شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 17

الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 17، ألقاها

أهمية العلم النافع وفهم الكتاب والسنة

يؤكد إمام الحرم رجب على أهمية ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها. العلم النافع يثمر خشية الله تعالى، وهي الثمرة الحقيقية للعلم.

حقيقة العلم النافع وعلاقته بالخشية

العلم النافع يؤدي إلى خشية الله تعالى ويتضمن معرفة الله وأسمائه وصفاته. هذا العلم يؤدي إلى القناعة والزهد في الدنيا.

معرفة الله في الرخاء والشدة

معرفة الله تعالى في الرخاء تنعم العبد بحفظ الله ورعايته في الشدة. الطاعة والعبادة تمنحان لذة وراحة في القلب.

ختام النص بالصلاة على النبي

النص يُنهى بالسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين. هذا يُعتبر ختامًا مناسبًا للنصوص الدينية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرم رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: «فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقييد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد، والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا». يقول رحمه الله: «من أنفع العلوم ضبط نصوص الكتاب والسنة، أي الوقوف أو تعلم القرآن تلاوة وعرضًا، وإحسان تلاوته، وهكذا أيضًا قراءة ما يتيسر من السنة، كالكتب الستة وغيرها من السنة، ثم الوقوف بعد ذلك على فهم معاني الآيات والأحاديث مما ورد عن الصحابة والتابعين في فهم معاني نصوص الكتاب والسنة، وهكذا أيضًا ما ورد عنهم في مسائل الحلال والحرام، والزهد، والرقائق. وقبل ذلك الوقوف على صحيح هذه الآثار من سقيمها، وتمييز الصحيح من الضعيف، فما علم صحته بعد ذلك سدل به، وفسرت به معاني الآيات، ويفهم به كذلك معاني الأحاديث». ولذلك اهتم كثير من العلماء بالمأثور عن الصحابة والتابعين في فهم معاني القرآن، كتفسير الإمام ابن كثير رحمه الله، وهكذا تفسير الإمام الطبري، الإمام ابن جرير الطبري، فاهتم أيضًا بالمأثور عن الصحابة والتابعين. وهكذا أيضًا تفسير السيوطي، وغيرها من التفاسير مما اهتم به أصحابها بتفسير القرآن بالمأثور عن الصحابة والتابعين. وهكذا أيضًا في فهم معاني الأحاديث، اهتم العلماء بذلك، وكثرت الشروح على كتب السنة، وبيان معانيها، واستنباط الأحكام منها، كصحيح البخاري ومسلم، والشروح التي عليهما، ك«فتح الباري» لابن رجب، و«فتح الباري» لابن حجر، و«عمدة القاري». وهكذا أيضًا صحيح مسلم، وشرح النووي على صحيح مسلم، وغيرها من الكتب، كسنن أبي داود، وما عليه من شروحات، ك«عون المعبود»، وشرح سنن الترمذي، ك«تحفة الأحوذي»، وغيرها من الشروحات الكثيرة. فالوقوف عليها، وقراءتها، ومعرفة ما ذكره العلماء في تفسير الأحاديث، هذه من العلوم النافعة. كذلك أيضًا في باب الزهد، ألف العلماء في ذلك، ك«الزهد» للإمام أحمد، و«الزهد» لابن المبارك، وغيرهما من أهل العلم. كذلك في باب الرقائق، وأفرد الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا في الرقائق، و«كتاب الرقائق»، وذكر ما يذكر في هذا الكتاب. وهكذا أيضًا في المعارف، ويريد به فيما يتعلق بمعرفة الله سبحانه وتعالى، وكذلك أيضًا ما يتعلق بقيام الليل، وكذلك التوبة والإنابة إلى الله، وغير ذلك من هذه الأمور. قال: «وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل وبالعلم النافع عني وشغل. ومن وقف على هذا وأخلص القصد لوجه الله تعالى، واستعانه عليه أعانه وهداه ووفقه، سدده وفهمه وألهمه. وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الحاصلة به، وهي خشية الله تعالى، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾». يقول رحمه الله: «من اعتنى بنصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، ووقف على ما يتيسر بفهم معانيها من الآثار الثابتة عن الصحابة والتابعين، وهكذا ما ورد عنهم في مسائل الحلال والحرام، وغير ما ذكر، فإذا اعتنى بذلك واشتغل به، وأخلص قصده لله في طلبه للعلم، فإن اعتناءه بذلك مما ينتفع به، ويحصل له به الخير والسداد والتوفيق، ويثمر له ثمرة العلم النافع، وهي خشية الله سبحانه وتعالى. فإن ثمرة العلم النافع هو خشية الله، فالعلم الذي يثمر لك الخشية من الله، فهذا هو العلم النافع. وتعلم أنك انتفعت بهذا العلم». وأما إن لم يثمر العلم الخشية من الله، بل زادك غرورًا وعجبًا وتكبرًا وافتخارًا، فاعلم أنك لم تنتفع بهذا العلم، وأن هذا العلم الذي عندك ليس بعلم نافع. قال ابن مسعود وغيره: «كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا». كفى بخشية الله علمًا، كفى أن يكون خشية الله والعلم، إذا كنت ماذا عندك الخشية من الله، فهذا هو أصل العلم. