعلمون فيها، يحتاجون إلى كذا وكذا وكذا، لكن بسبب بخله لا يؤدي هذه النفقة، لا على زوجته، ولا على أولاده، ولا على أهله، بسبب ماذا؟ بسبب البخل والعياذ بالله. فوسوسة ظن بالله عز وجل، كذلك هذا البخل، وهو كذلك من المهلكات والعياذ بالله. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عند بعض السنن، صححه العلامة الألباني رحمه الله: قال عليه الصلاة والسلام: «ثَلَاثٌ مُنَجِّيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ. فَأَمَّا الْمُنَجِّيَاتُ: فَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ. وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ». بكر النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث خصال منجيات، سبب للنجاح في الدنيا والآخرة، وثلاث خصال مهلكات، سببا للهلاك في الدنيا والآخرة، ومن هذه الخصال الشح والعياذ بالله. فتبين أن البخل والشح من أسباب الهلاك، وهو ليس من صفات أهل الإيمان، البخل ليس من خلال أهل الإيمان، وليس من صفات أهل الإيمان، ولا يجتمع مع الإيمان. كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه، صححه العلامة الألباني رحمه الله، وهو في صحيح الجامع وفي الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَالشُّحُّ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَالشُّحُّ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا». فهذا الحديث يدلنا على أن من عظيم صفات أهل الإيمان عدم البخل، بل الجود، بل أن البخل والشح والإيمان لا يجتمعان، يعني أن المؤمن ليس بكامل الإيمان بسبب البخل وبسبب كذلك الشح. وجاءت أحاديث كثيرة في ذم البخل، منها قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ قَدَرًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». هذا الحديث كذلك فيه ذم للبخل. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أبخل الناس، قال: «ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ». ذلك الذي ذكرت عنده فلم يصلي علي، صححه العلامة الألباني رحمه الله. وجاء في بعض الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أَعْجَزُ النَّاسِ أَعْجَزُهُمْ عَنِ الدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ أَبْخَلُهُمْ بِالسَّلَامِ». أعجزوا الناس أعجزهم عن الدعاء، وأعجزوا الناس أعجزهم عن الدعاء، وأبخلوا الناس أبخلهم بالسلام، وأبخلوا الناس أبخلهم بالسلام. والخلاصة والحاصل أن الإنسان يتخلى عن هذا الخلق الذميم، البخل والشح والعياذ بالله، فهو في شهر الجود الذي هو من أعظم أسباب الإعانة على تحصيل مكارم الأخلاق والأخلاق الفاضلة والتخلي عن الأخلاق السيئة الرذيلة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا أخلاقا حسنة وأخلاقا فاضلة، وأن يجعلنا من جاهد نفسه على ترك الأخلاق السيئة، إنه لي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا.