الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش الشيخ مسألة التعامل مع الأحاديث المخالفة لقواعد الشرع، ويوضح موقف العلماء منها. يبين أن الأحاديث المخالفة للقواعد الشرعية لا يؤخذ بها إذا ثبتت مخالفتها.
يتناول المقطع الرد على استدلال بعض الناس بحديث الأعمى على جواز التوسل بالنبي بعد وفاته، ويبين أن الحديث لا يدل على ذلك وأن الزيادة في الحديث الواردة فيه التوسل ليست صحيحة.
يناقش آراء العلماء حول التوسل بالنبي، ويشير إلى أن التوسل به جائز في حياته وبعد مماته بدعائه وليس بذاته، ويوضح أن الصحابة لم يفعلوا ذلك بعد وفاته.
يتناول جانب الشفاعة للنبي عليه الصلاة والسلام، ويبين دلالتها على مكانته عند الله تعالى، وكونها تمثل جانبًا من رحمة الله وكرمه.
بسم الله الرحمن الرحيم الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الشيخ حمد الناصر مع أثمان آل معمر: فصلا أمه. فالجواب عليه من وجوه. أنا قد أجبت جوابات الجملة كما تقدم، والآن أيضا سيجيب بالتفصيل. قال: وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَعْمَى، الجواب عليه من وجوه. الوجه الأول: أن الحديث إذا خالف قواعد الشرع لا يؤمن به، فإذا كان خالف قواعد الشرع وثبت ذلك، فإنه لا يؤمن به. وهذا قول أكثر أهل العلم. هل يؤمن إذا كانت هذه القاعدة صحيحة وقد دلت عليها الأدلة؟ وأما إن كانت هذه القاعدة فقط بالقياس أو ليست عليها تلك الأدلة، فلا يجوز أن الحديث يرد لأجل هذه القاعدة. لأن هذا الباب فتحه بعض الفقهاء، فأردوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأجل أهوائهم أو لأجل قول إمامهم. قال: فإنهم قالوا: إن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رواه العدل الثقة عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فهذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به لمخالفته قواعد الشرع وأصوله. وغالبا ما يتكلمون عن حديث الشاذ، فيريدون به الحديث الشاذ الذي إسناده شاذ. وأما المتن، فأيضا قليل من العلماء من يتكلم في المتن. قد يقول مثلا: إن هذا المتن غير صحيح مع صحة الإسناد. لكن هناك قرائن تجعل العلماء يقولون هذا. ومن هذه القرائن: مخالفته لقواعد الشرع. مخالفته لقواعد الشرع هذه قرينة تظن على أن الحديث إن كان صريحا فيما هو فيه، فدل على أن هذا المتن لا يصح وأنه منكر. قال: حتى لو أن إسناده كالشرس، بعض الأحاديث دخلت على بعض الرواة، فرووها أو أدخل عليها، فرووها. فقرر العلماء أنها منكرة. مثل بعض الأحاديث في فضل علي، مثلا يقال: إنها موضوعة أو في أئمة البيت. تجد أن الشيء أحيانا يضعفه بعض الرواة، ويذكرون إمام الأئمة، مثل ما كان يفعل محمد السعيد المصدور. يذكر الحديث ويرسل، كأنه يخرج نفسه. فلهذا تجد أن بعض الرواة يرى أن الحديث صحيح، لكن علماء الحديث يعرفون بأن هذا الحديث لا يصح. قال: مثل حديث عند الحاكم، أخرج الحاكم من طريق عبد الرزاق، أن معمرا عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: "يا علي، حبيبي حبيبك، حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله". فحدث بهذا الحديث أحمد بن أزهر بن سابور، وكان في المجلس زكريا يحيى بن معين. فلما سمع هذا الحديث، قال: "من الكذاب الذي روى هذا الحديث؟". فعرف أن هذا الحديث كذب. قال: وكذلك أيضا ذكر ليحيى بن معين حديثا أن النبي عليه الصلاة والسلام مسح على جمرة عندما كسرت زندته. فقال يحيى بن معين: "هذا الحديث لا يصح، ولم يحدث به معمر أبدا". أنه رواه من طريق معمر أو طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أو عن ابن عباس. فقال يحيى بن معين: "هذا الحديث لم يحدث به عروة أبدا". فبين العلماء أن هذا الحديث أخطأ فيه عبد الرزاق. قال: المهم أن العلماء الأقدمين يعرفون أحيانا الحديث باللغط، لكن هذا قديم، لأنهم كثرة اشتغالهم بهذا العلم. يعرفون عندهم قرائن تدل على ذلك. فليس هناك الآن مثلا من يعرف مثل هذا أو يستطيع أن يفعل مثل هذا. ينكر الحديث بمثله. ولهذا لما ذكر النسائي رحمه الله حديث عمر، عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة، أنه قبل برأيته، وهو صعب. قال النسائي: هذا الحديث منكر، لكن لا أدري من النكارة. قال: فهذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به