الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 1، ألقاها
المقطع الأول يقدم رسالة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في أصول الفقه، ويشرح مقدمتها وتقسيم الأحكام إلى قدرية وشرعية وجزائية. كما يشير إلى الشهادة برسالة النبي ودوره في توضيح الأحكام.
يشرح هذا الجزء الأحكام الجزائية بأنواعها ويبرز دور النبي في توضيح الأحكام الشرعية، ويختم بالصلاة عليه وعلى آله وأصحابه، ثم ينتقل إلى مقدمة الرسالة التي تتناول أصول الفقه.
هذا الجزء يعرف أصول الفقه بأنه العلم بأدلة الفقه الكلية، والفقه بأنه معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية، ويوضح العلاقة بينهما حيث يبحث الفقه في الأدلة التفصيلية وأصول الفقه في الأدلة الكلية.
الفقيه هو من يجمع بين المسائل الفقهية ودلائلها الشرعية، بينما الشخص الذي يحفظ المسائل دون فهم دلائلها يسمى مقلدا وليس فقيها، مشددًا على أهمية الجمع بين المسائل والدلائل.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنقرأ إن شاء الله في مثل هذا الوقت، في خلال هذه الأيام المعدودة، هذه الرسالة المختصرة والنافعة في أصول الفقه، وهي المسماة برسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة، للشيخ العلامة الفقيه المحدث المفسر الأصولي عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله. وهي كما سيأتي معنا رسالة نافعة، مختصرة، جامعة، ومؤلفها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله، من العلماء المعروفين بالعلم والفقه، وكذلك أيضا بقوة مؤلفاته، وكذلك قوة ألفاظه. وقد تأثر كثيراً، رحمه الله، بشيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، فلذلك تجد نفس شيخ الإسلام ابن القيم في مؤلفاته، رحمه الله. قال رحمه الله: الحمد لله نحمده على ما له من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين والعقاب للمجرمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأسماء والصفات والعبادة والأحكام. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بيَّن الحكم والأحكام، ووضَّح الحلال والحرام، وأصَّل الأصول وفُصَّلها حتى استتمَّ هذا الدين واستقام. اللهم صلِّ وسلِّم على محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأتباعه، خصوصًا العلماء والأعلام. أما بعد، فهذه رسالةٌ لطيفة في أصول الفقه، سهلةُ الألفاظ، واضحةُ المعاني، معينةٌ على تعلم الأحكام لكل متأملٍ معاني. نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها، إنه جوادٌ كريم. بدأ رحمه الله في هذه الرسالة بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، وفي بعض النسخ الابتداء بالبسملة اقتداءً بكتاب الله وبسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم ضمن هذه المقدمة ما سيتكلم به في هذه الرسالة، وأشار في مقدمته إلى ما سيتكلم به في هذه الرسالة. وهذا كما يسميه العلماء أهل البلاغة ببراعة الاستهلال، وذلك أن يذكر المؤلف والكاتب في مقدمة كتابه ورسالته ما سيتكلم به أو يشير إلى ما سيتكلم به في مؤلفه وكتابه. وسيتكلم في هذه الرسالة عن الأحكام وأقسامها وأنواعها، فأشار إلى ذكر الأحكام في المقدمة. ثم ذكر أن الأحكام على ثلاثة أقسام: أحكامٌ قدرية، وأحكامٌ شرعية، وأحكامٌ جزائية. فالأحكام القدرية هو ما حكم الله عز وجل به قدراً، مما قدره الله سبحانه وتعالى سواء كان من تعاقب الليل والنهار، وكذلك أيضا ما يكون في المخلوقات من اختلاف أشكالها واختلاف ألوانها إلى غير ذلك من أحكام الله جل وعلا قدرية. وكذلك أيضا يعني ما يكون للعباد من أحوال من غناء أو فقر أو صحة أو مرض إلى آخره، كل ذلك من الأحكام القدرية. وأحكامٌ شرعية وهو ما شرعه الله سبحانه وتعالى مما أمر به على جهة الوجوب أو الاستحباب، أو ما نهى عنه على جهة التحريم أو الكراهة. وأحكامٌ جزائية، والأحكام الجزائية تنقسم إلى قسمين: أحكامٌ جزائية شرعية، وأحكامٌ جزائية قدرية. فالأحكام الجزائية الشرعية كالحدود الشرعية التي حكم بها الشرع على من ارتكب شيئاً من المحرمات، كحد الزاني وحد السارق وحد شارب الخمر وحد القاذف إلى غيرها من الحدود الشرعية، هذه أحكامٌ جزائية شرعية. والأحكام الجزائية القدرية هو ما يقع في هذه الدنيا من عقوباتٍ كونية كالزلازل والعواصف والفيضانات وغيرها من العقوبات الكونية، فهذه أحكامٌ جزائية قدرية. وهكذا أيضا ما يكون في الآخرة من ثواب للمحسنين وعقاب للمجرمين، هذا أيضا من الأحكام الجزائية الأخروية. فالمؤمنون يُجازون بالإحسان وبالجنة ونعيم الله، والكافرون والمجرمون يُجازون بعذاب الله وبعقاب الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك ثنى بالشهادة بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأسماء والصفات، قال والعبادة والأحكام، وهذا أيضا من مراعاة الاستهلال، أشار أيضا إلى ذكر الأحكام لأنه سيتكلم عليها في هذه الرسالة. ثم كذلك شهد وثلث بعد ذلك بالشهادة أن محمدًا عبده ورسوله الذي بيّن الحكم والأحكام، لأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام مبينة للقرآن وتبين مجمله، وكذلك أيضا توضح ما كان