الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 3، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يجب على المسلم العمل بالسنة النبوية بنفسه قبل نصح غيره، وأقوال الأئمة كالأوزاعي والشافعي ومالك تحث على اتباع الأثر وترك الرأي المخالف للسنة. لا يسوغ تقليد المذاهب ترك السنة الثابتة، والعالم الحق يفرح بظهور الدليل النبوي ولو خالف قوله.
كان السلف الصالح يعملون بالحديث بمجرد سماعه، كما فعل الإمام أحمد بن حنبل حين احتجم وأعطى الحجام دينارًا اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. زكاة الحديث هي العمل به وتبليغه، ولقب صاحب الحديث لا يستحق إلا بالاستعمال لا بمجرد الحفظ، وحذر الإمام أحمد من الفتيا بلا إمام مقتدى به من السلف.
يجب الرجوع إلى أقوال الصحابة والتابعين وعدم الفتوى بالرأي، مستشهداً بإمساك الإمام أحمد عن الكلام في الوساوس لعدم ورود نص فيها. العمل بالسنة يورث الحكمة والهداية، كما بادر أبو عثمان لتطبيق سنة الصلاة في إزار ورداء بمجرد سماعها.
من يقدم هواه على شرع الله ينطق بالبدعة لأن الهوى من الشيطان، لذا يجب الاستعاذة بالله وسؤاله التوفيق والهداية. اللهم صل وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف حفظه الله تعالى: باب توظيف السنن على المرء نفسه. والمعنى أن المسلم إذا علم سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول ما يبدأ فيبدأ بنفسه بالعمل بها قبل أن ينصح غيره بالعمل بها. قال الأوزاعي رحمه الله: ندور مع السنة حيث دارت. ندور مع السنة حيث دارت، يعني إذا وجدنا السنة فإننا نعمل بها. وقال أيضا: عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول. هذا من أحسن الآثار عن هذا الإمام، الإمام الأوزاعي عبد الرحمن بن عمر الدمشقي رحمه الله، كان آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، قوالا بالحق. فيقول لك أيها المسلم: عليك بآثار السلف، إذا وجدت أثرا عنهم فأعمل به، وإن رفضك الناس، وإن لم يقبلوه منك أو لم يعملوا به، فما عليك بعد أن تعمل بأثر السلف؟ قال الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ﴾. عليكم أنفسكم، إلزموا أنفسكم بالعمل بما علمتموه، وما عليكم من لم يعمل بما علمتم وعملتم. وقال: وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول. قال إبراهيم الحربي رحمه الله: وينبغي للرجل إذا سمع شيئا من آداب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتمسك به. وهذا من باب قوله تعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: « وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ». وقال سفيان الثوري رحمه الله: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل. وفي رواية: يجب على الرجل أن لا يحك رأسه إلا بأثر. يحك رأسه، أي لا يقول قولا إلا وعنده الأثر. كأن هذا من باب الاهتمام بالآثار، وأن الرجل إذا عمل العمل من السنة أن يكون عنده الحديث والأثر عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا يعمل عملا ليس عنده فيه دليل. قال الشافعي رحمه الله: إذا وجدتم سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي، فخذوا بالسنة ودعوا قولي، فإني أقول بها. وهذا الظن بالعلماء من أمثال الشافعي رحمه الله، يقول: إذا وجدتم سنة علمتموها من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما أفتيت به، لأنه قد ما تكون بلغته هذه السنة، فقال برأيه وأفتى بما عنده من العلم واجتهد في ذلك، لكن قد يكون رأيه واجتهاده خلاف السنة. ولهذا يقول لك: أنت لا تأخذ بقولي، لا تقلدني، فإني إنما أردت العمل بالسنة، فإن وافقت السنة فذاك. ولهذا قال: فإني