الدرس في كتاب الطهارة 38، ألقاها
يتناول هذا الفصل مسألة تغير عادة الحيض في النساء، مثل تقدم أو تأخر الحيض عن وقته المعتاد أو زيادته أو نقصانه، ويعرض آراء الفقهاء المختلفة حول هذه المسألة. الراجح هو اعتبار الدم حيضًا إذا كان على صفة دم الحيض.
هذا الفصل يتناول حكم الكدرة والصفرة في حيض المرأة، حيث ذكر ثلاثة أقوال، ورجح القول الأول بأنها حيض إذا كانت في أيام الحيض. كما تطرق إلى مسألة علامات الطهر، حيث ذكر أن بعض النساء يكن طاهرات بخروج القصة البيضاء، والبعض الآخر بالجفاف.
يشرح هذا الفصل تفاصيل غسل المرأة من الحيض واستحباب استخدام الطيب أو المطهرات لإزالة أثر الدم، كما يتناول حكم مباشرة الحائض فوق الإزار وما بين السرة والركبة، ويبين تحريم وطء الحائض في فرجها بالإجماع والنصوص الشرعية.
يعتبر هذا الفصل إتيان المرأة في فرجها وهي حائض كبيرة من الكبائر، ويجب التوبة منه. هذا الفعل محرم ويتطلب التوبة الصادقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، أخذنا بعض مسائل الحائض في الدرس السابق. طيب، مسألة نكمل بغاية المسائل المتعلقة بها، لقمنا ندخل في غيرها. مسألة: من تقدم الحيضة أو تأخرها عن وقتها، أو زيادتها أو نقصانها. تقدم الحيضة أو تأخرها عن وقتها، أو زيادتها أو نقصانها، فهذا طبعًا متصور فيمن؟ في أصحاب أو في ذوات أصحاب العادة. في ذوات من كانت في النساء التي لهن عادة، يعني امرأة مثلاً يأتيها حيضها شهريًا، من مثلاً عاشر أيام، عاشر يوم في الشهر شهريًا يأتيها تاريخ عاشر، وينتهي مثلاً تاريخ سبعة عشر. وضح هذا، جاءها في مرة من المرات الحيض أو الدم في تاريخ ثمانية، أو جاءها مرة في تاريخ انتهى منها مرة في تاريخ ثامن عشر، أو السابع عشر، أو التاسع عشر. أي استمر بها الدم إلى الثامن عشر أو التاسع عشر. تقدم الحيضة أو تأخر الحيضة عن ماذا؟ عن وقتها. وضح هذا، أو زيادتها أو نقصانها. مثلاً عادتها أنها تحيض سبعة أيام، زادت في يوم، وفي فترة من الفترات فحاضت تسعة أيام أو عشرة أيام. أو نقصت تحيض سبعة أيام في شهر، حاضت خمسة أيام. فما الحكم في هذا؟ وهذا حد الأمر. طيب، المسألة أقوال. الأول: أنه ليس بحيض إلا أن يتكرر مرتين. ليس بحيض إلا أن يتكرر مرتين، فيحكم بأنها عادتها. وقد تغيرت، وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد. القول الثاني: مثله، كذلك لكن قال: لابد أن يتكرر ثلاثًا. وهذه الرواية الأخرى عن أحمد، أي لابد تكرر شهر الأول، ثم الشهر الثاني، ثم الشهر الثالث في نفس الوقت، حتى يقال أن عادتها هذه. وهذا قولنا، الرواية عن أحمد. والرواية الأولى عن أحمد، وهي موافقة لقول أبي حنيفة: أنه إذا تكرر شهرين متتابعين الحيض في نفس الوقت، تقدم في نفس الوقت أو تأخر في نفس الوقت، أو زاد في نفس الوقت أو نقص في نفس الوقت، فإذا تكرر مرتين يحكم عليه بأنها عادة. فعليها أن تصلي، فعليها أن تمتنع من الصوم والصلاة بعد ذلك. طيب، القول الثالث: أنه ما دام على صفة دم الحيض، فهو حيض. وهذا قول الشافعي، وإليه ذهب ابن قدامة وابن تيمية وجماعة، وهو مقتضى قول مالك. فإن العبرة عنده بالتمييز مطلقًا. وهذا هو الراجح، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي و صلِّي». وجاء في رواية: «فاختسلي وصلِّي». وأيضًا لعموم قول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾. فما دام جاء الدم على أوصافه المعروفة، سواء تقدم أو تأخر أو زاد أو نقص، فالعبرة بماذا؟ العبرة بكونه دم حيض. واضح هذا الأمر أم لا؟ العبرة بأنه يكون دم حيض، فإذا كان دم حيض ترتبت عليه أحكام الحيض. هذا هو الراجح لما سمعتم، والله أعلم. طيب، بقي مسألة، يعني مقاربة أو نفس هذه المسألة، إذا لم تكن إذا لم يكن الدم مميزًا، ولكن المرأة كانت لها عادة، فتعمل بماذا؟ تعمل بعادتها. وقد تقدم الإشارة إلى هذا. طيب، مسألة الرابعة: حكم الكدرة والصفرة. حكم الكدرة والصفرة فيها أقوال. والكدرة: ما يخرج من فرج المرأة من الماء المكدر، أي أشبه الماء الوسخ. والصفرة: هو ماء، أي كذلك ما يخرج من فرج المرأة من ماء كالصديد يعلوه صفرة. فما حكمها؟ قلنا: في المسألة أقوال. القول الأول: أنها حيض ما دامت في أيام الحيض. أي إذا جاءت الكدرة والصفرة في أيام الحيض، أو جاءت بعد الحيض أو يعني قبل انقضاء الحيض، استمرت الكدرة والصفرة، فهي حيض. وهذا قول جمهور، ومنهم من حكوا إجماعًا. الثاني: أن الصفرة حيض، والكدرة والصفرة ليست حيضًا إلا أن يتقدمها دم. وهذا قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة. القول الثالث: أن الكدرة والصفرة لا تكون حيضًا بكل حال. وهذا القول حكي عن داود الظاهري، ونصره ابن حزم. والأول هو الراجح، لقول أم عطية رضي الله عنها: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا». رواه أبو داود بهذا اللفظ، وأصله في البخاري. واضح الدلالة من هذا الحديث أم لا؟ قوله: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا»، بمعنى أن المرأة إذا طهرت واغتسلت وصلت، ما شاء الله، ثم جاءها الكدرة والصفرة، فإنهم كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدونه شيئًا. ماذا معنى أو ما معنى لا يعدونه شيئًا؟ معنى أنه ليس بشيء، ليس بحيض. واضح هذا الأمر أم لا؟ وقولها: «بعد الطهر» يدل على أنه قبل الطهر يكون ماذا؟ يكون حيضًا. واضح هذا الأمر أم لا؟ قولها: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا»، أي لا نعده بعد الطهر حيضًا. مفهومه أننا كنا نعده عند أو قبل الطهر ماذا؟ حيضًا. واضح هذا الأمر أم لا؟ هكذا استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على هذه المسألة. مسألة: بماذا يعرف النساء الطهر من الحيض؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يكون بالقصة البيضاء، وقال بعضهم بالجفاف. وصحيح في هذا أن المرأة بحسبها. بمعنى أن من النساء من يكون طهرهن بخروج القصة أو القصة البيضاء، ومنهم من يكون طهرهن بالجفاف مع الجفاف، أي لا يخرج شيء من الدم. جف الرحم تمامًا، فلا يخرج منه شيء. فيكون ماذا؟ فيكون طاهرًا. والقصة البيضاء اختلف في معناها. فقيل: إن القصة البيضاء هي القطنة البيضاء التي تحتضب بها المرأة أثناء الحيض، إذا خرجت بيضاء فهي ماذا؟ فهي طاهر. وقال بعضهم: أنه سائل أبيض كالفضة. وقال بعضهم: هو أشبه باللعاب. بمعنى أنه إذا خرج هذا السائل الذي هو أشبه بالفضة وأشبه باللعاب، فإن المرأة تكون بذلك ماذا؟ تكون طاهر. فعليها الغسل، وأن تقوم بما تقوم به النساء الطاهرات من الحيض. واضح هذا الأمر أم لا؟ فيكون كما سمعتم الطهر تارة بهذا وتارة بهذا، والله أعلم. الحديث الخامس والأربعون، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، كلانا جنب». هذا الحديث تقدم الكلام عليه فيما مضى، تقدم الكلام عليه في غسل جنابة. والشيخ رحمه الله تعالى ذكر الحيض ها هنا إشارة إلى ماذا؟ إشارة إلى أن أحكام غسل الحيض كأحكام غسل جنابة. أن المرأة في غسلها من الحيض، أن غسل الحيض كغسل جنابة سواء بسواء. إلا أن أهل العلم زاد زيادات من باب المستحبات، من أن المرأة إذا طهرت واستحب لها أن تدلك مكان الدم بشيء من الطيب، أو بشيء من المطهرات. أي تغسل أثر الحيض، أثر النجاسة، ثم تطيب الموضع بشيء من الطاهرات. قال بعضهم: إن لم تجد إلا الطين فتمسح بالطين، بما أن تغسله بالصابون أو تغسله بشيء من المطهرات. فهذا من باب المستحبات. لتذهب أثر نتن الدم الذي كان في زمن الحيض. فإن لم تجد إلا الماء فلا بأس، أي لا يشاء عليها إلا أن تغسل أثره بالماء. وتغسل كما تغسل المرأة من الجنابة. وقولها رضي الله عنها وأرضاها: «وكان يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض». وكان يأمرني فأتزر، ومعنى قولها فأتزر أي ألبس الإزار. وقولها فيباشرني أي يباشرها فوق الإزار. يباشرها فوق الإزار كما جاء ذلك مصرحًا في بعض الألفاظ. وقولها وأنا حائض أي أنه يباشرها وهي حائض في تلك الحالة من فوق الإزار. وها هنا مسائل. المسألة الأولى: حكم مباشرة الحائض أو قل مباشرة الحائض فوق السرة وتحت الركبة. مباشرة الحائض فوق السرة وتحت ماذا؟ وتحت الركبة. حكمه قال النووي رحمه الله تعالى: المباشرة في ذلك، أي فوق السرة وتحت الركبة، بالذكر أو بالقبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك. قال: وهو حلال باتفاق العلماء. ثم ذكر كلامًا قال: وأما ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره من أنه لا يباشر شيئًا منها بشيء منه، فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول. قال له وذكر كلامًا أنه مردود بالسنة الثابتة الصحيحة وغيرها، وأيضًا بإجماع من سبقهم وإجماع من بعدهم. المسألة الثانية: في هذا الحديث مباشرة الحائض فيما بين الركبة والسرة. مباشرة الحائض فيما بين الركبة والسرة، فيه خلاف. فذهب أبو حنيفة ومالك في طائفة أخرى من أهل العلم إلى تحريم إتيان المرأة ما بين الركبة والسرة أثناء الحيض. وذهب عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي، وذهب الإمام أحمد في آخرين إلى جواز ذلك. أي يجوز أن يباشرها من فوق الإزار. واضح هذا الأمر أم لا؟ يجوز للرجل أن يباشر امرأته من فوق الإزار. المسألة الثالثة: حكم وطء الحائض في فرجها. حكم وطء الحائض في فرجها. قال ابن المنذر: والفرج محرم في حال الحائض بالكتاب والإجماع. وقال النووي رحمه الله تعالى: إن مباشرة الحائض أقسام. أحدها: أن يباشرها بالجماع في الفرج، وهذا حرام بإجماع المسلمين، بنص القرآن العزيز والسنة الصحيحة. دليله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. ومن السنة أحاديث كثيرة، من هذا الحديث أليس كنا الآن حديث أنس: «اصنعوا كل شيء إلا الجماع». طيب، قال النووي: قال أصحابنا: ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرًا مرتدًا. واضح هذا الأمر أم لا؟ لو اعتقد ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرًا مرتدًا، لأنه مكذب للكتاب والسنة ولما هو مجمع عليه. قال: ولو فعله إنسان غير معتقد حله، كأن يكون ناسيًا أو جاهلاً بوجود الحيض أو جاهلاً بتحريمه أو مكرهًا، فلا إثم عليه ولا كفارة. وقال أيضًا: أن إتيان المرأة في فرجها وهي حائض، قال: كبير من الكبائر. يجب التوبة منه.