شرح الورقات للجويني 13

الدرس في شرح الورقات للجويني 13، ألقاها

مفهوم الظاهر والمؤول في النصوص الشرعية

يُعرّف الظاهر بأنه ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر ويُؤول بالدليل إذا وجد. يُوضح ذلك من خلال أمثلة من الأحاديث النبوية والقرآن الكريم.

التأويل وأنواعه وأحكامه في الشريعة الإسلامية

التأويل يعني صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي لدليل، وله ثلاثة معانٍ وتأويلات أهل الأهواء مردودة. أفعال النبي عليه الصلاة والسلام تنقسم بحسب الدليل الشرعي.

أحكام أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره وتأصيل قاعدة فقهية

يناقش أحكام أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره، حيث تنقسم أفعاله إلى أقسام، كما يتناول قاعدة فقهية تشير إلى أن الإقرار بالتسليم يفيد الجواز ما لم يدل دليل آخر على الاستحباب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الظاهر والمؤول. قال: والظاهر محتمل أمرين، أحدهما أظهر من الآخر، ويؤول الظاهر بالدليل، ويسمى الظاهر بالدليل. هذا المبحث ذكره المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بالظاهر والمؤول، أي أن من النصوص الشرعية ما هي ظاهرة، ومنها ما هي مؤولة. فعرف الظاهر بقوله: محتمل أمرين، أحدهما أظهر من الآخر. الظاهر لغة: بمعنى الواضح والبين. واصطلاحا: ما احتمل أمرين أو معنيين، أحدهما أظهر من الآخر. فمثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «توضأوا من لحوم الإبل، ولا توضأوا من لحوم الغنم». هل المراد بالوضوء هنا الوضوء اللغوي أو الوضوء الشرعي الذي هو غسل الأعضاء؟ نقول: الظاهر هنا المراد به الوضوء الشرعي؛ لأنه لو كان المراد به الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين، لا فرق بين أكل لحم الإبل أو غيره من الغنم أو نحوها. لكن لما فرق بين لحم الإبل ولحم الغنم، علمنا أن المراد بالوضوء هنا الوضوء الشرعي، وهو الظاهر؛ لأن الظاهر في كلام الشرع حمل الكلام على معناه الشرعي. ومثل أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا». ألفاء في قوله: «فكبروا» للتعقيب، كما أنها كذلك تأتي وتحتمل معنى خفي، وهو بمعنى المعية: «فإذا كبر الإمام فكبروا» أي مع تكبيره. فكبروا مع تكبيره، أو تكون للتعقيب، وهذا هو الظاهر والمعنى الراجح من المعنيين: أنها للتعقيب، يعني بعد تكبيره، وعقب تكبيره: إذا كبر فكبروا بعده. فيكون هذا هو الظاهر، ويكون المراد بقوله «فكبروا» أي عقب تكبير الإمام. إذا عندنا معنى ظاهر ومعنى خفي. الظاهر: التعقيب، أن الفاء بمعنى التعقيب، والمعنى الخفي: أنها بمعنى المعية. فهنا نرجح المعنى الظاهر إن وجد دليل يرجح المعنى الثاني المرجوح عمل به، وصار هذا من الظاهر أو المؤول بالدليل. قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. الفاء هنا: «فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله» الفاء كما قلنا أنها للتعقيب. فإذا أخذنا بالظاهر هنا، لقلنا أن الاستعاذة ستكون متى؟ بعد القراءة. إذا قلنا بأن الفاء للتعقيب، ستكون الاستعاذة بعد القراءة: «فإذا قرأت القرآن فاستعذ». لكن ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ قبل القراءة. فنقول هنا: المعنى الظاهر الذي هو أن الفاء بمعنى التعقيب غير مراد، وإنما المراد المعنى الآخر الذي هو بمعنى قبل القراءة. قال: ويؤول الظاهر بالدليل، ويسمى الظاهر بالدليل. ومعنى يؤول الظاهر: يعني يصرف الظاهر عن ظاهره من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح إذا وجد دليل يدل على ذلك. فيرجح المعنى الخفي على المعنى الظاهر، ويسمى هذا تأويلا. والتأويل له ثلاثة معان: المعنى الأول: بمعنى حقيقة الشيء وما يقول إليه. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني وقوعه. والمعنى الثاني: بمعنى التفسير، تأويل الآية أي تفسيرها. