كتاب الأطعمة والذبائح والصيد 4

الدرس في كتاب الأطعمة والذبائح والصيد 4، ألقاها

الأطعمة المحرمة في الإسلام وتفصيلها

يتناول هذا الفصل الأطعمة المحرمة في الإسلام، ويشمل ذلك الأطعمة التي تسبب الضرر، وما قطع من الحيوان حيًا، وسباع البهائم والطير، والطيور التي تأكل الجيف، والحيوانات التي أوذن بقتله. كما يشمل تحريم أكل بعض الحيوانات والحشرات مثل الحمر الأهلية والجلالة.

معايير تحديد الطيب والخبيث من الأطعمة

يشرح هذا الفصل كيفية تحديد الطيب والخبيث من الأطعمة بناءً على ما ورد في الشريعة وعرف العرب في ذلك الوقت، مستندًا إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية. كما يتناول تحريم ما يستخبث من الأطعمة كالحشرات الضارة.

حكم الأطعمة المسكوت عنها وتحريم الأطعمة ذات الرائحة الكريهة

يتناول هذا الفصل حكم ما سكت عنه الشارع من الأطعمة، مبينًا أن الأصل في الأشياء الإباحة، واستدل بقول الله تعالى وحديث أبي الدرداء. كما يشمل تحريم الأطعمة ذات الرائحة الكريهة لما فيها من ضرر، مستدلًا بحديث "لا ضرر ولا ضرار".

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، من مسائل والأحكام التي توقفنا عندها في كتاب الأطعمة قولهم: ويحرم من الأطعمة أيضًا. بعد أن تقدم ذكر ما جاء النص بتحريمه في الآية السابقة، هناك أيضًا من الأطعمة ما هي محرمة. فمنها قال: ويحرم من الأطعمة أيضًا ما فيه مضرة. يعني الأمر الثاني: ما فيه مضرة. الأمر الأول: المحرمات من الطعام في كتاب لا محصورة في عشرة أشياء المذكورة في الآية. ثانيًا: ما فيه مضرة، كالسم والخمر وسائر المشكرات والمفترات، لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، وقوله عز وجل: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾. مر معنا في دروسٍ مضت قاعدة في هذا، وأن المحرمات لضررها من الأطعمة قد يكون ذلك الضرر لذاته، وقد يكون الضرر لغيره. كما تقدم معنا: لذاته، كما ذكرها هنا كالسم، فهو ضررٌ على البدن، والخمر وهو ضررٌ على العقل، وسائر المشكرات والمفترات كذلك. الخمر هو به ضرر على العقل، وكذلك على الجسم، هذا ضرره لذاته. وما كان ضرره لغيره، كما تقدم، هو ما كان بالأصل حلالًا، لكن الضرر الذي يسبب الهلاك والإضرار بشخصٍ ما إذا تناول ذلك الطعام أو ذلك الشراب، فذلك الطعام أو ذلك الشراب المعين على ذلك الشخص المعين يكون محرمًا لضرره، وإن كان في أصله حلالًا. كما تقدم أن ذكرنا مثل السكر لمن به سكر حاد، أو اللحوم لمن منع منها، وما شابه ذلك. فإنها تكون على ذلك الشخص محرمًا. معنى أنه إذا أكلها يكون آثمًا بأكله لذلك الطعام؛ لأنه داخل في قول الله جل وعلا: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾. وهذا قد ألقى بنفسه إلى التهلكة. وكذلك يكون داخلًا في قول الله جل وعلا: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، وهذا قتل نفسه أو تسبب في قتل نفسه والإضرار بنفسه. والقاعدة النبوية في ذلك: «لا ضرر ولا ضرار». بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- مما ذكره تحت هذا الباب وتحت هذه القاعدة: أن الإنسان إذا أكل أكلًا كثيرًا بحيث أنه يتضرر من ذلك الطعام الكثير، فإن ذلك الطعام الكثير يحرم عليه، وإن كان في أصله حلالًا. لكن لما أدى إلى الإضرار والضرر به، فإنه يحرم لأجل هذا المعنى. داخلًا أو تحت القاعدة المذكورة: «لا ضرر ولا ضرار»، «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»، «ولا تقتلوا أنفسكم». إن