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، أي أشد الناس خشية لله وتحقيقًا لخشية الله هم أهل العلم. وهذه هي ثمرة العلم إذا طلب العلم النافع، فإنه يورث له الخشية من الله. قال: «وقال بعض السلف: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية». جهاد عن ابن مسعود رضي الله عنه، رواه الإمام أحمد في «الزهد»، وابن أبي حاتم: «ليس العلم بكثرة لفظ، ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم الخشية». يعني كلما كان الإنسان أكثر خشية لله، كان أكثر علمًا بالله جل وعلا. قال: «وقال بعضهم: من خشي الله فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل». قال: «وكلامهم في هذا المعنى كثير جدًا، يعني في بيان أن حقيقة العلم هو الخشية من الله، هو الخشية من الله سبحانه وتعالى». قال: «وسبب ذلك أن هذا العلم يدل على أمرين، أحدهما على معرفة الله، وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله وإعظامه وخشيته ومهابته ومحبته ورجاءه والتوكل عليه والرضاء بقضائه والصبر على بلائه. والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال، فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه، والتباعد عما يكره ويسخطه». يقول رحمه الله: سبب ماذا حصول الخشية من الله جل وعلا في قلب العبد، وأن هذا هو أصل العلم النافع، قال: «أن العلم يدل على أمرين، العلم النافع يدل على أمرين، الأول على معرفة الله، معرفة الله، وذلك بوقوفه على أسماء الله وصفاته، وهكذا أيضًا على أفعال الله الدال على كمال قدرته وعلى عظيم صنعه وخلقه، فإذا وقف على ذلك زاده ذلك خشية لله، وتعظيمًا وإجلالًا ومهابة ومحبة، فكلما ازداد العبد معرفة بالله، كلما ازداد خشية من الله جل وعلا». والأمر الثاني: «المعرفة بما يحبه ويرضاه، المعرفة بما يحبه ويرضاه، فإنه إذا تعلم العلم النافع، علم ما أمر الله به فيأتيه، وما نهى الله عنه فيجتنبه، وما يحبه الله فيسابق إليه، وما يكرهه الله فيبتعد عنه، فإذا كان حاله على هذا الحال، أورث ذلك خشية الله عز وجل في قلبه». قال: «فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا، يعني معرفة الله ومعرفة ما يحبه ويرضاه وما يكره ويسخطه، قال: فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعًا ووقر في القلب، فقد خشع القلب لله، وانكسر له وذل، هيبة وإجلالًا وخشية ومحبة وتعظيمًا. ومتى خشع القلب وذل وانكسر له، قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا، وشبعت به، فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا، وكل ما هو فان لا يبقى من المال والجاه وفضول العيش الذي ينقص به حظ صاحبه عند الله من نعيم الآخرة، وإن كان كريمًا على الله، كما قال ذلك ابن عمر وغيره من السلف، وروي مرفوعًا». يقول رحمه الله: «إذا أثمر العلم النافع لصاحبه هذه الثمرة، معرفة الله جل وعلا ومعرفة ما يحب ويرضاه وما يسخطه ويكرهه، أورث ذلك له الخشية من الله سبحانه وتعالى. وإذا وقعت الخشية في القلب، انكسر القلب وذل لربه ولخالقه، محبة وتعظيمًا وإجلالًا. وإذا حصل ذلك في القلب، قنع القلب بيسير الحلال من الدنيا، صار عند صاحب هذا العلم الذي أورث له العلم الخشية من الله، صار عنده القناعة باليسير بالحلال من الدنيا، وعنده الزهد والرضا بما قسم الله سبحانه وتعالى له، فلا تجده ممن يلهث خلف الدنيا، ولا تجده ممن يلهث خلف الدنيا ويريد الزيادة من متاع الدنيا، ولا يقنع بما آتاه الله سبحانه وتعالى». وكذلك أيضًا لا يكون ممن لا يبالي من أين يجمع المال، ومن أين يأخذ المال، بل تجده من أبعد الناس عن ذلك. وهذه من علامات العلم النافع، من علامات العلم النافع. فإذا وجدت المرء ممن ينتسب إلى العلم على غير هذا الحال، وعلى غير هذا الوصف، فتجده ممن يلهث وراء الدنيا، وممن يجمع حطام الدنيا، ولا يبالي من أين يكتسب المال، ومن أين يأخذ المال، فاعلم أنه لم ينتفع بما عنده من العلم، وما عنده من علم فليس بعلم نافع. فإن العلم النافع يعلق العبد بربه وبالآخرة، وما عند الله سبحانه وتعالى. قال: «ولموجب ذلك أن يكون بين العبد وبين ربه معرفة خاصة، فإن سأله أعطاه، وإن