إنما أقول بها. أنا أقول بالسنة، وإذا لم أجد السنة، أي الدليل الحديث، فإني أجتهد رأيي. فإن بعد ذلك عثر ذلكم الشخص على الدليل، وكان موافقا، أي قول الشافعي للسنة، فذاك. وإن لم يكن موافقا، أي كان مخالفا، فترك قول الشافعي وخذ بقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا لا يقدم أحد من الرجال، لا يقدم قول أحد من الرجال على قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الإمام مالك رحمه الله: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم. كل يؤخذ من قوله ويترك إلا قول النبي عليه الصلاة والسلام، ما يترك، يؤخذ قوله لأنه المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما غيره فإنهم إن وافقوا السنة في أقوالهم أخذنا بها، وإن لم يوافقوا السنة في أقوالهم تركت أقوالهم وأخذ بالسنة فيما خالف أقوالهم، فيما خالف أقوالهم. ولهذا الشافعي رحمه الله تعالى لما أفتأ في مسألة بدليل، قال له قائل: أتقول به؟ أي أتقول بهذا الدليل؟ قال له: ويحك، أرأيت في وجهي أو في رأسي زنارة؟ يعني من زنانير اليهود، يعني هل أنا يهودي حتى ما آخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام؟ أو رأيتني خرجت من كنيسة؟ هل أنا نصراني حتى ما آخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أنا مسلم، المسلم، المسلم يأخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام. ليش هو مسلم؟ مسلم بالاسم، مسلم فقط بالاسم، الذي أسلم وجهه لله، انقاد، انقاد لشرع الله، انقاد لقول الله وقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لهذا الشافعي غضب من هذا الشخص، قال له: أتراني في رأسي زنارة أو خرجت من كنيسة حتى لا أقول به؟ أي حتى لا أقول بقول النبي عليه الصلاة والسلام. وابن عباس أنكر على أولئك الأقوام الذين يأخذون بقول أبي بكر وعمر، وهم سادة الأمة، ويتركون قول النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أراهم سيهلكون. وفي بعض الروايات: يوشك أن تنزل عليكم حجار من السماء. أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. يعني لا رأي لأحد مع سنة، كما قال الشافعي: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اطرحوا كل الآراء وكل الأقوال فيما خالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، واخذوا بالسنة. فالعمل إنما يكون بالسنة. فإذا الشافعي رحمه الله ينصح غيره، ينصح اتباعه ومن كان ممن يأخذ بأقواله، يقول لهم: إذا رأيتم قولي خالف قول الرسول، فاخذوا بقول الرسول وتركوا قولي. فالذين الآن يقولون: نحن شافعية، ويأخذون بقول الشافعي ويتركون السنة، فالشافعي بشر قد يصيب وقد يخطئ. فأين هم من قول الشافعي هذا؟ إذا خالف قولي قول الرسول صلى الله عليه وسلم، فخذوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام، خذوا بالسنة وتركوا قولي، إني إنما أقول بها. وهكذا يقول للإمام أحمد: أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا بلغكم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرونا به. الشافعي متبع، الشافعي رحمه الله تعالى يعمل بالسنة إذا بلغته، وإذا لم تبلغه اجتهد كغيره من العلماء. وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به ولو مرة، لأن لا يكون علي حج. ولو مرة حديث سمعته بلغك عن النبي عليه الصلاة والسلام، اعمل به ولو مرة. حتى أنه أثر عنه رحمه الله من شدة العمل بالحديث أنه قال: فمر بي أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجام وهو أبو طيبة، أعطاه دينارا. قال: فاحتجمت وأعطيت الحجام دينار. قد لا تكون جرته دينار، لكنه أراد العمل بهذا الحديث الذي بلغه أن النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وأعطى الحجام دينارا. فجاء مرة واحتجم الإمام أحمد، فذكر هذا الأثر، هذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقام وأخرج الدينار وأعطاه لهذا الحجام، عملا بسنة، عملا بسنة. وهكذا كان السلف رحمهم الله تعالى، إذا بلغهم الحديث عملوا به ولو مرة واحدة. إذا كان من باب الاستحباب، إذا كان من باب المستحب، عملوا به ولو مرة واحدة، لا يتركون الآثار. فهذا الذي يسمى سني، سني بالاسم والفعل، بالقول والعمل، لا سني صورة، يعني أنه بالاسم فقط. السنن ما يحافظ عليها، سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نوافل العبادات، ما يحافظ على الرواتب، ما يحافظ على نوافل العبادات الأخرى في الصيام، وهكذا في الصدقة. لا، السني يعمل. إنما سمي السني سني لأنه يعمل بالسن، ما استطاع، ما استطاع، لأنه يتقرب إلى الله عز وجل، يتعبد الله، يريد تحقيق هذا الاسم، يريد تحقيق هذا الاسم على نفسه أنه فعلا سني. قال: قال بشر بن الحافي رحمه الله: أدوا زكاة الحديث، فاستعملوا من كل مئتي حديث خمسة أحاديث. يعني إذا حفظت كم من الأحاديث، ربما واحد يأخذ اللؤلؤ والمرجان مما اتفق عليه الشيخان، أو يأخذ رياض الصالحين، أو يأخذ بلوغ المرام، أو غيرها من كتب الحديث، يحفظ، يحفظ له ألفين حديث أو ألف حديث. لكن هذا الحديث مجرد حفظ دراس، ما في عمل، الله المستعان. يقول هنا بشر: زكاة الحديث الذي تأخذه وتحفظه، ولو من كل مئتي حديث خمسة حديث، عملت بها، خمسة حديث تعمل بهذه الأحاديث. لا تجعل هذا الحديث الذي تحفظه حجة عليك، حجة عليك يوم القيامة، يقال: فلان حافظ للحديث، من حفاظ الحديث، لكنه ما عمل، ولو حتى بكم يسير من هذه الأحاديث التي يحفظها. فيبارك الله عز وجل في ذلك الذي يكتب الحديث ويحفظه بأداء زكاته. وأداء زكاته العمل به وتبليغه للناس. والزكاة معرفة أنها تأتي بمعنى الطهارة، وتأتي بمعنى النماء والزيادة. فأنت كأنك طهرت نفسك وزكيتها ونميتها مما يعني حفظته من أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: قال قاسم بن إسماعيل بن علي رحمه الله: كنا بباب بشر بن الحارث، وهو الملقب بالحافي. وكان هذا بشر من العلماء الزهاد العباد، يجله كثيرا الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويأمر الناس بالأخذ منه لما علم من خشيته لله، خاشي لله، يخاف الله سبحانه وتعالى فيما يقول. ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى إذا نصح أو إذا استنصح بمن يأخذ العلم، يقول لهم: اذهبوا عند بشر، بشر بن الحارث، وهو الملقب ببشر الحافي، لما علم من ورع هذا الرجل وخشيته لله سبحانه وتعالى، حتى يقول: إنما العلماء أمثال بشر، أمثال بشر رحمه الله. قال: كنا بباب بشر بن الحارث الحافي، فخرج إلينا، فقلنا: يا أبا نصر، حدثنا. فقال: أتؤدون زكاة الحديث؟ قلنا: يا أبا نصر، وللحديث زكاة؟ قال: نعم، إذا سمعتم الحديث، فما كان في ذلك من عمل أو صلاة أو تسبيح، استعملتموه. هذا زكاة الحديث. إذا سمعت الحديث، عليك أن تؤدي زكاته، فأنت تعمل به. فإذا كان في باب الصلاة، صلوات النوافل صليت، وإذا كان في الحديث ذكر لله عز وجل ذكرت، وهكذا في سائر صنوف الحديث. قال عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي رحمه الله: أردت الخروج إلى سويد بن سعيد الهروي، فقلت لأحمد بن حنبل: اكتب لي إليه. فكتب إليه: هذا رجل يكتب الحديث. وقلت: لو كتبت إلى هذا، هذا رجل من أصحاب الحديث. يعني أراد تغيير العبارة، أراد من الإمام أحمد أن يغير العبارة من "هذا رجل يكتب الحديث" إلى "هذا رجل من أصحاب الحديث". فظنه أن هناك فرقا بين العبارتين: رجل يكتب حديث، ورجل من أصحاب الحديث، يعني هذا صاحب حديث، عنده حديث. فقال له الإمام أحمد: صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث. إذا أردت أن تكون صاحب حديث فعلا، ليس فقط كاتب، هذه التسمية الطيبة، اعمل بالحديث. من يستعمل هذا الحديث فيسمى صاحب حديث، أي كأنه صاحب سنة، صاحب سنة. في هذا تزكية له أنه صاحب حديث، حامل حديث، وفي نفس الوقت ماذا عامل به؟ قال عبد الملك الميموني رحمه الله: قال لي الإمام أحمد رحمه الله: يا أبا الحسن، إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وهذا من فقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أن الشخص لا يتكلم في مسألة من مسائل العلم ليس عنده فيها سلف إمام يقتدى به من أئمة الدين، من الصحابة والتابعين. فليس الأمر بالتخرص والتقول على الله سبحانه وتعالى، لأن الله عز وجل نهى عباده أن يقولوا عليه ما لا يعلمون، ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾. فيفتي الناس من رأسه، هذه المسألة حتى ما تكلم فيها ماذا السلف، ويقول: هذا حلال، وهذا حرام، هذا جائز، هذا غير جائز، هذا صح، هذا خطأ. لا، يا عبد الله، الإمام أحمد يقول: إياك أن تفتي في مسألة ليس لك فيها أحد من الأئمة المقتدى بهم. فإذا كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى في عصره أتباع التابعين، أتباع التابعين، فمضى قبله التابعون الأئمة الكبار، وقبل التابعين الصحابة الأفذاذ رضي الله عنهم، مجمعين. انتبه، لابد هناك أن يكون لك في المسألة إمام من الأئمة المعتبرين من الصحابة والتابعين، حتى يكون قولك قوي، يكون قولك قوي. ما تقول هكذا، تفتي برأسك. فإذا كان لك فيها إمام وسلف نجوت، فأنت تعمل بفقه السلف رحمه الله تعالى، الذين هم أعلم الناس بكتاب الله وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال أبو يعقوب إسحاق بن حبة الأعمش رحمه الله: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون. يعني لو بلغني شيء لقلت لك. فيها الوساوس التي تحصل للإنسان، والخطرات التي تأتيه، ويجلس يتفكر لوحده: ماذا أفعل، ماذا أقول، ما حكمها؟ يقول له الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ما سمعت شيء، ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون، فأنا أسكت فيها. فإذا لم يبلغك شيء من العلم عن الصحابة والتابعين، فاسكت كما سكتوا، والزم ماذا؟ والزم غرزهم في هذه المسائل. فلعل هذه من باب ماذا؟ وساوس الشياطين وتلبيس إبليس عليك، أن يأتيك بمثل هذه الوساوس والخطرات في نفسك. والمسلم يستعمل فيها الاستعاذة من الله سبحانه وتعالى، لأن الله عز وجل أمرنا أننا إذا نزغنا نزغ من الشيطان أن نستعيذ بالله سبحانه وتعالى. ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: « يأتي أحدكم الشيطان فيقول له: من خلق كذا وكذا، حتى يقول له: من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك في نفسه فلينتهي وليستعذ بالله ». قال عبد الرحمن الطيب رحمه الله: اعتل أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث، وهو الحافي. قال: فكنت أدخل على بشر، فأقول: كيف تجدك؟ فيحمد الله ثم يخبرني، فيقول: أحمد، أحمد الله إليك، أجد كذا وكذا. وأدخل على أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فأقول: كيف تجدك يا أبا عبد الله؟ فيقول: بخير. وقلت له يوما: إن أخاك بشرا عليل، وأسأله عن حاله، فيبدأ بحمد الله ثم يخبرني. فقال لي: سله عن من أخذ هذا، أي لماذا يبدأ بالحمد بعد السؤال؟ فسله عن من أخذ هذا. فقلت له: إني أهاب أن أسأله. قال: فقل له: قال لك أخوك أبو عبد الله، عن من أخذت هذا؟ قال: فدخلت عليه فعرفته ما قال، فقال: لأبو عبد الله لا يريد الشيء إلا بالإسناد. انظر كيف عرف أن الإمام أحمد متحري عن من أخذ هذا من السلف، بشر بن الحارث. قال: أبو عبد الله، وهو الإمام أحمد، لا يريد الشيء إلا بالإسناد. قال: عن ابن عون، عن ابن سيرين، أخذت هذا من ابن عون، عن ابن سيرين: إذا حمد الله العبد قبل الشكوى لم تكن شكوى. يعني إذا قال: الحمد لله، حمد الله على المرض، على الإصابة، ثم بعد ذلك لا بأس أن يحدث صاحبه وغيرهم ممن زاروه أن يقول لهم: أجد في نفسي وجع في مكاني كذا وكذا وكذا، وأشتكي كذا وكذا. لكنه قد سبقه أنه أولا حمد الله على الشكوى والمصيب. فإذا هذه الشكوى بعد ذلك أفصح عما في نفسه لغيره، لم تكن شكوى، لأنه لا ينبغي للعبد أن يشتكي إلا لله سبحانه وتعالى. قال: وإنما أقول لك: أجد كذا، أعرف قدرة الله فيّ. قال: فخرجت من عنده فمضيت إلى أبي عبد الله، فعرفته ما قال. قال: فكنت بعد ذلك إذا دخلت إليه يقول، أي إذا دخل على الإمام أحمد، يقول: أحمد الله إليك، ثم يذكر ما يجده، أي من الألم. قال أبو عمر، أبو عمر محمد بن جعفر بن حمدان رحمه الله: صل بنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل ليلة بمسجده، وعليه إزار ورداء. فقلت لأبي: يا أبه، أهو محرم؟ لأنهم يرون أن الذي يستخدم الإزار والرداء إنما هو المحرم. فقال: لا، ولكنه يسمع مني المستخرج الذي خرجته على مسلم، فإذا مرت به سنة لم يكن استعملها فيما مضى، أحب أن يستعملها في يومه وليله. هذا الإمام يعمل بمجرد أن يسمع الأثر والحديث عن شيخه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقوم ويعمل بها. قال: وأنه سمع من جملة ما قرأ علي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى في إزار ورداء، فأحب أن يستعمل هذه السنة قبل أن يصبح. يعني صلى عليه الصلاة والسلام في إزار، نسميه نحن الإزار، ماذا عندنا الآن؟ المعوز أو الفوطة أو السباعية، هذه صلى فيها النبي عليه الصلاة والسلام. ورداء، الرداء يكون على ماذا؟ الكتف، مثل ما يفعل المحرم. المحرم يحرم في ماذا؟ في إزار يتزر به، ورداء يجعله على عاتقه. وهكذا صلى النبي عليه الصلاة والسلام في إزار ورداء، لأنه من لباس العرب. العرب كانوا يلبسون الأزر، كانوا يلبسون هذه الأزر. ولبس النبي عليه الصلاة والسلام القميص، أي الثوب، لنسميه نحن الثوب، لبسه، وكان كمه إلى الرسغ، كان كمه إلى هذا المكان. فهذا أحب يعمل بهذه السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في إزار ورداء على عاتقه، فأحب يفعل كما فعل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال أيضا: وسمعته يعني أبا عثمان، وهو سعيد بن إسماعيل، يقول: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال تعالى: ﴿ وإن تطيعوه تهتدوا ﴾. يعني المسلم الذي يعمل بالسنة، كلما سمع بالسنة حافظ عليها وحرص على العمل بها، الله سبحانه وتعالى يؤتيه هداية، هذه الهداية منه سبحانه تجعله إذا تكلم ونطق نطق بأقوال فيها حكمة. وهكذا تجد السلف رحمهم الله العاملون بالسنة، تجد أقوالهم المسطرة في الكتب كلها حكمة، كلها حكمة. بل بعضهم يأتي بالقول وتجد له أثرا في ماذا؟ في الأمة، في الأمة، يعني في من بعدهم. فكان كلامهم فيه حكم، وكلامهم فيه درر لمن بعدهم، لأنهم عملوا بالسنة. وهكذا كل مسلم يؤتيه الله عز وجل تلك الفراسة، يتفرس وينطق بالحكمة. ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. والحكمة تؤتى بالعمل، تؤتى بالعمل بالكتاب والسنة. وأما الذي يؤمر الهوى على نفسه فإنه ينطق، والعياذ بالله، بماذا؟ بالبدعة. لأن الهوى من الشيطان، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يسددنا وأن يهدينا وأن يوفقنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم