الدرس في Lesson 3 Part 3، faith in the messengers and the last day ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان، ويجب الإيمان بهم جملة وتفصيلًا. الإيمان برسالاتهم كلها حق من الله تعالى.
يتطلب الإيمان بالرسل التصديق بأخبارهم والعمل بمقتضاها، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. الإيمان باليوم الآخر يبدأ من موت الإنسان وانتقاله إلى حياة البرزخ.
يوم القيامة يحمل أهوالًا كثيرة، والإيمان به يثمر مراقبة الله وترك المعاصي. الإيمان باليوم الآخر يحمل العبد على فعل الطاعات وترك المنكرات.
يُفرح المؤمن بلقاء الله نتيجة صبره وجهاده، ويكون فرح الله به كذلك. الدنيا سجن للمؤمن، والمؤمن يفرح بلقاء الله لاستقامته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. نواصل في درسنا عن أركان الإيمان، وكان آخر ما وقفنا عليه هو ما يتعلق بالإيمان بالكتب، ومن أركان الإيمان كذلك الإيمان بالرسل. وكذلك يقال: إن الإيمان بالرسل يثبت على وجه الإجمال والتفصيل، فنؤمن به جملة بأن الله عز وجل أرسل رسلًا إلى عباده يبلغون شريعة الله سبحانه وتعالى ودينه، ويهدي الله عز وجل بهم إلى الصراط المستقيم الذي أحبه لخلقه جل وعلا. فنؤمن بهم جملة من علمنا منهم وما لم نعلم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾، فهذه الآية تدل صريحة أنه ليس كل الرسل قد قص علينا من خبرهم ووصل إلينا من مجمل رسالاتهم فضلًا عن تفاصيلها. كما أن بعض الرسل قد قص الله عز وجل علينا من أمرهم ما قص، سبحانه وتعالى، رسلًا وأنبياء، أول الأنبياء آدم عليه الصلاة والسلام أبو البشر، وهكذا من بعده من الأنبياء والرسل كإدريس ونوح وإبراهيم، ومن ذريته ممن اجتبى واصطفى، ومن علمنا منهم وما لم نعلم كسليمان وداود ويعقوب وموسى وعيسى، وهكذا كذلك خاتم الرسل والأنبياء جميعًا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكل الرسل نؤمن بهم والأنبياء، أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام، وأخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، وأول الأنبياء آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء جميعًا نؤمن بهم جملة وتفصيلًا، جملة ممن لم نعلم حتى أسماءهم، وهكذا كذلك من علمنا من اسمه ولم نعلم من خبره، فكلهم نؤمن بهم. وربما علمنا بشيء من أخبارهم فنؤمن بتلك الأخبار، كقصة هؤلاء الأنبياء والرسل وغيرهم كلوط عليه الصلاة والسلام، وأيوب عليه الصلاة والسلام، وذا الكفل وذنون وغيرهم من الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام. ومن الإيمان بالرسل عليه الصلاة والسلام الإيمان بأن رسالاتهم كلها حق وأنها من الله تعالى، وأن من كفر بواحد منهم فقد كفر بالجميع؛ لأن الرسل يدعو كل منهم للإيمان ببعض، ولهذا فإن أهل الإسلام وهم أهل الدين الحق يؤمنون بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، ويرون أن الكفر بواحد منهم كفر بالله وكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. بخلاف من ضل ممن سبق، فاليهود كفروا بعيسى، والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكما أن النصارى كفروا اليهود لعدم إيمان بعيسى عليه الصلاة والسلام، كذلك فإن النصارى كفروا بعدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وأما أهل الإسلام فإنهم يؤمنون بالرسل جميعًا، ويرون أن من لم يؤمن بواحد منهم فقد كفر، ولو آمن برسالة رسوله الذي بعث فيه؛ لأنه لا يتم الإيمان حتى يتم الإيمان بكل الرسل جملة وتفصيلًا. وهكذا الإيمان بالرسل يتضمن ويستلزم الإيمان بجميع أركان الإيمان الأخرى؛ لأن الرسل دعوا إلى ذلك، دعوا إلى الإيمان بالله والإيمان بالملائكة والإيمان بالكتب، وهكذا الإيمان بالرسل أي الآخرين. ومن الإيمان بالرسل الإيمان كما قلنا بتفاصيل ما علمنا من أخبار من أخبرنا عنهم، سواء الكتب التي أنزلت معهم أو بأسمائهم أو بشيء من أخبارهم، فنؤمن بذلك، نؤمن بما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقل عن أهل الكتاب. فقد علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام أننا لا نصدقهم ولا نكذبهم؛ لأن هذا من علم الغيب، ونحن لا ندري أهو صحيح أم غير صحيح، فما خالف ما في كتاب الله ومن دين الله الذي عندنا فهو باطل، وما