الدرس في مختارات من فتاوى اللجنة الدائمة 1، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
المقطع يشرح أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. اللجنة الدائمة للإفتاء تجيب على أسئلة حول تعريف كل نوع من أنواع التوحيد.
من يعتقد أن أحدا يشارك الله في التصرف في الكون كافر لأنه أشرك مع الله غيره في الربوبية. ثبت في القرآن والسنة أن الأرضين سبع كما خلق سبع سماوات.
الاعتقاد بأن أحدا سوى الله يرزق أو يعطي الذرية هو شرك بالله، وقد بينت اللجنة الدائمة أن من اعتقد ذلك فهو مشرك شركا أشد من شرك الجاهلية.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. فإن شاء الله تعالى في مثل هذا الوقت نقرأ مختارات من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء للبحوث العلمية والإفتاء في العقيدة، وفي التفسير، وفي الفقه من عبادات ومعاملات وغيرها، ونسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بها. ونبدأ هذه الليلة في قراءة في فتاوى في العقيدة. يقول السائل: ما المقصود بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات والذات؟ أجابت اللجنة: الجواب توحيد الربوبية هو توحيد الله جل وعلا بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحو ذلك. وتوحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة من صلاة وصوم وحج وزكاة ونذر وذبح ونحو ذلك. وتوحيد الأسماء والصفات أن تصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وتسميه بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وبالله التوفيق. فالجواب واضح، المراد بتوحيد الربوبية توحيد الرب جل وعلا بأفعاله، بأن يفرد الرب جل وعلا في أفعاله، فما هو من فعله جل وعلا فيجب أن يفرد. ومن أفعاله الخلق والرزق والإحياء والإماتة والملك والتدبير وغير ذلك. وتوحيد الألوهية إفراد الله جل وعلا بأفعال العباد: الصلاة، الصيام، الزكاة، الدعاء، الاستغاثة، النذر، الذبح، التوكل، الرغبة، الرهبة، الخشية، الرجاء، الخوف، الإنابة إلى آخر ذلك. وتوحيد الأسماء والصفات أن يوصف الرب جل وعلا بما وصف به نفسه أو وصف به رسوله عليه الصلاة والسلام، وأن يسمى بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله عليه الصلاة والسلام، لكن من غير تمثيل لتلك الصفات، من غير تشبيه، ومن غير تحريف، ومن غير تعطيل، ومن غير تكييف. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. سائل يسأل، يقول: ما هي أنواع التوحيد مع تعريف كل منها؟ أجابت اللجنة: أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة وسائر أنواع التصريف والتدبير لملكوت السماوات والأرض، وإفراده تعالى بالحكم والتشريع بإرسال الرسل وإنزال الكتب. قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وتوحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا يعبد غيره، ولا يدعى سواه، ولا يستغاث، ولا يستعان إلا به، ولا ينذر، ولا يذبح، ولا ينحر إلا له. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وتوحيد الأسماء والصفات هو وصف الله تعالى وتسميته بما وصف وسمى به نفسه، وبما وصفه وسماه به رسوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، وإثبات ذلك له من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وبالله التوفيق. السائل يسأل عن أنواع التوحيد وتعريف كل واحد منها. وجواب اللجنة بأن أنواع التوحيد ثلاثة، وهذا بدلالة الاستقراء والتتبع للنصوص، قد دلت عليها نصوص في القرآن، سورة الفاتحة دلت على هذه الأنواع الثلاثة، سورة الإخلاص وغيرها من النصوص، أدلة على أنواع التوحيد على هذه الأنواع الثلاثة: ربوبية، وألوهية، وأسماء وصفات. تعريف توحيد الربوبية تقدم: إفراد الله جل وعلا بأفعاله. وتوحيد الألوهية: إفراد الرب جل وعلا بأفعال العباد. وتوحيد الأسماء والصفات بإثبات أو بتسمية الرب جل وعلا بما سمى به نفسه، وهكذا بما سماه به رسوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا بما وصف الله جل وعلا به نفسه، ووصفه به رسوله عليه الصلاة والسلام، لكن من غير تمثيل، ومن غير تكييف، ومن غير تحريف، ومن غير تعطيل. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ليس كمثله شيء رد على أهل التمثيل، وهو السميع البصير رد على أهل التحريف والتعطيل. والآية فيها بيان إثبات الأسماء والصفات من غير تمثيل، وتنزيه الرب جل وعلا عن النقائص والعيوب من غير تحريف ولا تعطيل. يقول السائل: هل من يعتقد تصرف أحد في الكون سوى الله كافر؟ أجابت اللجنة: من يعتقد ذلك كافر؛ لأنه أشرك مع الله غيره في الربوبية، بل هو أشد كفرا، بل هو أشد كفرا من كثير من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره في الألوهية. وبالله التوفيق. وهذا واضح، الذي يعتقد أن أحدا مع الله جل وعلا يتصرف في الكون، كمن يعتقد في الأولياء أو في الأئمة الاثني عشر عند الرافضة لهم تصرفات في الكون، أو عند المتصوفة يعتقدون في الأقطاب وأنهم يدبرون ويتصرفون إلى آخر ذلك، فهذا الشرك الأكبر، مخرب من الله في الربوبية، بل كفره أشد من كفر المشركين. المشركون ما يقولون ذلك، ولا يقولون بأن أحدا يتصرف مع الله جل وعلا في الكون، فهم يثبتون أن الله جل وعلا هو الذي له التصرف وحده، ولكن يقعون في شرك الألوهية، فيجعلون آلهة مع الله جل وعلا، فلذلك هو كافر مشرك خارج عن دائرة الإسلام. يقول السائل: هل يوجد في القرآن الكريم الأراضون السبع أو عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن فيه اختلافا بيننا؟ وفي أي سورة من القرآن الكريم أو حديث عن نبي صلى الله عليه وسلم أو حديث عن نبي صلى الله عليه وسلم؟ جزاكم الله خير الجزاء. أجابت اللجنة: ثبت في القرآن الكريم أن الله تعالى خلق سبع أرضين كما خلق سبع سماوات. قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. وثبت أيضا في الحديث الصحيح أن الأرضين سبع. فقد روى البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين». وفي الصحيحين عن عائشة مرفوعا مثله. وبالله التوفيق. يعني ذكر في القرآن أن الأراضي سبع في قوله جل وعلا: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يعني جاء التصريح بأن السماوات سبع في القرآن كما في قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ هذا صريح، وهكذا في الأرضين قال جل وعلا: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ يعني سبع أرضين. وفي السنة جاء التصريح بلفظ السبع كما في الصحيحين كما سمعتم في الحديث: «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين»، فهذا دل على أن الأرضين سبع، دل على ذلك الكتاب والسنة، الكتاب بذكر المثلية، والسنة بالتصريح بأن الأرضين سبع. يقول السائل: نشاهد ونقرأ في بعض الصحف العربية عن عمليات يقوم بها بعض الأطباء في أوروبا يتحول بها الذكر إلى أنثى والأنثى إلى ذكر، فهل ذلك صحيح؟ ألا يعتبر ذلك تدخلا في شؤون الخالق الذي انفرض بالخلق والتصوير؟ وما رأي الإسلام في ذلك؟ أجابت اللجنة: لا يقدر أحد من المخلوقين أن يحول الذكر إلى أنثى ولا الأنثى إلى ذكر، وليس ذلك من شؤونهم ولا في حدود طاقتهم مهما بلغوا من العلم بالمادة ومعرفة خواصها. إنما ذلك إلى الله وحده. قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، فأخبر سبحانه في صدر الآية بأنه وحده هو الذي يملك ذلك ويختص به، وختم الآية ببيان أصل ذلك الاختصاص وهو كمال علمه وقدرته. ولكن قد يشتبه أمر المولود فلا يدرى أذكر هو أم أنثى، وقد يظهر في باديء الأمر أنثى وهو في الحقيقة ذكر أو بالعكس، ويزول الإشكال في الغالب وتبدو الحقيقة واضحة عند البلوغ، فيعمل له الأطباء عملية جراحية تتناسب مع واقعه من ذكورة أو أنوثة، وقد لا يحتاج إلى شق ولا جراحة. فما يقوم به الأطباء في مثل هذه الأحوال إنما هو كشف عن واقع حال المولود بما يجرونه من عمليات جراحية لا تحول الذكر إلى أنثى ولا الأنثى إلى ذكر. وبهذا يعرف أنهم لم يتدخلوا فيما هو من شأن الله، إنما كشفوا للناس عما هو من خلق الله. والله أعلم. يعني هذا يسأل سائل عن العمليات التي يجريها الأطباء في أوروبا في بعض الدول المتقدمة، يعني يحول الذكر إلى أنثى أو الأنثى إلى ذكر، فهذا ليس معناه كما ظن السائل، الأمر ليس في تحول الذكر إلى أنثى ولا الأنثى إلى ذكر، وإنما هو التوصل إلى الحقيقة التي عليها هذا المخلوق الذي في أول أمره لا يدرى؛ لأن بعض الناس لا يدرى هل ذكر أم أنثى؟ ربما بعض الناس عندهم آلتان: آلت الذكر وآلت الأنثى مع بعض، فلا يدرى أهو ذكر أم هو أنثى؟ لكن إذا كبرت ظهرت عليه العلامات، ربما من استيفاء الثدي أو غير ذلك، فالأطباء في ذلك الوقت يجرون العملية التي يتحقق بها هل هو ذكر أم أنثى؟ فهم إذا فعلوا هذا إنما كشفوا عن الحقيقة التي جهلوها في أول أمرهم، هم في أول أمر جهلوا ما يجرون، لكن بعد ذلك ظهر من حقيقة هذا المخلوق هل هو ذكر أم أنثى؟ لكن يحتاج إلى عملية، ربما بإزالة ذلك العضو مثلا هو أنثى وليس بذكر، إذن يزال ذلك العضو لأنه إنما ظهر فيه، أو العكس وهكذا. أما تحويل الذكر إلى أنثى وأنثى إلى ذكر فهذا ليس في إمكان الخلق، وإنما هو من حق الخالق جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى هو الذي قضى بالذكورية وقضى بالأنوثة. والإنسان في بطن أمه وفي بطن أمه يبعث الله جل وعلا ملكا فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد وهكذا ذكر أو أنثى. وأما ما يتعلق بمثل هذه العمليات إنما توصل إلى الحقيقة التي ربما خفيت في أول أمرها، ثم بعد ذلك ظهرت بعد ذلك. فالله جل وعلا يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، وكذلك يجعل من يشاء عقيما، فالأمر له من قبل ومن بعد جل وعلا، لا يتدخل في ذلك الأمر والشأن أحد من خلق الله جل وعلا، ولا يستطيع ذلك. يقول السائل: هذا الولد من عطاء المرشد، وهذا الذي يزيد في الرزق وينقص، ما الحكم في هذا الاعتقاد؟ أجابت اللجنة: من اعتقد أن الولد من عطاء غير الله، وأن أحدا سوى الله يزيد في الرزق وينقص منه فهو مشرك، وينقص منه فهو مشرك شركا أشد من شرك العرب وغيرهم في الجاهلية. فإن العرب ونحوهم كانوا في جاهليتهم إذا سئلوا عمن يرزقهم من السماء والأرض وعمن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي قالوا: الله. وإنما عبدوا آلهتهم الباطلة لزعمهم أنها تقربهم إلى الله زلفة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، وقال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾. وتبين في السنة أن العطاء والمنع إلى الله وحده، من ذلك ما رواه البخاري في باب الذكر بعد الصلاة من صحيحه أن ورادا كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». لكن قد يعطي الله عبده ذرية ويوسع له في رزقه بدعائه ولجوئه إليه وحده، كما هو واضح في سورة إبراهيم من دعاء إبراهيم الخليل ربه وإجابة الله دعاءه، وفي سورة مريم والأنبياء وغيرهما من دعاء زكريا ربه وإجابته دعاءه. وكما ثبت عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه». رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. والله أعلم. وخلاصة الجواب أن من اعتقد أن أحدا يعطي الولد أو يعطي الرزق فهذا قد أشرك بالله جل وعلا، وشركه أعجل من شرك العرب؛ لأنهم ما كانوا يقولون ذلك، ولا يعتقدون ذلك. ذلك نكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.