الدرس في التعليق على شرح معنى الطاغوت 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ الفوزان معنى الطاغوت في الحكم بغير ما أنزل الله، ويرد على من يبرر ذلك بمساير العصر والحضارة. ويبين أن العلمانية والديمقراطية نزعتان غربيتان تجعلان المرجع للبشر لا للوحي، وأن أهل السنة حكموا عليهما بالكفر والطاغوتية منذ القديم.
يوضح المقطع أن الحكم بغير ما أنزل الله يُعد من رؤوس الطواغيت، وأن أول ما فرض الله على العباد هو الكفر بالطاغوت والإيمان به. ويبين أن الكفر بالطاغوت يُعتبر شرطاً ثامناً لشهادة التوحيد، فمن لم يكفر بالطاغوت بطلت عبادته وإن أكثر من الطاعات.
يوضح المقطع أن الكفر بالطاغوت لا يقتصر على ترك عبادته بل يتطلب اعتقاد بطلان عبادة غير الله، وتركها، وبغضها، وتكفير أهلها ومعاداتهم بضوابط شرعية. ويبين أن هذا هو معنى "لا إله إلا الله" نفياً وإثباتاً، محذراً من أن المجالس البرلمانية من الطاغوت.
يخلص المتحدث إلى أن من حقق الشروط المذكورة يكون كافراً بالطاغوت حقاً وصدقاً. ويعلن تأجيل شرح كلام الشارح إلى درس قادم، مختتماً بالبسملة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال الشيخ الفوزان حفظه الله تعالى في شرحه لمقدمة هذه الرسالة في معنى الطاغوت، وهو يتكلم على الحكم بغير ما أنزل الله، ووقوع كثير من الناس في ذلك بحجة مسايرة العصر، وكذلك مسايرة الحضارة الحديثة، وإلى غير ذلك. قال حفظه الله: «ما دام أنه يقول: الحكم بما أنزل الله لا يناسب هذا الوقت، يتعارض مع الحضارة الحديثة، ومع سياسة الدول، فعلينا أن نسايرهم في هذه الأمور، والشرع إنما يكون في المساجد، وأما الحكم بين الناس والحكم السياسي فهذا لا بد فيه من مسايرة الدول، ولا ينفرد عنها». وهذا لو كان يصلي ويصوم ويحج، ويقول: لا إله إلا الله عدد الأنفاس، فهو كافر؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت. والله قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، يعني في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾، فقدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله. قال: لأن الإيمان بالله لا يصح إلا بعد الكفر بالطاغوت. وقول بعض أولئك هذا القول هو من التأثر بما عليه الكفار، وبما عليه دول الغرب، فنشأ في بلاد الإسلام مجموعة ممن ينتسب إلى الإسلام، وقد حملوا زبالات وأفكار الغرب. وهذا قولهم: الحكم بين الناس والحكم السياسي هذا يكون فيه مسايرة الدول، وأن الشرع إنما يكون في المساجد. هذا ما يسمى بالعلمانية، والعلمانية هذه جاءت من أوروبا، من دول الغرب. ومعنى العلمانية كما ترجمت بكلمتين من اللغة الإنجليزية بمعنى: الدنيوي، والواقع، والعالمي. فالعلمانية هي نزعة فلسفية وفكرية وسياسية واجتماعية أتت من الغرب، فترى أن العالم مكتفٍ بذاته، وأن العالم يدبره أو تدبره الأسباب الذاتية الموجودة في هذا الكون، وأن العالم كذلك يسيره الواقع والدنيا، فهي المرجع والتدبير، وليس هناك مدبر خارجي يدبر هذا الكون، وكذلك يسائس هذا الكون وهذا العالم، بل الذي يدبر أو يسائس هذا الكون هو الإنسان نفسه، هو الإنسان نفسه. ومعنى ذلك: ألا يحكم واقع الإنسان شرع ودين، لأن شرع ودين سيأتي من أمر خارجي عما يعيشه الإنسان. هذا معنى العلمانية، فسرت بكلمتين من اللغة الإنجليزية، وأنا ما أجيد اللغة الإنجليزية، وإلا لو كنت أجيدها لنطقت بذلك، لكن كتبتها لا بأس. الأخ يكتب هاتين الكلمتين ثم يترجمها: «أنت تجيد الإنجليزية، سأعطيك الأحرف». طيب، الأحرف: الكلمة الأولى نحن استفدنا من مدارس الأحرف فقط، وإلا غيرها ما نستطيع ذلك. الأحرف: س س، يؤل هذا الكلمة الأولى. الكلمة الثانية: اي ه ا ر اي اس ام. ايش معنى هذا؟ واش معنى بلا ترجمة؟ قريب من هذا المعنى. المهم: ترجمت في بعض المعاجم بأنها بمعنى الدنيوي والواقع والعالمي، بمعنى هذه الكلمات الثلاثة. فهذه هي العلمانية. ومن العلمانية الديمقراطية، لأن الديمقراطية معناها: أن الشعب يحكم نفسه بنفسه، أن الشعب يحكم نفسه بنفسه. فلذلك أتوا بالبرلمانات والانتخابات، لأن هذا الأمر يعبر عما يريده الناس، عما يريده الناس. ولذلك أهل العلم حكموا على الديمقراطية بالكفر، وعلى المجالس البرلمانية بالطاغوتية؛ لأنها تشرع، ولأن الحكم عندهم بما يجتمع عليه الأكثرية، بما يجتمع عليه الأكثرية. ولذلك أهل السنة من قديم الزمان وهم يحذرون من الديمقراطية، ويحذرون من الانتخابات، ولله الحمد ما شاركوا بالانتخابات لا من قبل ولا من بعد، وكلامهم واحد في ذلك، ما هو مثل بعض الساسة وأهل الأحزاب: كان من قبل الانتخابات لا بأس بها عندهم، ولما تغيرت عليهم الأوضاع، ليس لحكم شرعي وإنما للسياسة، قالوا: في هذا الزمان ما تجوز الانتخابات. لا، أهل السنة عندهم من قديم الزمان ما تجوز الانتخابات، من قديم الزمان، ويحذرون من ذلك، ويحذرون من المجالس البرلمانية، وأنها طاغوتية؛ لأنها فيها حكم الشعب للشعب نفسه. فإذا صوت الشعب يريد مصنع خمر: لا بأس، في الدول الإسلامية تريد المرأة تتعسكر: لا بأس، تريد المرأة تقود السيارة: لا بأس. المهم عندهم الأغلبية. وهذا لشك أنه منابذة لشرع الله، وهذا لشك أن فيه معنى الطاغوت الذي هو بمعنى الحكم بغير ما أنزل الله. فهكذا للأسف الشديد أن بعض الناس متأثر بهذه الأفكار، وهي بمعنى الطاغوت؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله كما تقدم هو من رؤوس الطواغيت، من رؤوس الطواغيت. فيجب على المسلمين جميعاً أن ينبذوا كل ما فيه هذا المعنى، وأن يبتعدوا عن أي أمر فيه تنحية الشريعة، وفيه الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾». هذا الدليل على قوله، وعلم أنه أول ما يجب على بني آدم الكفر بالطاغوت. قال في أول الرسالة هذا، قال رحمه الله في أول رسالته، وما قدمه وشرح للشيخ الفوزان: «اعلم رحمك الله أن أول ما فرض الله على بني آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله». ما هو الدليل على هذا؟ قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فأول ما فرض الله هذا الأمر». انظر: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾، كل أمة أرسل الله عز وجل إليها رسولاً، وهذا الرسول أول ما يدعو إلى هذا الأمر العظيم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وكما قال عز وجل في آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، والآية المتقدمة بمعنى هذه الآية. فقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فيها معنى الإثبات، وهو «إلا الله»، ومعنى قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فيه معنى النفي، وهو «لا إله». فإذن الدليل واضح في أن أول ما فرض الله عز وجل على بني آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله سبحانه وتعالى، لهذه الآية ولغيرها من الأدلة. قال الشارح حفظه الله تعالى: قال: «هذا هو الدليل على أن من عبد من دون الله وهو راض، أو دعا إلى عبادة نفسه، أو حكم بغير ما أنزل الله، فهو من الطواغيت». يعني: ما تقدم ذكره من رؤوس الطواغيت، فهؤلاء الدليل على أنهم من الطواغيت: هذه الآية، هذه الآية. فكما تقدم أن هؤلاء هم من رؤوس الطواغيت. قال: «الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، هذه مثل قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، فهنا قدم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله سبحانه وتعالى». قال: «فهو لم يقتصر على قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ما قال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ثم ذكر بقية الآية دون قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، لا، ذكر: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ليدل ذلك على أنه من لوازم الإيمان وموجباته الكفر بالطاغوت، الكفر بالطاغوت». عندي سؤال سهل إن شاء الله عندك يا أخي: شروط «لا إله إلا الله» كم؟ ثمانية. المشهور سبعة، وأضاف بعضهم الثامن. تحفظ البيت الذي فيه يعني جمعة هذه الشروط؟ من يحفظ؟ نعم، أعد البيت الأخير: الكفر بالطاغوت. نعم، الثامن: الكفر بالطاغوت. فبعض أهل العلم أضاف هذا الشرط، ألا وهو الكفر بالطاغوت، ليدل على أنه من شروط «لا إله إلا الله»، وأن من لم يكفر بالطاغوت فإنه لم يحقق «لا إله إلا الله». قال: «فهو لم يقتصر على قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، بل قال: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قال: لأن عبادة الله لا تصح إلا مع اجتناب الطاغوت. فمن يعبد الله ليلاً ونهاراً ولكنه لم يجتنب الطاغوت فعبادته باطلة». انظر من يتنبه لهذا: إنسان ربما يصوم النهار ويقوم الليل، ويتصدق، ويفعل ويفعل من الطاعات والعبادات العظيمة الجليلة، ولكنه لم يكفر بالطاغوت، فهذا لا تنفعه تلكم العبادات، لا تنفعه تلكم العبادات. قال: «فعبادته باطلة، كالذي يصلي ويصوم ويحج ويتصدق ويتبرع وينفق، ولكنه يستغيث بالأموال، ربما كل سنة يذهب إلى الحج وعنده ملايين يصرفها نفلاً وصدقه، وهكذا ربما يصوم النهار ويقوم الليل لكنه يستغيث بطاغوت من الطواغيت، فهذا لا تنفعه تلكم العبادات أبداً». فإذا الأمر خطير، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن عبادة الطاغوت. قال: «ويدعو الأموات من دون الله، هذا لم يكفر بالطاغوت، هذا لم يكفر بالطاغوت». وكذلك من الكفر بالطاغوت: الكفر بمن لم يحكم بما أنزل الله. ومن ذلك كما تقدم: المجالس البرلمانية، ينبغي على المسلم أن يكفر بها، وأن يعلم أنها ليست من دين الله، وليست من شرع الله، بل هي من الطاغوت الذي حذرنا الله سبحانه وتعالى منه. قال: «جميع الرسل على هذا، رسل اصطفاهم الله عز وجل لرسالته، كلهم يدعون إلى هذا الأصل العظيم: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾». قال: «جميع الرسل على هذا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾، وهذا من رحمة الله، أقام الحجة على الخلق جميعاً، أقام الحجة على الخلق جميعاً، ما من أمة من الأمم إلا وأرسل إليها رسولاً، رسلاً مبشرين ومنذرين، لألا يكون على الله حجة بعد الرسل، ما من حجة. كل أمة بعث الله عز وجل إليها رسولاً يأمرها بالتوحيد ويحذرها من الشرك، هذا الأصل العظيم، ثم غيرها من الشرائع ومن الأحكام، فهذا من رحمة الله عز وجل ببني آدم، كل أمة أرسل إليها رسولاً». قال: «هذا عام لجميع الرسل أنهم جاءوا بالأمر بعبادة الله واجتناب الطاغوت، واجتناب الطاغوت، فلا بد من الأمرين، أمران لا ينفصلان: الإيمان بالله والكفر بالطاغوت». قال: «وهذا هو معنى لا إله إلا الله، يعني: نفي وإثبات. ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هذا معنى الإثبات، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هو معنى النفي في لا إله إلا الله». قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «فأما صفة الكفر بالطاغوت» يعني: كيف يكون المسلم كافراً بالطاغوت؟ ما صفته؟ قال: «فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله». وانتبه إلى قوله: «أن تعتقد»، ما قال: «أن تجتنب». فمن اجتنب عبادة الطاغوت لكنه يعتقد أن من عبد الطاغوت فإن هذا أمر جائز لا بأس به، هو ما يدعو القبور وما يستغيث بهم، لكن يقول: «هؤلاء اتركوهم يعبدون ما شاءوا، اتركوهم، هذا ما وصل إليه علمهم، وهذا على نيتهم»، وهذا كذا وكذا، فهو يصحح ما يفعلون من الكفر ومن عبادة الطاغوت، فهذا ما كفر بالطاغوت، ما كفر بالطاغوت. فانتبه إلى دقة عبارة المؤلف: ما قال: «فهو أن تجتنب عبادة غير الله»، قال: «فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله». ولا شك أنك إذا اعتقدت ذلك دفعك هذا الاعتقاد إلى اجتناب عبادة غير الله، إلى اجتناب عبادة غير الله. قال: «فهو أن تعتقد»، هذا هو صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله. قال: «وتتركها، لأن من لوازم اعتقاد بطلانها تركها». قال: «وتتركها، وتَبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم». هذا هو معنى صفة الكفر بالطاغوت. ما يكفي أنك ما تعبد الطاغوت، بل وما يكفي أنك تعتقد أن عبادة غير الله باطلة، ما يكفي هذا، لا بد أن تضيف إلى هذا البغض لهذه الطواغوت: تبغضهم وتعاديهم، وكذلك تكفر أهلها وتعاديهم. من استحق الكفر منهم، وقامت عليه الحجة، تكفره؛ لأن الله كفره. وهذا كما قلنا: بضوابط، وبشروط، وبإقامة حجة، وليس كما يقول ويشوش البعض: أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يكفر المجتمعات. لا والله، وإنما هذا من استحق الكفر ممن أقيمت عليه الحجة، ووصله القرآن والعلم، وهو معاند مصر على ما هو عليه، فهذا قد كفره الله سبحانه وتعالى. فإذا هذا هو صفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، هذا أمر، وتتركها هذا أمر آخر، وتَبغضها هذا أمر ثالث، وتكفر أهلها وتعاديهم هذا أمر رابع. فبهذا من حقق هذه الأمور يكون حقاً وصدقاً كافراً بالطاغوت. ونترك شرح الشارح في درس قادم، وإلى هنا والله أعلم.