كتاب الصلاة  70

كتاب الصلاة 70

الدرس في كتاب الصلاة 70، الدرس السبعون:من( الحديث التاسع والتسعون:عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه ... 5-رأفته صلى الله عليه وسلم الضعفاء منهم وأصحاب الحاجات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

التوجيه النبوي بالتخفيف في الصلاة

يوجّه النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف في القراءة أثناء الصلاة مراعيًا حال المأمومين. يُستدل من ذلك على استحباب القراءة المتوسطة للمفصل في الصلاة.

استحباب القراءة المتوسطة ومراعاة الضعفاء

استحباب قراءة وسط المفصل في صلاة العشاء ومراعاة الأئمة للضعفاء بتخفيف الصلاة. يشير إلى أهمية الرفق واللين في سياسة الناس وتأثير ذلك على تقبلهم للدين.

أحكام عامة في مراعاة الضعفاء والصلاة

ينبغي مراعاة حال الأضعف في العبادات والمعاملات، وعدم تعميم الحكم بما يشق عليهم. كما يستدل على جواز الخروج من الصلاة إذا خالف السنة وتفاوت صلاة الناس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث التاسع والتسعون، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشاها؟ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في أحاديث الأحكام مما في الصحيحين. والحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه في البخاري ولا في مسلم، ولكنه مختصر من حديث جابر الذي هو في الصحيحين، وإلا بهذا اللفظ لم أقف عليه في البخاري ولا في مسلم. ومن وقف على موضع فيه هذا اللفظ فلينبهنا عليه جميعًا نستفيد. وجاء معناه كذلك من حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث ابن مسعود. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن معاذًا يطيل القراءة حين يأم قومه، أرشده إلى التخفيف ما دام إمامًا، وضرب له مثلاً بقراءة متوسط المفصل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؛ لأنه يأتم به الكبار المسنون، والضعفاء، وأصحاب الحاجات ممن يشق عليهم التطويل، فيحسن الرفق بهم، وتستحب مراعاتهم بالتخفيف. أما إذا كان المسلم يصلي وحده، فله أن يطول ما شاء. هذا هو المعنى الإجمالي. وقد جاء في رواية للبخاري أن سبب هذا الحديث أن معاذًا رضي الله عنه أطال بالقراءة في صلاة العشاء، فصلى بالبقرة والنساء. وفي رواية: أنه صلى بالبقرة. وهذا يدل أنه طول جدًا. ولذلك جاء في بعض الروايات أن فتى خرج من الصلاة، فشكى معاذًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فناداه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أفتان أنت يا معاذ؟». وبوّب له البخاري رحمه الله: باب من شكى إمامه إذا طول. قال الشارح رحمه الله: الأحكام المأخوذة من الحديث: أولاً، أن المتوسط في القراءة في الصلاة هذه السور المذكورة في الحديث أمثالها، يعني من وسط المفصل. وقد علمنا في دروس سابقة: قصار المفصل، ووسط المفصل، وطوال المفصل. قصار المفصل من «الناس» إلى «الضحى»، ووسط المفصل من «الضحى» إلى «عم»، وطوال المفصل ما بعد «عم» إلى «قاف». فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ كثيرًا في العشاء بوسط المفصل، يعني من «عم» إلى «الضحى». وأحيانًا يقرأ بقصار المفصل، فقد قرأ في العشاء بالتين، والتين من القصار أو من الوسط. وأحيانًا يقرأ بالطوال، يعني بأعلى من الوسط، فقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالطوال كذلك في العشاء. وفي المغرب كان يقرأ بالقصار، وأحيانًا يخرج عن ذلك فيقرأ بالطوال، فقد قرأ في المغرب بالطور. فالشاهد في هذا الحديث - كما ذكر رحمه الله - استحباب قراءة وسط المفصل في صلاة العشاء؛ لأنه الأرفق بالناس. قال ثانيًا: أنه يستحب للإمام مراعاة الضعفاء بتخفيف الصلاة بحال ائتمامهم به. وهذا الحكم لكل إمام: أنه ينبغي عليهم أن يراعوا الضعفاء، ولكن هذه المراعاة مضبوطة بما لا ينافي السنة. ليست مراعاة تخرجه عن حدود السنة. ولا بأس أحيانًا أن يخفف حتى مع هذا الاعتدال. