الدرس في قبس من السيرة النبوية 52، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أسباب الرخاء والشقاء في المجتمعات، حيث يبين أن الإقبال على الله والابتعاد عن الظلم هو مفتاح الرخاء. كما يشير إلى أن المجتمعات الظالمة ستُوَلّى عليها حكومات ظالمة.
يشرح المقطع العلاقة بين حالة المجتمع وحال الحكام، حيث يبين أن صلاح المجتمع يؤدي إلى صلاح الحكام والعكس صحيح. يُستدل على ذلك بأقوال العلماء وأحداث تاريخية.
يؤكد على ضرورة إصلاح النفس والمجتمع أولاً لتطبيق الشريعة بشكل صحيح، مستشهداً بآية "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". يشير إلى أن تغيير الحاكم دون إصلاح المجتمع لا يأتي بخير.
يختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على علم الله تعالى. يُعد هذا الختام إشارة إلى نهاية النص أو الدرس.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، إخْوَانِي فِي اللَّهِ، فِي هَذَا الْمَقَامِ نَتَوَاصَلُ وَإِيَّاكُمْ بِمَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ الدِّينِيَّةِ، وَالَّتِي غَفَلَ عَنْهَا الْكَثِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْخَاصَّةِ. وَمَا نَسْمَعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي تَهْتِفُ وَالَّتِي تُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهَا، ذَاكَ مُجْتَمَعٌ يَطَالِبُ بِتَحْسِينِ الْمَعِيشَةِ، وَمُجْتَمَعٌ آخَرُ يَطَالِبُ بِإِصْلَاحِ الْأَوْضَاعِ، وَذَاكَ مُجْتَمَعٌ رَفَعَ الرَّايَاتِ وَاللَّافِتَاتِ الَّتِي تُنَادِي بِتَحْسِينِ مُسْتَوَى الْفَرْدِ. وَكُلُّ هَذِهِ الشِّعَارَاتِ تَهْدِفُ إلَى مَا يُسَمَّى بِأَنْ يَنْعَمَ هَذَا الْمُجْتَمَعُ بِالْحَيَاةِ الرَّغَدَةِ وَبِالْحَيَاةِ الْهَنِيَّةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. وَبَعْدَمَا جَاءَتْ هَذِهِ الطَّلَبَاتُ جَاءَتْ الْحُلُولُ، فَكُلُّ مُجْتَمَعٍ آتَى بِحَلٍّ وَظَنَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْحَلُّ الْأَمْثَلُ لِإِزَالَةِ حَالَةِ الْبُؤْسِ وَالشَّقَاءِ الَّذِي تَعَانِي تِلْكَ الْمُجْتَمَعَاتُ. ذَاكَ يَقُولُ بِالِانْدِمَاجِ، وَذَاكَ يَقُولُ بِالِانْفِصَالِ، وَذَاكَ يَقُولُ بِالِاخْتِلَاطِ، وَذَاكَ يَقُولُ بِالِاتِّجَاهِ الْغَرْبِيِّ، وَآخَرُ يَقُولُ بِالْمَذْهَبِ الشَّرْقِيِّ. وَأَذِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ، مِنْ الْجَهْلِ بِدِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنْ تَتَوَجَّهَ الْأَنْظَارُ إلَى الْأَسْبَابِ الْمَادِيَّةِ. وَنَحْنُ - الْحَمْدُ لِلَّهِ - أُمَّةٌ إسْلَامِيَّةٌ، مِنَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا عَلَيْنَا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَاءِ الَّتِي مَا تَرَكَتْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً لَا فِي مَصَالِحِ الدِّينِ وَلَا الدُّنْيَا إلَّا وَقَدْ جَاءَ مُبَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. رَبَّنَا جَلّ فِي عُلَاهُ قَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي نَصْبِ أَعْيُنِنَا، بِأَنَّ الْحَيَاةَ الرَّغَدَةَ وَمَنْ أَرَادَهَا وَمَنْ طَلَبَهَا إنَّمَا يَأْتِيهَا مِنْ بَابِهَا، أَلَا وَهُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَإِنَّ الْمُجْتَمَعَ مَتَى مَا كَانَ مُقْبِلًا عَلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَوَعَّدَ بِأَنْ يُنْعِمَ عَلَى هَذَا الْمُجْتَمَعِ بِخَيْرَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. تَأْتِيكَ الْبَرَكَاتُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَكِنْ مَتَى؟ ذَاكَ إذَا كَانَ الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا بِالتَّعَبُّدِ وَالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ الذُّنُوبِ وَالْكَبَائِرِ. أَمَّا الْمُجْتَمَعَاتُ عَلَى مَا نَرَاهُ الْآنَ مِنْ الانْحِرَافِ وَالْمُجَاهَرَةِ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالرِّدَّةِ، وَبِالْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يُغَيِّرَ هَذَا الْحَالَ، لَنْ يُغَيِّرَ هَذَا الْحَالَ، بَلْ هَذَا الْحَالُ يَبْقَى عَلَى مَا هُوَ. قَالَ لَنَا رَبُّنَا جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. قَالَ الْإِمَامُ الْآلُوسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ «رُوحِ الْمَعَانِي» عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ «وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ مَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّعِيَّةَ إذَا كَانُوا ظَالِمِينَ فَإِنَّ اللَّهَ سَيُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ظَالِمًا مِثْلَهُمْ». هَذَا جَزَاءٌ مِنْ رَبِّنَا جَلّ وَعَلَا. إذَا كَانَ الْمُجْتَمَعُ أَوْ إذَا كَانَ الشَّعْبُ أَوْ كَانَتْ الْقَرْيَةُ وَالْبَلَدَةُ عَلَى ظُلْمٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَنْتَظِرُوا أَنْ يَأْتِيَ خَلِيفَةٌ رَاجِلٌ يَحْكُمُهُمْ، لَا، فَإِنَّمَا يَأْتِي مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِهِمْ، مَنْ كَانَ عَلَى مَنْوَالِهِمْ، يَأْتِي ظَالِمٌ مِثْلُهُمْ يَحْكُمُهُمْ. ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾. وَهَذَا أَشْيَاءُ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ. وَمِنْ الطَّرِيفِ مَا يُذْكَرُ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَرَّ عَلَى رَجُلٍ، فَإِذَا بِهَذَا الرَّجُلِ يَدْعُو عَلَى الْحَجَّاجِ - وَالْحَجَّاجُ تَعْرِفُ إذَا ذُكِرَ الْحَجَّاجُ تَجْعَلُ عِنْدَ أُذُنَيْكَ الدِّمَاءُ - السَّفَّاحُ الْكَبِيرُ. فَرَجُلٌ ذَاقَ الْمُرَّ مِنْ الْحَجَّاجِ فَدَعَا عَلَيْهِ. فَإِذَا بِالْإِمَامِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَاذَا يَقُولُ؟ «لَا تَفْعَلْ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ، إنَّمَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أُتِيتُمْ». يَعْنِي لَيْشَ تَدْعُو عَلَى الْحَجَّاجِ؟ الْحَجَّاجُ مِنْ أَيْنَ جَاءَ؟ جَاءَ مِنْكُمْ، أَنْتُمْ يَعْنِي أَنْتُمْ كُنْتُمْ الشَّعْبَ، وَأَنْتُمْ مُجْتَمَعٌ بِهَذَا الظُّلْمِ وَالْبُعْدِ، أَبْتَلَاكُمُ اللَّهُ بِالْحَجَّاجِ. قَالَ: «لَا تَفْعَلْ، إنَّمَا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أُتِيتُمْ». قَالَ: «فَإِنِّي أَخَافُ إنْ مَاتَ الْحَجَّاجُ أَوْ إنْ عُزِلَ أَنْ يُولَى عَلَيْكُمْ الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ». لِمَاذَا الْحَسَنُ يَحْكُمُ بِهَذَا؟ هَلْ نَظْرَةٌ - كَمَا يُقَالُ - مَأْسَاوِيَّةٌ أَوْ سُودَاوِيَّةٌ؟ لَا، هِيَ نَظْرَةُ فَقِيهٍ عَالِمٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ يَأْتِي إنَّمَا سَيَأْتِي أَيُّ حَاكِمٍ، أَيُّ أَمِيرٍ، أَيُّ وَلِيَّةِ إمَارَةٍ تَأْتِي، إنَّمَا هِيَ تَعْكِسُ الْمُجْتَمَعَ. إذَا كَانَ مُجْتَمَعًا عَلَى خَيْرٍ تَأْتِي الْمُجْتَمَعَ الْوِلايَةُ وَالْإِمَارَةُ عَلَى خَيْرٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُجْتَمَعُ عَلَى فَسَادٍ عَلَى قَطِيعَةٍ عَلَى ظُلْمٍ عَلَى فُجُورٍ، فَلَا تَأْتِي الْوِلايَةُ إلَّا عَلَى هَذِهِ الشَّاكِلَةِ. ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ رَجُلًا كَتَبَ إلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ يَشْتَكِي إلَيْهِ مَا يَجِدُهُ مِنْ جَوْرِ الْحُكَّامِ وَمِنْ جَوْرِ الْعُمَّالِ. فَلَمَّا كَتَبَ إلَيْهِ، فَإِذَا بِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ كَتَبَ رَدًّا لِهَذَا الَّذِي يَشْتَكِي مِنْ جَوْرِ الْأُمَرَاءِ. قَالَ بَعْدَ السَّلَامِ: «قَدْ وَصَلَنِي كِتَابُكَ، وَقَدْ ذَكَرْتَ فِيهِ مَا تَشْكُو مِنْ جَوْرِ الْعُمَّالِ». أَيْ جَوْرِ الْحُكَّامِ. قَالَ: «وَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي» - يَقُولُ هَكَذَا الْعَالِمُ - «لِمَنْ فَعَلَ الْمَعْصِيَةَ أَنْ يُنْكِرَ الْعُقُوبَةَ، وَمَا أَظُنُّ الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ إلَّا مِنْ شُؤْمِ ذُنُوبِكُمْ وَالسَّلَامُ». أَنْتَ الرِّسَالَةُ وَرَدُّهُ إلَيْهِ. فَهَذَا أَخَوَانًا فِقْهُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَلَى هَذَا سَارَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْ هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَمِنْ تَعَدُّدِ الْوِلايَاتِ، ذَاكَ بِوِلايَةٍ وَذَاكَ بِحُكْمٍ، وَذَاكَ ظَالِمٌ وَذَاكَ غَاشِمٌ وَذَاكَ سَارِقٌ، هَذَا يَعْنِي انْعِكَاسًا عَنْ الْمُجْتَمَعِ، انْعِكَاسًا عَنْ الْمُجْتَمَعِ. انْظُرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ، انْظُرْ الْمُجْتَمَعَاتِ، كَيْفَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمُجْتَمَعِ وَبَيْنَ وَلِيِّهِمْ؟ ثَلَاثَةٌ: وَافَقَ مُجْتَمَعٌ عَلَى صَلَاحِ الْأُمَرَاءِ عَلَى صَلَاحٍ، تَنْزِلُ. مُجْتَمَعٌ فِيهِ دُخْنٌ، حُكَّامُهُمْ أَمْرُهُمْ فِيهِمْ دُخْنٌ، تَنْزِلُ. تَرَى الْمُجْتَمَعَ فِيهِ فُجُورٌ، حُكَّامُهُمْ أَمْرُهُمْ فِيهِ فُجُورٌ. بَلْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ - كَمَا بَيَّنَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ هَذَا فِي «مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ» بِكَلَامٍ مُطَوَّلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ وَبَيَّنَ. قَالَ مَثَلًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «لَوْ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ أَوْ أَنَّ النَّاسَ يَتَعَامَلُونَ بِالسَّرِقَةِ وَالرَّشَوَى، فَإِنَّهُ يَأْتِي مَنْ حُكَّامِهِمْ مَنْ يَتَعَامَلُ بِالسَّرِقَةِ وَالرَّشَوَى». وَإِنْ وُجِدَ مِنْ النَّاسِ مُجْتَمَعٌ قَدْ انْتَشَرَ فِيهِمُ الظُّلْمُ وَثَلْكُ الدِّمَاءِ وَالْبَطْشُ، يُبْتَلَوْنَ بِحُكَّامٍ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، يُلَقِنُونَهُمُ الظُّلْمَ وَثَلْكَ الدِّمَاءِ. وَهَكَذَا نَحْنُ نَرَى إخْوَانِي فِي اللَّهِ، تَنْظُرُ فِي هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْآنَ، وَبِمَا ابْتُلُوا بِهِ. تَنْظُرُ مَاذَا هُوَ بَعِيدًا؟ إنَّمَا الَّذِي سُلِّطَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِمْ، بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِمْ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ - وَهَذَا هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ وَفِيهِ كَلَامٌ يُذْكَرُ عَنْ نَبِيِّنَا - أَنَّهُ قَالَ: «كَمَا تَكُونُوا يُولَى عَلَيْكُمْ، وَفِي لَفْظَةٍ: «كَيْفَمَا تَكُونُوا يُولَى عَلَيْكُمْ». هَذَا الْحَدِيثُ جَاءَ بِعِيدِ الطُّرُقِ إلَى أَنَّهَا مَعْلُولَةٌ فِيهَا بَعْضُ الْمَجَاهِيلِ، وَلِهَذَا أَعَلَّهَا مَنْ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «الْفَوَائِدِ الْمَجْمُوعَةِ» ضَعَّفَهَا، وَكَذَلِكَ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ فِي «الضَّعِيفَةِ» مِنْ كُتُبِهِ أَعَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ. لَكِنَّ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادِ لَمْ يَصِحَّ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَهُوَ صَحِيحٌ. كَيْفَمَا تَكُونُوا يُولَى عَلَيْكُمْ. أَنْتُمْ يَا عِبَادَةَ تُرِيدُونَ الْأَخْيَارَ أَنْ يُولَى عَلَيْنَا، فَنَظَرُ فِي أَنْفُسِنَا، هَلْ نَحْنُ وَصَلْنَا إلَى دَرَجَةِ الْأَخْيَارِ هَؤُلَاءِ؟ إنْ كُنَّا نَحْنُ أَخْيَارًا فَسَنُبَشَّرُ بِكُلِّ خَيْرٍ بِأَنَّ مَنْ سَيُولَى عَلَيْنَا مِنْ الْأَخْيَارِ. أَمَّا نَحْنُ عَلَى فُجُورٍ وَعَلَى انْغِمَاسٍ فِي الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ، فَلَنْ يَأْتِيَنَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ - كَمَا نَزْعُمُ - وَلِهَذَا يَقُولُ الْإِمَامُ الطُّرْطُوشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ «سِرَاجِ الْمُلُوكِ»: «لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَعْمَالُكُمْ عُمَّالُكُمْ، كَيْفَمَا تَكُونُوا يُولَى عَلَيْكُمْ، أَعْمَالُكُمْ عُمَّالُكُمْ». تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ سَيَكُونُ الْوَالي عَلَيْكَ؟ وَانْظُرْ إلَى عُمَّالِكَ كَيْفَ؟ أَعْمَالُنَا عُمَّالُنَا. إذَا كَانَتْ أَعْمَالُ النَّاسِ أَعْمَالُ الْمُجْتَمَعِ تَسُودُهَا الْخَيْرُ، الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ عَلَى الطَّاعَاتِ، تَرْكُ الرَّذَائِلِ، تَرْكُ الْكَبَائِرِ، تَرْكُ الْمُوبِقَاتِ، تَرْكُ الْحُرُمَاتِ، تَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ، سُلِّطَ عَلَيْهِمْ بِمَنْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. بَعِيدًا عَنْ الْحُرُمَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْأَرْجَاسِ وَالْأَنْجَاسِ. أَمَّا إذَا كُنَّا إخْوَانِي فِي اللَّهِ عَلَى شَرٍّ، عَلَى سَرِقَةٍ، عَلَى اخْتِلَاسٍ، عَلَى الرَّشَوَى، عَلَى نَهْبٍ، عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، أَكْلِ أَمْوَالِ الْمَسَاكِينِ، عَلَى قَتْلِ الْأَنْفُسِ، عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ، عَلَى تَطَاوُلٍ عَلَى الْأَعْرَاضِ، مَاذَا سَنَتَوَقَّعُ؟ وَاَللَّهِ مَا تَوَقَّعْنَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَنْ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. «أَعْمَالُكُمْ عُمَّالُكُمْ، كَيْفَمَا تَكُونُوا يُولَى عَلَيْكُمْ». فَأَمَّا إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ نَفْهَمَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ. أَمَّا مَا نَرَاهُ مِنْ هَذِهِ الزَّوْبَعَاتِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَفِي غَيْرِ مِنْ الْبِلَدَانِ، يَخْرُجُ النَّاسُ يَطَالِبُونَ بِمَاذَا؟ بِأَنْ يُولَى عَلَيْهِمْ الْأَخْيَارُ. فَإِذَا تَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ مِنْ أَشَرِّ خَلْقِ اللَّهِ، مَا سَيَأْتِي أَبَدًا. وَيُذْكَرُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَمَنِهِ ظَهَرَتْ بَعْضُ مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ، وَقَامَ وَنَاوَشَ هُنَا وَنَاوَشَ هُنَا. فَتَضَايَقَ الْمَلِكُ مِنْ هَذِهِ الْخُرُوجَاتِ فِي زَمَنِهِ، فَجَمَعَ الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ وَالسَّاسَةَ وَالْقُوَّادَ فِي مَكَانٍ، فَاسْتَحْضَرَ هَذَا السُّؤَالَ. قَالَ: «أَتُرِيدُونَ مِنِّي أَنْ أَسِيرَ فِيكُمْ كَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ تُرِيدُونَ هَذَا؟ أَنْ أَكُونَ لَكُمْ خَلِيفَةً رَاشِدًا عَادِلًا؟» قَالُوا: «نَعَمْ، نَطْلُبُ هَذَا». فَقَالَ: «إذَنْ كُونُوا مَعِي كَأَمْثَالِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ». إذَنْ مَا يُمْكِنُ، أَنَا أَكُونَ كَخَلِيفَةٍ رَاشِدٍ وَأَنْتُمْ عَلَى هَذَا الظُّلْمِ وَعَلَى هَذَا التَّمَرُّدِ، مَا يُمْكِنُ. وَفِي لَفْظَةٍ - كَمَا فِي «شَجَرَةِ الذَّهَبِ» - قَالَ: «مَا أَنْصَفْتُمُونِي يَا مَعْشَرَ الرَّعِيَّةِ، تُرِيدُونَ أَنْ أَسِيرَ فِيكُمْ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَا تَسِيرُونَ أَنْتُمْ بِسِيرَتِهِمْ». هَذَا مَا يُمْكِنُ. أَنْتُمْ فِي وَادٍ مِنْ مَهَالِكَ وَمَظَالِمَ، وَأَنَا أَكُونَ خَلِيفَةً رَاشِدًا؟ مَا يُمْكِنُ. لَا بُدَّ إنْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ كَأَمْثَالِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، سَأَكُونُ أَنَا كَمِثَالِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَإخْوَانِي فِي اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ نُغْفِلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، وَالْأَسَفُ لَيْسَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ خَفِيَّةً عَلَى عَوَامِّ النَّاسِ، بَلْ حَتَى عَلَى بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ، وَبَعْضِ الدَّعَوَاتِ. إذَا خَرَجَتْ وَتُنَادِي بِإِزَاحَةِ الْهَرَمِ، بِإِزَاحَةِ الْهَرَمِ. إذَا سَقَطَ الرَّأْسُ تُزِيحُ هَذَا الرَّأْسَ، يَأْتِي بِرَأْسٍ آخَرَ سَيَكُونُ مِثْلَ الرَّعِيَّةِ، هَذَا مُجَرَّبٌ. انْظُرْ لِأَصْحَابِ الِاغْتِيَالَاتِ وَالتَفْجِيرَاتِ وَالْخُرُوجَاتِ، مَاذَا الَّذِي وَفَّقَهُمْ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ الرُّؤُوسِ؟ لَكِنْ تَنْظُرُ مَا الْخَلِيفَةُ الَّذِي يَأْتِي عَلَى الصُّورَةِ؟ مَا هِيَ الْقَاعِدَةُ؟ التَّغْيِيرُ مِنْ تَحْتِ. وَهَذَا الَّذِي نَادَى بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، بِمَا يُسَمَّى بِالتَّرْبِيَةِ وَالتَّصْفِيَةِ وَالتَّزْكِيَةِ، بِتَرْبِيَةِ الشُّعُوبِ، بِدَعْوَةِ نَاسِي الْخَيْرِ. إذَا صَلَحْتَ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ فِي نَفْسِكَ، وَصَلَحَ أَهْلُ بَيْتِكَ، وَصَلَحَتِ الْحَافَةُ، وَصَلَحَتِ الْحَارَةُ، وَصَلَحَ الْمُجْتَمَعُ، وَصَلَحَ خَلَاصٌ، يُصْلِحُ الْأَوْضَاعَ كَمَا يُقَالُ مُبَاشَرَةً. وَهَكَذَا. وَلِهَذَا كَانَ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَكْثَرِ مَجْلِسٍ يُذَكِّي وَيُذَكِّرُ بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ بَعْضِ الدُّعَاةِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «أَقِيمُوا دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ فِي قُلُوبِكُمْ، تَقُمْ لَكُمْ عَلَى أَرْضِكُمْ». إذَا أَرَى دَوْلَةَ الْإِسْلَامِ أَوْشَكَتْ أَنْ تَقُومَ فِي قُلُوبِنَا، نَحْنُ فِي قَلْبِي، فِي قَلْبِكَ، فِي قَلْبِ هَذَا، فِي الزَوْجَةِ، فِي الْمَرْأَةِ، فِي الْأَوْلَادِ، فِي الْأَجْدَادِ، فِي الْجِيرَانِ، فِي الْأَقَارِبِ، فِي الْأَرْحَامِ. إذَا أُقِيمَتْ دَوْلَةُ الْإِسْلَامِ فِي الْوَاقِعِ، سَتُقَامُ كَذَلِكَ فِي الْوَطَنِ فِي الْأَرْضِ. أَمَّا كَمْ يُقَالُ: لَا نُطَبِّقُ الشَّرِيعَةَ فِي غَيْرِنَا، وَنَحْنُ لَا نُطَبِّقُ الشَّرِيعَةَ؟ هَذَا لَا يُمْكِنُ، هَذَا لَا يُمْكِنُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ. وَلِهَذَا - كَمَا قُلْنَا - مَنْ تَأَمَّلَ إلَى عِبَارَاتِ السَّلَفِ - وَهِيَ عِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا - أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا أَنْفُسَهُمْ وَوَطَّنُوهَا، وَعَلِمُوا غَيْرَهُمْ أَنَّهُ مَا يُمْكِنُ أَنْ تُصْلِحَ هَذِهِ الْأَوْضَاعُ إلَّا بِفَلَاحِ الشُّعُوبِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ. أَمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّعْبُ عَلَى بُعْدٍ، وَيَطَالِبُ مَنْ يُوَلِّيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَيْرٍ وَهُوَ عَلَى شَرٍّ، هَذَا لَا يُمْكِنُ. نَكُونُ نَحْنُ عَلَى خَيْرٍ، تُرَبَّى الْمُجْتَمَعَاتُ عَلَى الْفَضِيلَةِ. فَيُنْظَرُ مَاذَا؟ أَنَّ الْفَضَلَاءَ هُمْ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ عَلَيْنَا وَعَلَى رِقَابِنَا. وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ رِسَالَةٌ يَقُولُ لِبَعْضِ إخْوَانِهِ: «اعْلَمْ - وَفَقَنِيَ اللَّهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ جَوْرَ الْمُلُوكِ» - جَوْرَ الْمُلُوكِ أَيْ ظُلْمَ الْمُلُوكِ - «أَنَّ جَوْرَ الْمُلُوكِ نِقْمَةٌ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَأَنَّ نِقَمَ اللَّهِ لَا تُرْفَعُ وَلَا تُسْتَدْفَعُ بِالسُّيُوفِ، وَإِنَّمَا تُدْفَعُ بِالدُّعَاءِ وَالْإِقْلَاعِ وَالتَّوْبَةِ عَنْ الذُّنُوبِ». هَكَذَا فِقْهُ الْأُمَّةِ. قَالَ: إذَا ابْتُلِينَا بِجَوْرٍ، بِظُلْمٍ أَوْ غِشٍّ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَمِنْ الْوُلاةِ الْعُلْيَا عَلَيْنَا، فَلْنَعْلَمْ أَنَّ هَذَا مَاذَا؟ عُقُوبَةٌ مِنْ اللَّهِ. قَالَ: «اعْلَمْ أَنَّ جَوْرَ الْمُلُوكِ نِقْمَةٌ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا، عُقُوبٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَيْدِينَا، لِمَا كَسَبَتْ أَيْدِينَا، عَثُنَا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، مَا قَدَرْنَا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، فَابْتَلَانَا اللَّهُ بِبَعْضِ ذُنُوبِنَا، أَنْ سَلَّطَ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَخَافُ فِيَنَا، هَذَا نِقْمَةٌ مِنْ اللَّهِ». قَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ نِقَمَ اللَّهِ لَا تُسْتَدْفَعُ بِالسُّيُوفِ». لَا يُمْكِنُ أَنْكَ تُعَارِضُ قَدَرَ اللَّهِ بِسَيْفِكَ، مِنْ أَنْتَ؟ كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ خُرُوجٌ مَا يَنْفَعُ. قَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ نِقَمَ اللَّهِ لَا تُرْفَعُ وَلَا تُسْتَدْفَعُ بِالسُّيُوفِ، وَإِنَّمَا تُدْفَعُ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ، وَمَاذَا؟ وَالْإِقْلَاعِ عَنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي». كَمَا قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَا كَمَا يَجْمَعُهُ قَوْلُ رَبِّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. فَإِخْوَانِي فِي اللَّهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نُوطِنَ أَنْفُسَنَا، وَيَكُونَ ذَلِكَ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَامَّةً فِي نُصُوصِ أَعْيُنِ الْجَمِيعِ. فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا مَا يُغَيِّرُ شَيْئًا إلَّا إذَا غَيَّرْنَاهُ نَعَمْ مِنْ أَنْفُسِنَا. إنْ أَرَيْنَا اللَّهَ جَلّ وَعَلَا مَا فِينَا مِنْ خَيْرٍ، حِينَئِذٍ يَأْتِينَا اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِالْخِيَارِ، لَيْسَ يُوَلِّي عَلَيْنَا. وَمَنْ نَظَرَ إلَى حَالِ السَّلَفِ، إلَى وَاقِعِ الْأُمَّةِ، يَرَى مُصَدَّاقَةَ ذَلِكَ. فَأَسْأَلُ مَوْلَانَا جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.