وافقه فهو حق، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة فإننا لا نصدقهم ولا نكذبهم؛ لأنه من الغيب الذي لا طاقة لنا به. وهكذا كذلك من الإيمان بالرسل التصديق بكل ما صح من أخبارهم والعمل بمقتضى ذلك، ومن ذلك الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وبُعث بدين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا سواه، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فإن من الإيمان بالرسل الإيمان بما أخبر به والعمل بمقتضاه، والرسل قد أخبروا بمبعث نبينا عليه الصلاة والسلام وشريعته التي يجب العمل بها ومتابعتها. والإيمان بالرسل يثمر خصالًا حميدة طيبة، من أولها تعظيم الرب جل وعلا؛ فإنك بذلك تعرف عظمة الرب جل وعلا بتتابع هؤلاء الرسل جميعًا، تطلع على عظمته سبحانه ورحمته وعنايته بخلقه؛ إذ أنه جل وعلا لم يترك الناس هملًا بل أرسل إليهم رسلًا وأنزل إليهم كتبًا يهدونهم إلى صراطه المستقيم ودينه القويم. حتى يعبدوا الله جل وعلا على بصيرة، ليس هذا فحسب، بل بذلك يصلون إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وهكذا كذلك من ثمرات الإيمان بالرسل أنه يعرف العبد بعظمة نعمة الدين الذي منَّ الله عز وجل عليه بما يطلع من أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام. وهكذا كذلك من ثماره السير بسيرهم عليهم الصلاة والسلام والتسلي بأخبارهم، فنصبر كما صبروا عند الابتلاء، ونشكر كما شكروا عند النعمة، ونثبت كما ثبتوا عند اللقاء، ونثابر ونستمر حتى يتوفانا الله عز وجل أو نلقاه سبحانه وتعالى. فإن العبد يزداد يقينًا وثباتًا وبصيرة بوقوفه على أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، وغير ذلك من الثمار والفوائد العظيمة التي هي من ثمار وفوائد الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام. وأول اليوم الآخر يبدأ من موت الإنسان، فقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن جماعة من الأعراب جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن القيامة أو الساعة، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصغرهم فقال: «إن يمت هذا تقم قيامتكم»، ومعناه: إن يمت هذا الصغير تموتوا وتلقوا ما تسألون عنه من أمر الساعة أو القيامة. فقيامة كل إنسان تبدأ من حين موته؛ فإنه إذا مات انتقل من هذه الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ، وهي حياة القبر وما يلحق به من أوصاف وأحكام، وسميت هذه الحياة بالحياة البرزخية؛ لأنها فاصل بين الدنيا والآخرة، فهي كالبرزخ وهو الحاجز بين الشيئين. فإذا مات الإنسان ابتدأ يوم قيامته، وقد أخبرنا في أدلة الكتاب والسنة بأشياء كثيرة عما يتعلق باليوم الآخر، ويجب على أهل الإسلام أن يؤمنوا بها جملة وتفصيلًا، فما أخبرنا به على وجه الإجمال آمنا به مجملًا، وما أخبرنا به على وجه التفصيل آمنا به مفصلًا. ومن بلغه شيء من المسلمين من ذلك على وجه الإجمال آمن به مجملًا، سواء جهل بالتفصيل أو لم يعلم أن هناك تفصيلًا، فهو يؤمن به، فيؤمن بالقبر وفتنته، نؤمن كذلك كما قلنا بذلك جملة وتفصيلًا. فمثلًا نؤمن بالقبر وفتنته، فمن علم بتفاصيل فتنة القبر آمن به مفصلًا، ومن لم يعلم فهو يؤمن بما أخبر الله به في كتابه ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته جملة، وما لم نعلمه كما أخبر الله به مفصلًا. ومن ذلك ما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه ونبينا عليه الصلاة والسلام في سنته من عذاب أهل القبر ونعيمهم، قال الله عز وجل عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، استدل جمهور العلم بهذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن النار التي يعرضون عليها والساعة لم تقم هي نار فتنة القبر. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث البراء بن عازب الطويل عند أحمد وغيره بإسناد حسن كيف يكون توفي النفس المطمئنة المؤمنة، وكيف يكون توفي النفس الكافرة والفاجرة، واختلاف أحوالها وأهوالها، وما تلقى كل واحد منها بحسب ما كان من سابق عملها، نؤمن به من حين التوفي إلى حين تدخل القبر، وإلى حين كذلك تلقى ما تلقى من نعيم أو من عذاب، ومن فتنة وسؤال الملك في ذلك. كما جاء في الصحيح في صحيح مسلم من حديث أسماء وغيرها، فإن العبد يسأل عن دينه وعن ربه وعن نبيه، والجواب ليس بالتعلم، ولكن بما كان من سابق حال الإنسان في الدنيا، فإن القارئ والأمي إذا كان مؤمنًا صادقًا يوفق للجواب، وإن كان غير ذلك فلا يوفق للجواب، نؤمن بذلك كله جملة وتفصيلًا على ما جاء في أدلة الكتاب والسنة. وهكذا ما بعد فتنة القبر من عذاب يستمر في البرزخ إلى قيام الساعة، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء شيئًا من ذلك وأخبر به أمته عليه الصلاة والسلام، واختلف أهل العلم كيف رأاهم عليه الصلاة والسلام وهم يعذبون في النار، ومنهم من نعم وهم في قبورهم في الدنيا. فقال العلماء كما ذكر ذلك أي معناه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه رأى الأرواح صورت بصورة الأجساد؛ لأن أرواح أهل القبور تنتقل كما صحت بذلك الأدلة الكثيرة، منها حديث البراء المتقدم: أن أرواح أهل القبور تنتقل بين القبور وبين مقامها ومكانها من جنة أو نار، وهكذا إلى أن تقوم الساعة. فيكون فيها الأهوال الكثيرة من النفخ في الصور والبعث والنشور والحشر، وما يلحق الناس في الموقف، فالناس على حسب أعمالهم، والشمس تدن منهم قدر ميل، فيغطى الناس بعرقهم بقدر أعمالهم، منهم إلى عقبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى خاصرته، ومنهم إلى تدييه، ومنهم من يلجمه العرق جاشمًا. وهذا على خلاف المقاييس الدنيوية أن الناس في الصعيد الواحد يكون الماء لهم واحدًا، لكن يوم القيامة ليس كذلك، العرق يكون بحسب أعمال الناس، وهكذا ما بعده من أخبار صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام أو جاء ذكرها بالقرآن، كالحوض المورود وتفاصيل ما ورد فيه، وطرد من يطرد من غير بدل كما جاءت بذلك الأحاديث الكثير الصحيحة بالصحيحين. وهكذا كذلك الميزان وما جاء من أمر وزن الأعمال ووزن الأجساد، وهكذا كذلك من رؤية الرب جل وعلا في أرض المحشر، ومن وقوع الشفاعة الشفاعات، ومنها الشفاعة العظمى لنبينا عليه الصلاة والسلام، وما بعد ذلك من المرور على الصراط، فالناس يمرون فيه بحسب أعمالهم. فمنهم من يمر كالبرق، وكالريح، وكجري الخيل والإبل، ومنهم من يعدوا عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يكب في نار جهنم والعياذ بالله، وكل هذا بحسب أعمال الناس في الدنيا؛ فإنه يكون التوفيق والموفق من وفقه الله في ذلك اليوم العظيم والهول الكبير. وهكذا إلى غير ذلك من التفاصيل حتى يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، كل هذا نؤمن به كما جاءت به أدلة الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا. ومن ثمرات الإيمان باليوم الآخر: أنه سبب لمراقبة العبد لربه سبحانه وتعالى؛ فإنه يتذكر أنه يأتي عليه يوم يلقى الله سبحانه وتعالى ويقف بين يديه، وأنه يسأل أولًا في قبره ويحاسب على أعماله، ثم بعد ذلك ما تتبعه من مواقف كلها سبب لعظة هذا العبد وإصلاح حال نفسه. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أكثر من ذكر هادم اللذات»، يعني الموت؛ لأنه خير واعظ ومذكر، والموت وما يلحق به من أعمال من الإيمان باليوم الآخر كما سبق، ففيه ما سبق، وفيه كذلك الحث على فعل الطاعات والاستكثار من الحسنات، والرهبة من المعاصي والمخالفات، والهرب من أسباب العقاب والسيئات. وهكذا كذلك من ثمراته: أن المؤمن يتسلى بما وعد الله عز وجل أهل الإيمان يوم القيامة بما يفوته من لذات في الدنيا؛ فإن أهل الدنيا يتنافسون في لذات وشهوات لا يبالون بتحصيلها بطريق حلال أو حرام. أما المؤمن الذي يخاف الله ويستعد للقائه وما أعده الله لعباده يوم القيامة فإنه لا ينال من ذلك إلا بالطريق التي أحلها الله له، فلذلك ما يفوته من الدنيا يسلي نفسه بما وعد الله عباده المؤمنين من النعيم المقيم والعطاء الجزيل في الجنة. ويتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»، مع استحضاره وتيقنه أن الدنيا قصيرة وأنه سيقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، وهو فرح بصبره وجهاده حتى لقي الله حتى لقي ربه جل وعلا لقي الله وهو على ما هو عليه من السلامة والاستقامة، فيفرح بلقاء الله ويفرح الله عز وجل به. ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، نسأل الله عز وجل من عظيم فضله وواسع رحمته وجزيل عطائه جل وعلا إنه جواد كريم.