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام - كما تقدم معناه في دروس سابقة - أنه كان يحب أن يطيل، فإذا سمع بكاء الصبي خفف؛ لما يكون من إشغاله لأمه. قال ثالثًا: أن سياسة الناس بالرفق واللين هي السياسة الرشيدة التي تحبب إليهم ولاةهم وعمالهم. والمعنى أنه كذلك يحبب إليهم الدين. فالإنسان ينبغي أن يعلم أن الأصل هو الرفق واللين، هذا هو الأصل. «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». ومع ذلك لا يعني أنه يطيل أحيانًا أو يخرج عن معنى الرفق أحيانًا لا بأس. فإذا كان الوسط هذا الذي سمعناه، فكونه يقرأ أحيانًا بغير الوسط فهذا قد صحت به السنة. لكن الأصل هو الرفق واللين والتخفيف، هذا هو الأصل. ولهذا صح أنه كان عليه الصلاة والسلام لم يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وهذا هو الفرق بين رفق أهل الحق ورفق أهل التضييع والتميع. فرفق أهل التضييع والتميع يوقع في الإثم ويخرجه عن الحق. ودين الله وسط بين الغالي والجافي. قال رابعًا: حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، وملاطفته إذ خاطب معاذًا بصيغة العرض، يعني أنه لم يأمره أمرًا صريحًا، فقال: «فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى». وهكذا ينبغي أن تكون النصيحة، لا تكون فيها تنفير فضلاً أن تكون فضيحة. ولو أن الناس تأدبوا بأدب الإسلام وأدب نبينا عليه الصلاة والسلام لاجتمع الناس على الخير الكثير. لكن حضوض النفس ومتابعة الهوى والخروج عن العدل أخرج الناس إلى ما فيه الشر. قال خامسًا: رأفته صلى الله عليه وسلم بأمته، لا سيما الضعفاء منهم وأصحاب الحاجات. وهذا من أصول السنة مراعاة مثل هذا المعنى. وهذا ليس فقط في الصلاة، بل في كل شيء، وفي كل باب ينبغي أن يقتدى بأضعف الناس. فإذا أراد أن يأمر الناس بشيء فلينظر حال الأضعف، هم المقياس، وليس الأشد والأقوى. حتى الجهاد والقتال، فإنه لو كان عنده جيش فيهم الراكب وفيهم الماشي وفيهم الكبير وفيهم الشيخ الضعيف، فإنه يراعي في أمره ونهيه حال الأضعف. وإن أراد أن يخص الأقوى بشيء خصهم به، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخص. وهذا هو العدل. أما أن يعمم الحكم بما يكون فيه الإشقاق على الضعفاء وأهل القلة - قلة ذات اليد والقوة - فهذا لم يكن من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث مسائل أخرى، منها كذلك فيما يعرف من الروايات الأخرى: جواز الخروج من الصلاة إذا وقع ما يخالف السنة. وفيه كذلك ما تقدم من جواز الشكوى للإمام إذا لم يكن على وجه الوشاية والفتنة والشر، وإنما كان على وجه النصيحة. وفيه كذلك جواز صلاة الفرض فرضًا ونفلاً. وبعبارة أخرى، ومعنى آخر كذلك فيه: جواز صلاة الفريضة مرتين. فقد صلى معاذ العشاء مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ذهب فصلى بقومه. وفيه كذلك تفاوت صلاة الناس في الصلاة الواحدة؛ لأنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، ورجع إلى قومه ثم صلى بهم. إذن لم يكن الناس كحال الكثير من المدن اليوم بالتوقيت بالساعة. المدينة كلها تصلي بالدقيقة وتخرج من الصلاة بالدقيقة. ولو زاد الإمام أو نقص، لا صارت ضجة في المسجد. هذا خطأ خلاف السنة. بل ينبغي أن يعلم الناس أن مما صحت به السنة وفيه منافع ومصالح للناس: تفاوت أوقات الصلاة، أي أداءها في حدود السنة بما تكون به مصلحة الناس. فمثلاً المساجد التي في الأسواق لا بأس أن تقدم فيها الصلاة في حدود المشروع المأذون. والمساجد التي بعيدة من الأسواق ويحتاج الناس وقت أن يجتمعوا فيها لا بأس أن تؤخر. والمساجد التي فيها دروس وعلم ربما تؤخر أكثر قليلاً. وفي هذا مصالح للناس: من فاتته الصلاة هنا أدرك الصلاة هنا، وغير ذلك من المصالح الأخرى. وقد كان نحو ذلك في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من مسائل هذا الحديث: فيه جواز التنفل بالفريضة. يجوز أن يتنفل الإنسان بالفريضة. النفل ليست فقط في الرواتب والنوافل المطلقة، بل حتى في الفريضة. ولهذا فإذا حضر إنسان مسجدًا وقد صلى وهو صلى يصلي معهم، فإنها له نافلة. بل يصلي على وجه الوجوب، لا يجوز له أن يجلس من دون صلاة؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وسبقت الإشارة إلى هذا المعنى. نكتب بهذا القدر وإلى هنا، والله تعالى أعلم.