رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 2

الدرس في رمضان مدرسة للتخلي عن الأخلاق السيئة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الإسراف والتبذير وذمهما القرآني

يشرح هذا المحور مفهوم الإسراف كتجاوز الحد في الكمية، والتبذير كوضع المال في غير موضعه المشروع، مستدلاً بآيات قرآنية صريحة تنهى عن كليهما. ويبين أن المسرفين والمبذرين وصفوا في القرآن بأنهم إخوان الشياطين، في مقابل هدي المؤمنين بالوسطية في الإنفاق.

الوسطية في الإنفاق والأحاديث النبوية في الاعتدال

يركز المحور على مبدأ الوسطية في الإنفاق محذراً من طرفي الإفراط والتفريط، مستنداً إلى أحاديث نبوية صحيحة تأمر بالاعتدال في المأكل والملبس والصدقة. ويشير إلى دعاء النبي ﷺ والمؤمنين بطلب المغفرة لما قد يقع من إسراف غير متعمد إقراراً بضعف البشرية.

التحذير من الإسراف في المباحات والفرق بين التبذير والجود

يحذر النص من الإسراف في المأكل والمشرب والملبس والنوم مستدلاً بأحاديث وآثار السلف كقصة ابن عمر، مؤكداً أن القصد مطلوب في الغنى والفقر. ويفرق بين التبذير المذموم والجود المحمود في مواضعه الشرعية، مبيناً أن مجاوزة الحد تضر الدين والدنيا خاصة في رمضان.

الخاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء إلى الله أن يوفق الحاضرين للخير العظيم والطريق المستقيم، ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه. ويختتم الجلسة بالحمد لله رب العالمين خاتمةً للمجلس العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فكان الكلام في الدرس الماضي حول خلق ذميم، ألا وهو البخل، ونتحدث في هذا المجلس -إن شاء الله تعالى- عن خلق ذميم آخر يقابل هذا الخلق، ألا وهو خلق الإسراف والتبذير. فالإسراف والتبذير من الأخلاق الرديئة التي ينبغي للمسلم أن يتخلى ويتحرر عنها. الإسراف هو مجاوزة الحد في الأفعال، وإن كان الغالب يستعمل الإسراف في مجاوزة الحد في الإنفاق، وإلا فهو شامل لكل مجاوزة في الحد، سواء كانت في الأقوال أو في الأفعال أو في الإنفاق. من ذلك الإسراف في الذنوب والمعاصي، ومن ذلك الإسراف في القتل، وغير ذلك من أنواع الإسراف، ومنه الإسراف في الإنفاق. فهذا هو الإسراف، والتبذير كذلك هو وضع المال في غير موضعه. الفرق بين الإسراف والتبذير: أن الإسراف هو المجاوزة في الكمية، والتبذير هو المجاوزة في الموضع، يعني يوضع المال في غير موضعه، ولو كان قليلاً. كما قال مجاهد رحمه الله تعالى: «لو أنفقت مالك كله في موضعه لما كان تبذيراً، ولو أنفقت مداً في غير موضعه لكان تبذيراً». فعُرِف التبذير بأنه الإنفاق في غير موضعه، والإسراف الإنفاق في الكمية، أي الكثرة، سواء كان في موضعه أو في غير موضعه، إذا كان مخالفاً لشرع الله جل وعلا. والإسراف والتبذير جاء النهي عنهما في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَآتُوا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. فالمبذرون والمسرفون هم إخوان الشياطين، هكذا أخبر ربنا عز وجل عنهم في كتابه الكريم. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فالله جل وعلا لا يحب المسرفين ولا يحب المبذرين. وقال جل وعلا أيضاً في كتابه الكريم: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾. في هذه الآية النهي عن البخل والنهي عن الإسراف. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى أيضاً في كتابه الكريم: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ينهى ربنا عز وجل في هذه الآية عن الإسراف في أكل أموال اليتامى. وهكذا التبذير، وهكذا آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل فيها النهي عن الإسراف وعن التبذير. وما يدل على ذم هذا الخلق أن هذا الخلق، وهو الإسراف والتبذير، إنما هو من صفات الكافرين، من صفات الكافرين، ليس من صفات أهل الإيمان. فالله جل وعلا هو القائل عن فرعون الذي هو أعظم طاغية: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى عن أهل الكتاب الذين غضب الله عليهم ولعنهم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾، ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. وقال جل وعلا عن أعداء الرسل: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾، ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾. وقال جل وعلا كذلك: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾. فتبين بهذا أن الإسراف والتبذير إنما هو من صفات الكافرين وأعداء رب العالمين جل وعلا. أما أهل الإيمان فمن صفاتهم أنهم لا يبخلون ولا يسرفون، لا بخل ولا إسراف، كما وصفهم ربنا عز وجل في آيات سورة الفرقان في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: «وإذا أنفقوا لم يسرفوا، لم يكونوا مبذرين في أموالهم، ولم يسرفوا، ولم يقتروا، أي يبخلوا، فلا يعطون أهلهم حقهم، ولا يقومون بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليهم في ذلك»، أو كما قال رحمه الله تعالى: «وإنما بين هذا وهذا، لا هذا ولا هذا، أي لا بخل ولا إسراف ولا تبذير». هذا هو خلق المؤمن الذي ينبغي أن يكون عليه، لا يكون بخيلاً ولا يكون مسرفاً مبذراً. وهذا قليل من يوفق إليه، قليل من يوفق إليه، وإلا فعامة الناس إما بين بخل وإما بين إسراف وتبذير. إذا لم تجده بخيلاً وجدته مسرفاً مبذراً. لكن القليل الذين وفقوا لهذا العدل ولهذا الحق الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. وهكذا كذلك الأحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في ذم الإسراف والتبذير. جاء من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما عند النسائي وأبي داود وغيرهما، وصححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كلوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة». كلوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة. الإنسان يأكل ويلبس ويتصدق ويشرب، لكن في غير إسراف، لا يسرف، ولا كذلك يتكبر ويختال، والعياذ بالله، ويدخله العجب في ذلك. وهكذا ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أيضاً، كذلك عند النسائي للسنن، صححه العلامة الألباني رحمه الله، أن رجلاً جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، أنا رجل فقير لا مال لي، ولي يتيم، ولي يتيم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: «كل من مال يتيمك، كل من مال يتيمك، غير مسرف، غير مسرف، ولا مبذر، ولا متأثل» يعني جامع للمال. فنهاه النبي عليه الصلاة والسلام أن يسرف، أن يأكل بالمعروف، لكن لا يجمع ذلك المال، ولا يسرف أيضاً في ذلك المال. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ما وقع منه من إسراف، مع أنه عليه الصلاة والسلام أعظم العادلين، صلى الله عليه وآله وسلم، إلا أنه مع ذلك يدعو الله سبحانه وتعالى أو يسأله المغفرة عما وقع منه من إسراف. ثبت ذلك في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وارضاه، عند الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه. قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في آخر تشهده، في آخر تشهده، يعني قبل أن يسلم، يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في هذا الدعاء الذي يقوله في آخر تشهده قبل أن يسلم. فعلم بذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام، وأن أهل الإيمان كذلك، هم الذين يدعون الله عز وجل أن يتجاوز عنهم ما وقع منهم من إسراف، كما قال الله عز وجل أيضاً في كتابه الكريم في دعاء أهل الإيمان: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. هذا هو دعاء الأنبياء، وهذا هو دعاء أهل الإيمان، يدعون الله عز وجل أن يتجاوز عنهم ما وقع منهم من إسراف، مع أنهم من أهل الاجتهاد العظيم في الابتعاد عن الإسراف والتبذير، إلا لأن البشر غير معصوم، البشر غير معصومين، تقع منهم الزلات، ومن ذلك ربما يسرف، يقع منهم الإسراف في القول مثلاً، أو في الفعل، أو في الأكل، أو في الشرب. فالإنسان إذا كان مع هذا الدعاء، ومع التوبة، ومع الصدق، فإن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عنه ما وقع منه من ذلك. وهكذا كذلك ما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام من ذم الإسراف والنهي عنه، ما جاء في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». كثرة السؤال وإضاعة المال. إضاعة المال من الإسراف، وكثرة السؤال في غير محله من الإسراف أيضاً في هذا الباب. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك. وهكذا جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وارضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً. يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويكره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». وهكذا أيضاً ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذم الإسراف والتبذير، ما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، عند أحمد رحمه الله تعالى في المسند، وهكذا البيهقي رحمه الله، صححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى عليه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما بعث معاذاً إلى اليمن، لما بعثه إلى اليمن، قال له: «يا معاذ، إياك والتنعم، إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين». وشرح هذا الحديث ومعنى هذا الحديث: أنك لا تكثر في التنعم، فهذا يصل إلى الإسراف. إنسان إذا صار شغله الشاغل وهمه الذي يشغله ملابسه وأكله وشربه، يبحث عن التنعم في الملبس، التنعم في كذا، وفي كذا، وفي كذا، فهذا لا بد أن يقع في حد الإسراف. وإن الإنسان عليه بالقصد، عليه بالقصد في الفقر والغنى، فلا خير -والله- من القصد. فالإنسان ربما يعني يبدأ شيئاً فشيئاً فيقع في حد الإسراف بسبب ماذا؟ قصد التنعم والحرص عليه، والعياذ بالله. فالنبي عليه الصلاة والسلام يوصي معاذاً بهذه الوصية العظيمة: إياك والتنعم، فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. ثبت كذلك في ذم الإسراف والتبذير ما جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في البخاري. عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا أكل لا يأكل حتى يؤتى له بمسكين يأكل معه، كان لا يأكل حتى يؤتى له بمسكين يأكل معه. فدخل عليه رجل ذات يوم يأكل مع عبد الله بن عمر، فأكل كثيراً وأسرف في الأكل. فقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما لنافع: «يا نافع، لا تدخل هذا علي، لا تدخل هذا علي، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الكافر يأكل من سبعة أمعاء، الكافر يأكل من سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل من معاء واحد، والمؤمن يأكل من معاء واحد». ذمّ عبد الله بن عمر هذا الرجل لماذا؟ لأنه وجده يسرف في الأكل، فلذلك قال لنافع: لا تدخل هذا علي. فلذلك، عباد الله، علينا أن نترك الإسراف والتبذير، سواء كان في الأقوال أو في الأفعال أو كذلك في الإنفاق، إلا في موضعه، إلا في موضعه، فهذا ليس من التبذير في شيء. قال الشافعي رحمه الله تعالى: «إنفاق المال في وجه الخير ليس تبذيراً». إنفاق المال في وجه الخير ليس تبذيراً. وقصده رحمه الله أن الإنسان إذا أنفق ماله في الخير فهذا ليس تبذيراً. هذا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه جاء بماله كله إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا عمر رضي الله تعالى عنه جاء بنصف ماله، سابقاً أبا بكر رضي الله تعالى عنه. لكن هذا المال في موضعه، وهم في صحة، وهم في نشاط، يستطيعون أن يعملوا وأن يكتسبوا، حتى لا يشكل علينا ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففوا الناس». كان ذلك في مرض موته، كان ذلك في مرض يخاف معه الموت. فالإنسان إذا شعر من نفسه قرب الأجل، فهذا الأفضل له أن يبقي لورثته. لكن إذا كان صحيحاً ويعمل، الحمد لله، لا يفرط في أمور الخير، فيسارع ويتنافس بنفس ترجو الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان حال السلف الصالح من الصحابة والتابعين. وهكذا جاءت الآثار عن عطاء بن أبي رباح رضي الله تعالى عنه، وعن جماعة من السلف، أن ما كان في وجه الخير فإنه ليس من التبذير في شيء. ويخلط الناس بين أمرين: بين الجود والتبذير. بين الجود والتبذير. الجود غير التبذير. التبذير هو بعثرة الأموال في موضعها أو في غير موضعها، ولا توجد هناك النية الصالحة التي معها رجاء تحصيل الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى. بخلاف الجود، فإن الجود وضع المال في موضعه، والتحري في ذلك، تحري في وضع المال في موضعه للمستحقين، وللأمور التي يحتاج الناس إليها، ولا تخالف شرع الله جل وعلا، وهناك أيضاً احتساب للثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى. فهذا جود، وهذا تبذير. فخلاص الأمر أن كثيراً من الناس ربما في رمضان، وهذا لعله يناسب الحديث عن هذا الموضوع، أن من الناس من يسرف في الأكل أو الشرب في رمضان، ورمضان إنما الغرض منه التقوى، والتقوى لا تتحصل إلا بأن يزهد الإنسان شيئاً في طعامه وشرابه، ولا يسرف في هذه الأمور، لا في ما أكله، ولا في مشربه، ولا في نومه كذلك. فكل زيادة في الحد مضرة، كما قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه، كما في بدائع الفوائد: «مجاوزة الحد ضررها على الدين والدنيا». مجاوزة الحد ضررها على الدين والدنيا. فلا بد أن يخطر الإنسان: إذا جاوز الحد، الضرر على البدن، قال: لأن المجاوزة في الحد في الأكل أو في غير ذلك توجب له المرض والضعف والوهن. وهكذا هذا مضطرد، قال: في جميع الأفعال. فكل من أسرف في أمور وجاوز الحد فيه، فلا بد أن يتضرر، فلا بد أن يتضرر بقدر هذه المجاوزة التي تجاوز الحد فيها في هذا الأمر، أكلاً كان أو شرباً، أو لبساً، أو نوماً، أو كلاما، أو خلوة، أو غير ذلك من هذه الأمور. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن وفقهم جل وعلا للخير العظيم، وللطريق القويم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.