فيه من غموض، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فوضَّح عليه الصلاة والسلام الحلال والحرام، وكذلك أيضا أصَّل الأصول وفصَّلها، بيّنها ووضَّحها، وكذلك أيضا رتَّبها حتى استتمَّ هذا الدين واستقام. ثم صلَّع النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: اللهم صلِّ وسلِّم على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه. وقوله على آله، الآل يُطلق ويراد بهم الأتباع، كما قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، يعني أتباعه. ويُطلق الآل ويراد بهم يعني الأهل والذرية، والمراد بهم هنا الأتباع، فقولك اللهم صلِّ وسلِّم على محمد وعلى آله، صلِّ عليه يعني أثنى عليه في الملأ الأعلى، وعلى آله أي أتباعه، فيشمل ذلك كل أتباع النبي عليه الصلاة والسلام ممن آمن به واتبع وصدَّقه. قال وأصحابه، والأصحاب من أول من يدخل في الأتباع، ولكن خُصوا بالذكر لأمرين: الأمر الأول لبيان فضلهم، والأمر الثاني للردِّ على أهل الأهواء والبدع الذين طعنوا في صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقوله على آله وأصحابه هنا عطف الأصحاب على الآل من عطف الخاص على العام. قال خصوصا العلماء والأعلام، خصَّ العلماء لبيان عظيم فضلهم وما لهم من منزلة عظيمة في الدين، وكذلك لأنهم ورثة الأنبياء، وهم هداة للخلق يهدونهم إلى الحق والهدى وإلى الصراط المستقيم، فكان لهم من الفضل ولهم من الشرف ما ليس لغيرهم. ثم بعد ذلك قال: أما بعد، أي بعد الثناء والحمد، انتقل إلى الدخول في موضوع الرسالة، وأشار إلى مضمون هذه الرسالة، فقال: هذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، ألفاظها سهلة ليست فيها شيء من التعقيد ولا الصعوبة، معانيها واضحة بينة، وهذا مما يعين على فهم الرسالة، وكذلك أيضا على رغبة طالب العلم في قراءتها ومعرفتها. وخاصة في مثلي هذا الموضوع، موضوع أصول الفقه الذي شحن كثير من كتبه بكلام أهل الكلام الذين عقدوا هذا العلم حتى تركه كثير من طلاب العلم بسبب ما فيه من التعقيد والصعوبة، فهو رحمه الله حرص أن تكون ألفاظ هذه الرسالة سهلة لطيفة يسهل معرفة معانيها والاستفادة منها. ثم قال فصل: أصول الفقه هي العلم بأدلة الفقه الكلية، وذلك أن الفقه إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة، وإما دلائل يستدل بها على هذه المسائل. فالفقه هو معرفة المسائل والدلائل، وهذه الدلائل نوعان: كلية تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا الأمر للوجوب والنهي للتحريم ونحوهما، وهذه أصول الفقه، وأدلة جزئية تفصيلية تفتقر إلى أن تبنى على الأدلة الكلية، فإذا تمت حكم على الأحكام بها. فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة إلى الأدلة الكلية، وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه، وأنها معينة عليه، وهي أساس النظر والاجتهاد في الأحكام. هذا الفصل ذكر فيه رحمه الله مع تعريف أصول الفقه، وكذلك أيضا أشار إلى معرفة الفقه، ثم قال: أصول الفقه هي العلم بأدلة الفقه الكلية، هذا معنى أصول الفقه على جهة الاقتصار، والرسالة مختصرة، ونحن أيضا إن شاء الله سنقتصر في شرحها. قال: هي العلم بأدلة الفقه الكلية، فأصول الفقه تبحث في الأدلة الكلية، الأدلة العامة، والأدلة المجملة، هذا مما يتعلق به أصول الفقه، كقولك مثلا أن الأمر للوجوب، هذا دليل كلي، وأن النهي للتحريم، هذا دليل كلي، هذا من أصول الفقه. قال: وذلك أن الفقه إما مسائل يطلب الحكم عليها، وإما دلائل يستدل بها، فالفقه هو معرفة المسائل والدلائل. الفقه باللغة الفهم، وفي الاصطلاح معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية، معرفة الأحكام الشرعية تعرف حكما شرعيا عمليا، يعني من أمور العبادات والمعاملات بأدلتها التفصيلية، يعني بدليلها الخاص. هذا من الفقه، مثلا الصلاة واجبة، ما الدليل على وجوبها؟ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، هذا يسمى دليل تفصيلي. الربا حرام، ما الدليل؟ قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، هذا دليل تفصيلي، هذا من الفقه. فالفقه يبحث في الأدلة التفصيلية، وأصول الفقه في الأدلة الكلية. قال: فالفقه هو معرفة المسائل والدلائل، الفقه هو الجمع بين المسائل والدلائل، المسألة هي الحكم الذي يحتاج إلى معرفة دليله، نقول مثلا إذا عدم الماء جاز التيمم، جاز استعمال التيمم والصلاة بالتيمم، هذا مسألة، ما دليلها؟ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فهذه مسألة، وهذا دليلها. من انتقض وضوءه بطلت صلاته ولم تقبل صلاته، مسألة، ما الدليل؟ قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، هذه المسألة، وهذا دليلها، هذا هو الفقه، الجمع بين المسائل والدلائل، المسألة كذا ودليلها كذا. فالجمع بين المسألة ودليلها هذا هو الفقه، وأما الجمع بين المسائل من غير دلائل فهذا ليس بفقه، وليكون صاحبه فقيها، بل يسمى مقلدا، يحفظ مثلا مسائل في المذهب كذا وحكم كذا، ومن فعل كذا هذا واجب، هذا مستحب، هذا من غير أدلة، هذا يسمى مقلد. أما الجمع بين المسائل والدلائل فهذا هو الفقه، تجمع بين المسألة وبين دليلها.