الله كان بكم رحيمًا. فعدت أشياء دخلت، عدت أشياء أدخلها العلماء -رحمهم الله تعالى- في ذلك. وما كان في معنى ذلك دخل في ضمن هذه القاعدة. الأمر الثالث: ما قطع من الحي. ما قطع من الحي، لحديث أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة». وهو أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه العلماء الألباني -رحمه الله-. ومعنى ما قطع من الحي: الأمر فيه واضح. يعني مثال ذلك: لو أن إنسانًا قطع يد شاة وهي حية، فأكلها. ما حكم هذه الشاة أو تلك اليد المقطوعة من الشاة الحية؟ الجواب: أنه ميتة. لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة». فيجب في ذلك أن يذبح تلك الشاة ثم يأكلها. أما أن يقطع عضو منها وهي حية، فإن ذلك العضو إذا انفصل يكون ميتة. وهذا قد يحصل في ماذا؟ في الصيد. هذا قد يحصل في الصيد. يعض الناس يرمي حيوانًا ما، فيخرج منه مثلًا رجل أو يد، ويفر ويدخل في جحر أو يدخل في شيء. فهل يحل له ذلك العضو؟ الجواب: لا يحل له ذلك العضو. لماذا؟ لأنه ميتة. لأنه ميتة. علم من هذا: أن ما كان من الحيوانات التي هي حلال ويشترط فيها الذبح بشروطه الآتي ذكرها -بإذن الله جل وعلا- في الباب الآتي، إذا قطع إنسان منها عضوا وهي حية، فإن ذلك العضو المقطوع يكون ميتًا، فيحرم أكله. الأمر الرابع: سباع البهائم. والسباع معناها: التي تفترس، المفترسة. ولو عبر بالتعبير النبوي لكان خيرًا. أي: بأن يقال: كل ذي ناب من السباع. هو تعبير نبوي أكمل وأحسن من جميع النواحي. قالوا: سباع البهائم، وهي التي تفترس بنابها، أي: تنهش من حيوانات البر كالأسد والذئب والنمر والفهد والكلب. لحديث أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كل ذي ناب من السباع. والحديث متفق عليه. ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام». رواه مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-. الشاهد من الحديث: أن كل ذي ناب من السباع. فكما مر معنا كذلك في أول الدرس في القواعد: أن هذا الحيوان المحرم لا يكون محرمًا إلا إذا توفر فيه شرطان. الشرط الأول: أن يكون ذا ناب يفترس به. أو فيه. الأمر الثاني: أن يكون سبعًا. أن يكون سبعًا. فما لم يكن كذلك، فإنه حلال. فإنه يكون حلالًا. الأمر الخامس: سباع الطير. وهي التي تصيد بمخالبها. كذلك سباع الطير. لو عبر بالتعبير النبوي لكان أفضل. فقيل: كل ذي مخلب من الطير. سباع الطير، وهي التي تصيد بمخلبها. والمخلب: كما تقدم معنا في الحيوان، كالظفر في الإنسان. والمقصود بها: من تصطاد، أي: تفترس بمخالبها. تفترس بمخالبها. قالوا: وهي التي تصيد بمخلبها، كالعقاب والباز والصقر والحدأة والبومة. لحديث ابن عباس -رضي الله عنه- ما قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كل ذي ناب من سباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور. وهو في مسلم. وقد تقدم. وشاهد منه واضح. وقد تقدم الكلام على هذا في أول الدرس. هذه الأمور كلها مرت، فنمر عليها مرورًا. الأمر السادس: ويحرم من الطيور ما يأكل الجيف، كالنسر والرخمة. وكالنسر والرخم والغراب، لخبث ما يتغذى به. لخبث ما يتغذى به. ولأنه كذلك عند العرب مما يستخبث. عند العرب مما يستخبث. فهذه الطيور المذكورة: أكلها أو تعتمد في أكلها على الجيف. بخلاف ما قبلها من الطيور، فإنها تصطاد. لكن هذه إذا رأت جيفة أكلت من تلك الجيفة. فهي مما يستخبث. والقاعدة كما مر معنا: أن كل خبيث من الطعام، فإنه حرام. لعموم قول الله