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لإبن عباس: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» يعني التفسير. والمعنى الثالث: هو صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي لدليل يدل على ذلك. الأصل هو وجوب العمل بالظاهر، ولا يجوز ترك العمل به إلا بدليل يدل على أن المراد به غير الظاهر. والتأويل على نوعين كما قال أهل العلم: النوع الأول: تأويل مقبول، ويعمل به، وهو الذي دل عليه دليل. والثاني: تأويل فاسد مردود، وهو الذي لا دليل عليه. ومنه تأويلات أهل الأهواء كالرافضة ومن كان على شاكلتهم؛ لكثير من النصوص بتفسيرها بغير معناها الصحيح بمجرد الهوى، وكذلك نصرة لمذهبهم ولأهوائهم وآرائهم. قال: الأفعال. قال: فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة أو الطاعة أو غير ذلك. فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، وإن لم يدل لا يخصص به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: يحمل على الندب، ومنهم من قال: يتوقف عنه. فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا. وإقرار صاحب الشريعة على القول الصادر من أحد هو قول صاحب الشريعة، وإقراره على الفعل من أحد كفعله. وما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره فحكم ما فعل في مجلسه. يعني ما ورد وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من أفعال صدرت منه لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك. إما أن يفعل الفعل على جهة الطاعة والقربة يتقرب به إلى الله، أو يفعله على جهة الجبلية وما جبل وطبع عليه الإنسان كالأكل والشرب والنوم واللباس. قال: فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، وإن لم يدل دليل لا يخص به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. إذن أفعال النبي عليه الصلاة والسلام على أقسام. القسم الأول: ما فعله عليه الصلاة والسلام على جهة الطاعة والقربة. وهذا الفعل أيضا على أقسام وأنواع، منه ما هو خاص به عليه الصلاة والسلام. فإن دل الدليل على اختصاص به فإنه لا يشرع التأسي به في ذلك. والنوع الثاني: ما لم يدل عليه دليل على اختصاص به، فالأصل هو التأسي به عليه الصلاة والسلام؛ لقول الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وما فعله عليه الصلاة والسلام على غير جهة القربة والطاعة، يعني الأمور الجبلية التي طبع عليها الإنسان من أكل وشرب ونوم، فهذه لا يشرع التأسي فيها بأصل هذه الأعمال؛ لأن هذا أمر جبل لي. لكن يشرع التأسي في كيفية الصفة. قال: فيحمل على الوجوب عند أصحابنا، ومن أصحابنا من قال: يحمل على الندب. يعني ما فعله عليه الصلاة والسلام على جهة الطاعة والعبادة وليس من خصائصه، هل يدل ذلك على الوجوب أو يدل على الندب؟ والصحيح أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم هو استحباب متابعته، فيدل على الندب. أما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم فابتداء يكون واجبا عليه لأجل وجوب التبليغ. قال: فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا. يعني إذا فعل شيئا على غير جهة الطاعة والقربة كما قلنا كالنوم أو اللباس مثلا، هذا الأصل فيه أنه للإباحة. قال: وإقرار صاحب الشريعة على القول الصادر من أحد هو قول صاحب الشريعة، وإقراره على الفعل من أحد كفعله. نعم، صدرت أقوال من بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكرها. فهذا كقوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا أيضا بعض الأفعال التي حصلت وأقرها النبي عليه الصلاة والسلام تدل على الجواز والإباحة. قال: وما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره فحكمه حكم ما فعل في مجلسه. يعني ما فعل في وقته يعني في عهده عليه الصلاة والسلام، لكن في غير مجلسه، النبي غير موجود، وفعل هذا الفعل ولم ينكره النبي عليه الصلاة والسلام، فحكم حكم ما فعل في مجلسه. ومما أيضا يستدل به على إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له ولم يفعل في حضرته، ما ثبت عن خبيب رضي الله تعالى عنه حين أراد المشركون قتله فركع ركعتين قبل أن يقتل. قال: «دعوني أصلي». فصلى ركعتين، وبلغ ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينكره، فيدل هذا على مشروعية أو على جواز صلاة الركعتين قبل القتل. والحديث في صحيح البخاري. نفس القاعدة: كل ما أقر أن يسلم فالأصل أنه للجواز والإباحة، لا ما يدل على الاستحباب إلا بدليل آخر. الحمد لله، وصل الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على