دعاه أجابه، كما قال في الحديث الإلهي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، إلى قوله: فلئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». وهذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي رواية: «ولئن دعاني لأجيبنه». وهذه الرواية في مسند البزار. قالوا في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». حديث ابن عباس، رواه أحمد والترمذي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله في «الصحيحة». قال: «فالشأن في أن العبد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقلبه، بحيث يجده قريبًا منه، فيستأنس به في خلوته، ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته، ولا يجد ذلك إلا من أطاعه في سره وعلانيته». يريد بذلك رحمه الله أن من دلائل وموجبات العلم النافع أن يكون بين العبد وبين ربه صلة، صلة يخلو فيها أو أوقات يخلو فيها العبد بربه، يناجي الله سبحانه وتعالى، ويقف بين يدي ربه جل وعلا، إما في الصلاة، أو في دعاء، أو تلاوة قرآن، يدعو الله جل وعلا، ويتضرع بين يديه، ويذل وينكسر بين يدي خالقه سبحانه وتعالى، فيوجب له ذلك العلاقة والارتباط بينه وبين الله. فإذا احتاج لربه فسأله، استجاب له. وإذا دعاه أعطاه ما دعاه. وهذا معنى حديث أبي هريرة، ومعنى حديث ابن عباس: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». إذا كنت بينك وبين الله معرفة في الرخاء، وفي حال الأمن والاستقرار، بما بينك وبين الله من طاعة وعبادة، فإنك إن دعوت وفي حال الشدة، وفي حال الكرب والمصيبة، استجاب لك، وكذلك أيضًا فرج عنك كربتك وشدتك. قال: «كما قيل لوهيب بن الورد: يجد حلاوة الطاعة من عصى؟ قال: لا، ولا من هم». وهيب بن الورد هذا ابن أبي الورد القرشي، وهو ثقة، وثقه يحيى بن معين، وكان من العباد، كما قال أبو حاتم رحمه الله. يقول: حين سئل: «يجد حلاوة الطاعة من عصى الله؟ هل يجد لذة للطاعة والعبادة؟ قال: لا، ولا من هم، يعني من هم بالمعصية، فإنه يحرم لذة الطاعة، فالطاعة والعبادة ومناجات العبد لربه جل وعلا لها لذة، ولها كذلك راحة وطمأنينة في القلب، لا يشعر بها إلا من مارسها». ولهذا يقول من يقول من السلف: «إننا في راحة، وفي لذة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك، لجاء لدونها بالسيوف». لذة الطاعة والعبادة التي يجدونها في قلوبهم، هذه اللذة والطاعة يحرمها صاحب المعصية. وهذه من آثار الذنوب والمعاصي أنها تحرم العبد لذة الطاعة ولذة العبادة. قال: «ومتى وجد العبد هذا، فقد عرف ربه، وصار بينه وبين معرفة وبينه صار بينه وبينه معرفة خاصة، يعني بينه وبين الله، فإذا سأله أعطاه، وإذا دعاه أجابه، كما قالت شعوانة لفضيل». وشعوانة هذه امرأة من النساء العابدات الزاهدات، وفضيل بن عياض أبو علي الإمام المعروف. قالت له: «أما بينك وبين ربك إذا دعوته أجابك؟ فغوشي عليه». وهذا الأثر ذكره ابن الجوزي في «صفوة الصفوة»، وكذلك الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب». قال: «والعبد لا يزال يقع في شدائد وكرب في الدنيا والبرزخ والموقف، فإذا كان بينه وبين ربه معرفة خاصة، كفاه الله ذلك كله». وهذا هو المشار إليه في وصية ابن عباس بقوله: «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة»، يعني إذا كنت تعرف الله في حال الرخاء، تعبده وتقوم بطاعته، وتفعل أوامره، وتجتنب نواهيه، تتقرب إليه بنوافل الطاعات والعبادات، فبينك وبين الله معرفة وصلة، إذا كنت على هذا الحال، عرفك الله في حال الشدة، سواء كان في الدنيا، أصابتك مصيبة، أو وقعت في كرب، دعوت الله استجاب لك، وفرج عنك كربك وشدتك، أو كان ذلك في الآخرة، في مواقف الشدة، سواء كان في القبر وسؤال الملكين، أو كان في البعث والنشور، أو في غيرها من أهوال يوم القيامة، فإن الله جل وعلا، يفرج عنك ما يصيبك من شدة وكرب في ذلك اليوم العظيم. قال: «وقيل لمعروف الكرخي: ما الذي هيجك إلى الانقطاع، وذكر الموت والقبر والجنة والنار؟ فقال: إن ملك هذا كله بيده، إذا كانت بينك وبينه معرفة، كفاك هذا كله». ومعروف هذا هو معروف الكرخي، أحد الزاهدين المعروفين بالزهد. لما سئل: «ما الذي هيجك إلى الانقطاع، وذكر الموت والقبر والجنة والنار، يعني والانشغال بذلك والتعلق بالآخرة؟ قال: إن ملك هذا كله بيده، جل وعلا، إذا كنت بينك وبينه معرفة، كفاك هذا كله». والسلام على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على