جل وعلا: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾. الأمر السابع: يحرم كل حيوان أوذب قتله، كالحية والعقرب والفارة والحدأة. لحديث عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «خمس من الدواب كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفارة والكلب العقور». ولكونها مستخبثة مستقدرة. فهذه كذلك تحرم. يحرم أكلها؛ للقاعدة لذكرها العلماء -رحمهم الله- وتقدم ذكرها: أن كل ما أمر الشرع بقتله، فإنه يحرم أكله. يحرم أكله. ومن هذه المذكورات. ودليل القاعدة: هذا الحديث. وما جاء في معناه من حيث الأثر، ومن حيث النظر والمعنى. قالوا: بأنها مستخبثة ومستقذرة. هذا من حيث العقل المذكور فيها، إلى جانب ما وصفها به النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنها فواسق. ومعلوم أن الطعام يؤثر في آكله. إن كان طيبًا طيبه، وإن كان خبيثًا خبثه. فهذا من هذا الباب. والشيء بالشيء يذكر: تقدم معنا أيضًا قاعدة أخرى، وهي: أن كل ما نهى الشرع عن قتله، فأكله حرام. واضح. كل ما أمر الشرع بقتله فأكله حرام. وكل ما نهى الشرع عن قتله فأكله كذلك فأكله حرام؛ لأنه لا يتوصل إلى أكله إلا بقتله. وما لا يترك المحرم إلا بتركه، فتركه واجب. طيب. الأمر الثامن: الحمر الأهلية. لما روى جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية. والحديث متفق عليه. الحمر الأهلية المعروفة التي تعيش، والتي يستخدمها الناس في ركوبهم، في نقل متاعهم. ولا سيما أهل الأرياف والبوادي. فهي محرمة؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أكلها. الأمر التاسع: ما يستخبث من الأطعمة، كالفأرة والحية والذباب والزنبور والنحل. لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾. فهذه محرمة؛ لأنها من هذا الباب؛ لأنها مما يستخبثه العرب. ولا سيما أهل الحجاز. كما مر معنا في القاعدة التي مرت معنا ذكرها بعض أهل العلم، وهي: أن الخبائث تعرف إما بطريق النص من الكتاب والسنة، وإما بما استخبثته العرب. والمراد بالعرب: عرب الحجاز الذين أنزل عليهم القرآن. كما نص على ذلك جماعة من أهل العلم، هم العلامة أو الإمام الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى- في كتاب «المغني». قد يقول قائل: بعض الحيوانات لم تكن أصلًا موجودة في الجزيرة العربية أو عند العرب في بلاد العرب. فما حكمها؟ واضح. جماعة الآن. قلنا: ما استخبثه العرب، وكان خبيثًا عند العرب. وعند الاختلاف بين العرب يرجع إلى من؟ إلى عرب الحجاز الذين أنزل فيهم القرآن؛ لأن الله جل وعلا خاطبهم بقوله: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾. فمن العلماء، ومنهم الإمام ابن قدامة -رحمه الله- ذكر: أن هذه الآية تدل على أن ما كان طيبًا أحله الله جل وعلا لهم، وما كان خبيثًا عندهم حرمه الله جل وعلا عليهم. إذن: رجع الحل أو الطيب والخبث إلى ماذا؟ إلى ما تعارف عليه. إلى ما تعارف عليه. فما كان خبيثًا عندهم، فهو الخبيث. فيدخل في قول الله جل وعلا: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾. قلنا: فإذا وجد حيوان في غير الجزيرة، هل يحكم بحله أو بحرمته؟ واضح. جماعة. عملًا بقول الإمام ابن قدامة -رحمه الله تعالى- أيضًا في ضمن القاعدة المذكورة: قال: «وما لم يكن معروفًا عندهم، فإنه يقاس على ما كان معروفًا عندهم». فما كان طيبًا ألحق به، وما كان أصله خبيثًا ألحق به. واضح. جماعة. عملًا بذلك. فهذا تتمة للقاعدة المذكورة. تتمة للقاعدة المذكورة. مع التنبيه على أن بعض أهل العلم في قول الله جل وعلا: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾. قالوا: ليست الآية فيها تقرير لما كان طيبًا أو خبيثًا عندهم فحسب. بل معنى المراد بالآية: أن كل ما أحله الله فهو طيب، وكل ما حرمه الله فهو ماذا؟ فهو خبيث. كل ما حرمه الله تبارك وتعالى فهو خبيث. فليس يقول إنسان: شيء حرمه الله، هل هو طيب أو خبيث؟ واضح. جماعة. فقالوا: بأن مراد الآية: أن الله جل وعلا ما حرم إلا ما هو خبيث. علمه من علمه، وجهله من جهله. من جهله. وعلى هذا المعنى: هل تصح تلك القاعدة أو لا تصح؟ واضح. جماعة. الجواب: أنها تصح. إذا أضفنا إليها ما تقدم ذكره. ما هو الذي تقدم ذكره؟ أن الخبائث تعرف بطريقين. الخبائث تعرف بطريقين. الطريق الأولى: الوحي. عن طريق الوحي. فكل ما حرمه الله وحرمه رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو ماذا؟ فهو خبيث. وإن كان عند العرب قد يكون ماذا؟ ليس بخبيث. ممكن هذا. مثاله: أحسن. الحمر الأهلية. الحمر الأهلية كانت مما تؤكل إلى زمن خيبر. فلما كان يوم خيبر، نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لحوم الحمر الأهلية. إذن: كان العرب يعتادون ماذا؟ أكلها. لكن بيّن الشارع أنها من ماذا؟ من خبائث. فنهى عنها؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾. فبذكر هذا القيد وهذه الإضافة، صحت القاعدة. فيقال: بأن طريقة أو بأن معرفة الطيب والخبيث: بأن يقال: كل ما أحله الله جل وعلا فهو ماذا؟ فهو طيب. وإن كان بعض العرب يأنفه. واضح. وكل ما حرمه الله جل وعلا فهو خبيث. وإن كان بعض العرب لا يستخبثه. واضح. وما لم يأت ذكره في كتاب الله جل وعلا أو في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- بخبث أو طيبة، فإنه يرجع إلى أصل العرب. فما كان عندهم معروفًا بأنهم طيب، فهو الطيب. وما كان خبيثًا، فهو ماذا؟ فهو خبيث. واضح. فهو خبيث. بناء على ماذا؟ على ما تقدم ذكره من الآية السابقة: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث﴾. والله تعالى أعلى وأعلم. قال: التاسع: ما يستخبث من الأطعمة، كالفأرة والحية والذباب والزنبور والنحل. لقوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾. ويدخل ما كان في معناها. يدخل ما كان في معناها. يعني: مثل النملة. النملة دخلت في ماذا؟ في كل ما نهى عن أكله. لكن ما كان في معناه من الحشرات: البعوض، الصراصير، وما كان في معناه. فإنه يكون من ماذا؟ من الخبائث؛ لأنه مما يستخبثه العرب. الأمر العاشر: الجلالة، وهي التي أكثر أكلها النجاسة. لما روى ابن عمر -رضي الله عنه- ما قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل الجلالة. نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل الجلالة. والحديث رواه أبو داود وغيره، وإسناده صحيح. فالجلالة: كما يقول العلماء -رحمهم الله تعالى- هي التي تأكل العذرة، أي: النجاسة. النجاسة. فننتبه ونفرق بين حيوان يأكل القمامة. واضح. جماعة. هذا ما يقال له: جلالة. إلا إذا تيقن أنه أكل نجاسة في تلك القمامة. واضح. فالجلالة: هي التي تأكل النجاسة. تأكل النجاسة. لكن ليس معنى هذا: أن الإنسان لا يتحرز في شرب لبنها أو أكل لحمها. ولا سيما إذا شك أنها قد تأكل شيئًا من النجاسات. طيب. فالجلالة: كما جاء في حديث ابن عمر قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكل الجلالة». وسواء في ذلك الإبل والبقر والغنم والدجاج ونحوها. يعني: كل ما أحله الله جل وعلا. إذا كانت تأكل الجلالة. يعني: يتركها صاحبها في أماكن نجاسات، تشرب منها وتأكل منها. كما في بعض الأماكن وبعض البلدان. هذه تسمى جلالة. فهل يجوز أكلها على حالتها تلك؟ لا يجوز أكلها على حالتها تلك. أي: ما دامت جلالة. لا يجوز أكلها. فإذا حبست بعيدًا عن نجاسات، وأطعمت الطاهرات، حل أكلها؛ لأن في الأصل ماذا؟ هي حلال. وإنما حرمت لماذا؟ لعارض. حرمت لعارض. يعني: البقر، الغنم، الإبل، الدجاج. في الأصل أنها ماذا؟ حلال. لكن حرمت لماذا؟ لعارض. ما هو العارض؟ أن ما أكلها أو مشربها أو ما أكلها ومشربها حرام. نجس. نجس. فحرمت؛ لأجل هذه النجاسة. لكن إذا أخذها صاحبها وحبسها، فبعد ذلك -يعني حبسها عن نجاسة- وأطعمها الطاهر وسقاها الطاهر، فإنها تحل بعد ذلك. وكم المدة التي تحبس فيها الجلالة حتى تصير حلالًا؟ كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يحبسها ثلاثًا إذا أراد أكلها. وقيل: تحبس أكثر من ذلك. أي: قيل: أسبوعًا. وقيل: غير ذلك. وصحيح من أقوال العلماء في ذلك -والله تعالى أعلى وأعلم- أنها تحبس مدة يغلب على الظن فيها أنها قد تنقت من تلك النجاسة التي بها. وهذا قد يعرف بأشياء. يعني: إما بطيب بولها. يتغير بولها من رائحة النجاسة إلى رائحة أخرى. بلبنها. وقد يستفاد من ذلك بأهل الخبرة. يعرفون. يعني: بعضهم يقال لهم: هذه تأكل النجاسة. ما يكون على مستوى واحد. بعضهم قد تأكل نجاسة قليلة، وبعضهم كثيرة. فأهل الخبرة يعرفون. يقول: ثلاث أيام كفاية. بعضهم يقول: لا. هذا النوع من الأغنام مثلًا. أقل شيء تحبسه خمسة أيام. بعد خمسة أيام يصير طيبًا. قبل خمسة أيام لا يكون طيبًا. فالشيء من هذا: أنهم يحبسها. يحبسها مدة يغلب على ظن فيها أنها قد ذهبت ما بها من النجاسة. وهذا كما سمعتم قد يستفاد، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة. فليست هناك مدة محصورة. يرجع فيها لاختلاف الحيوانات من حيث الكبر والصغر، ومن حيث سرعة التطهر ومن حيث عدم ذلك. طيب. المسألة الرابعة: ما سكت عنه الشارع. طيب. قبل هذا. هذه كما سمعتم: المحرمات. وما كان في معناها دخل في حكمها. هذه المحرمات التي مرت معنا من الأطعمة من الحيوان. منصوص عليها. وما كان في معناها دخل في حكمها؛ لأن القاعدة عند العلماء: أن الحكم يدور مع علة وجودًا وعدما. فأي علة اشتركت؟ أي حيوان، أي طعام اشترك في العلة مع ما تقدم ذكره مما هو محرم من الأطعمة، فإنه يأخذ حكم ذلك المحرم. يأخذ حكم ذلك المحرم. لماذا؟ لأن الحكم يدور مع علة وجودًا وعدما. يعني: مثال ذلك: إذا قال لنا إنسان مثلًا: ما حكم الدخان؟ واضح. له. حلال أم حرام؟ السجائر. ما حكمها؟ حلال أم حرام؟ يقال له: حرام. يقول: ما الدليل؟ ما هناك دليل من كتاب الله، ولا من سنة رسوله. لم تكن هذه معروفة في عهد العرب حتى يقال بأنها خبيثة. ما الدليل؟ الجواب: ما هو يا جماعة؟ تدخل في أي علة؟ الضرر. تدخل في قاعدة الضرر. واضح. وتدخل في قاعدة الخبث: أن كل خبيث فهو ماذا؟ فهو حرام. فهي خبيثة. وهي كذلك ماذا؟ ضرر. بها ضرر. وهذا الضرر كما يقال: في علبة السجارة. يعني: أصحاب السجائر في هذا الباب عملوا تحذيرًا أمام الناس. تحذير حكومي. سجلوا في علبة السجارة تحذيرًا حكوميًا: بأنها تسبب وتسبب وتسبب وتسبب. ثم يبيعون بأسواقهم. ما شاء الله. طيب. فالحاصل: بأنها محرمة؛ لأنها تشترك في علتها مع ما حرمه الله جل وعلا لضاره. ومع ما حرمه الله جل وعلا لخبثه. وهكذا قل. وقس عليها غيرها. وما سواها. فإن على أصل إيش؟ على أصل الحل؛ لأن الأصل في الأطعمة ما هو؟ الحل. كما تقدم معنا. طيب. المسألة الرابعة: ما سكت عنه الشارع. أي: ما سكت عنه الشارع، ولم يرد نص بتحريمه. فهو حلال؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة. دل على هذا قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾. خلق لكم. أي: لتنتفعوا به. فقول الله جل وعلا: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾. اللام ها هنا تدل على الإباحة. تدل على الإباحة. وحديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أحل الله في كتابي فهو حلال. وما حرم فهو حرام. وما سكت عنه فهو عفو. فاقبلوا من الله عافيته. فإن الله لم يكن ينسى شيئًا». وتلا: ﴿وما كان ربك نسيا﴾. وهذا الحديث كما سمعتم: من أهل العلم من يحتج به، ويحسن إسناده بمجموع طرقه. ومنهم من يضعف هذا الحديث. وإن كان معناه صحيحًا. وإن كان معناه صحيحًا؛ لأن ما سكت عنه الشارع يدخل في في أصل الحل. يدخل في أصل الحل؛ لأن ما سوى المحرمات فهو ماذا؟ ما سوى المحرمات من أطعمة فهو ماذا؟ فهو حلال؛ لأنه الأصل. طيب. المسألة الخامسة: ما يكره أكله. يكره أكل البصل والثوم. ما كان في معناهما مما له رائحة كريهة، كالكراث والفجل. ولا سيما عند حضور المساجد وغيرها من مجامع الذكر والعبادة. لحديث جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة، فلا يقربن مسجدنا». فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان. متفق عليه. يعني: شجرة الثوم. في رواية: «حتى يذهب ريحها». طيب. فإن طبخ هاتين البقلتين حتى يذهب ريحهما، فلا بأس بأكلهما؛ لقول عمر -رضي الله عنه-: «فمن أكلها فليمتها طبخًا». والحديث رواه مسلم. وفي رواية جابر -رضي الله عنه-: «ما أراه يعني إلا نيئة». طيب. هذه كذلك من المسائل التي نبّه عليها العلماء -رحمهم الله تعالى- في باب الأطعمة. وهي: أن من الأطعمة ما جاء الشرع ببيان أنها مكروهة. وإن كانت من أطعمة الحلال. لكنها مكروهة باعتبار ريحها مستخبثة. باعتبار ريحها. لما فيها من الريحة الخبيثة التي يتأذى بها بني آدم. وتتأذى كذلك بها الملائكة. أو منها الملائكة. ولا سيما أوقات الصلوات. فأكل هذه الأشياء: البقل، الكراث، الثوم، البصل نيئة. من حيث الحل. من حيث الحل: حلال. لكن مع الكراهة. ما سبب الكراهة؟ ما فيها من الريحة المستخبثة. ما فيها من الريحة الكريهة. فإن طبخت -لاسيما البصل والثوم- وأكلت. فهي على فهي مباحة بدون كراهة؛ لماذا؟ لأن رائحتها تكون قد ذهبت. وأما إذا أكلها إنسان لأجل أن يمتنع عن الذهاب إلى الصلاة. أو أن يأكلها إنسان ثم يذهب إلى الصلاة. فإن هذا يأثم. فإن هذا يأثم؛ لأنه لأنه يؤذي غيرهم من المؤمنين والملائكة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أكل من هذه شجرة -من أكل من هذه شجرة المنتنة- فلا يقربن مسجدنا». ها هنا نهي. فإذا قرب المسجد، وصلّى في المسجد. قد ارتكب ماذا؟ المنهي. ثم زاد النبي -صلى الله عليه وسلم- بيانًا وتعليلًا لهذا المحرم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان». فهذا الفعل يسبب أذية للملائكة، ويسبب أذية للإنسان. فيكون محرمًا؛ لأجل الأذية الحاصلة. «لا ضرر ولا ضرار». «لا ضرر ولا ضرار». ويدخل فيها كذلك ما كان في معناها. كما سمعتم. من الأطعمة ذي الرائحة الكريهة. ذي الرائحة الكريهة. فإنها تكره. وإن كانت حلالًا؛ لأجل ما تقدم. لأجل ما تقدم ذكره. طيب. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على