لمخالفته قواعد الشرع وأصوله. بل من احتج به على دعاء الميت ورغب فيه، قد خالف نصوص الكتاب والسنة. مع أنه بحمد الله يوافق ذلك، ولا يخالفه. هذا جدل على أنه يخالف النصوص. فنقول: إنه إذا كان يخالف النصوص الشرعية، فهو مردود. قال: الوجه الثاني: أن هذا الحديث قد رواه مسلم في صحيحه، عن إسماعيل بن جعفر، عن إخمان بن حنيف، أن رجلا أعمى أتى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "يا نبي الله، إني قد أصبت في بصري، فادع الله لي". قال النبي عليه الصلاة والسلام: "توضأ وصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني أتشفع به إليك في رد بصري، اللهم شفعني فيه". قال: "ففعل ذلك، فرد الله عليه بصره". قال: وكذلك أيضا روى الترمذي هذا الحديث، عن عثمان بن عمر، عن شعبة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عثمان بن حنيف، أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ادع الله لي أن يعافيني". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إما أن تدعو، وإما أن تصبر، فهو خير لك". قال: "فدعا". فوعد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأعمى أنه سيدعو له. قال: فإن وضع الدعاء، ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجة هذه ليقضيها، اللهم شفعه في". قال: "في هذا حديث الأعمى الصحيح الغريب". قال: "وأبو جعفر هو الخطاب نفسه، لكن الشيخ الإمام الترمذي أخطأ". وهذا الحديث معناه حسن، لكن فيه زيادات ليست صحيحة. قال: وقد تكلم الإمام الباني رحمه الله في كتاب التوسل أحكام وأنواع، على هذا الحديث. قال: "هذا لفظ بحروري في نسخة أخرى: إني توجهت به إلى ربي". وليست هذه الزيادة في الحديث في سياق هؤلاء الأئمة. قوله: "يا محمد" التي هي غاية ما يتعلق به الكلام. قال: الوجه الثالث: يقال على تقدير صحة هذه الزيادة، فليس فيها ما يدل على دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، لأنه كان حاضرا. ولو كان فيها ما يدل على ذلك، لفعله الصحابة رضي الله عنهم. فلما ثبت أن الصحابة لم يفعلوا، بل ولا أجازوا، علمنا أنه ليس في ذلك دلالة. قال: وقد جاء في هذا الحديث أن هذا الأعمى فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بما لا يخرج عن النبي صلى الله عليه وسلم أو بما لا يخرج في التصرف في هذا الحديث. وقد جاء برواية من طريق آخر، قال: "ما معنى فنقول؟". ذكر العلماء في معناه قولين: أنه التوصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيدل على جواز التوصل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته. قال: إلا أن التوصل ليس فيه دعاء له والاستغاثة به، وإنما توسل الله بجاهه. لكن هذا قد بين العلماء أن البدعة وأنه لم يثبت. وليس في الحديث كذلك. سيذكر الشيخ رحمه الله. وهذا كلام شيخ الإسلام. قال: "وهذا ذكره الفقيه أبو محمد العز بن عبد السلام في فتاويه". فإنه أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وأما التوسل به صلى الله عليه وسلم، فجائز. صح الحديث فيه، يعني حديث الأعمى. أنا في فتاوى العز بن عبد السلام، الذي قال له سلطان من سلاطين الماء، هو فقير شافع. وأما في العقيدة، أبو محمد العز بن عبد السلام، قال الشيخ المتيم رحمه الله تعالى: "أما التوسل إلى الله بغير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا نعلم أحدا من السلف فعله، ولا رووا فيه أثرا، ولا نعلم فيه إلا ما أخطأ فيه بعض المتأخرين من المتصوفة". قال: وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيه حديث السنن، وهو حديث الأعمى الذي ينسيه. وفصله. فلأجل هذا أن السنة الشيخ التوسل به. ثم ذكر أن الناس بمعنى هذا الأمر، أولاد كلام شيخ الإسلام. قال أحدهم: "أن هذا التوسل هو الذي ذكره ويضع لما استسقى بالعباس". وذكر أنهم كانوا يتوصلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء، ثم توصلوا بعم النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته. قال: وتوصلهم به واشتسقى وقوم به، بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله. فخلص أن المراد هنا ليس التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بذاته، وإنما التوسل بدعائه. وهذا لا يكون بعد موته. قالوا: هذا لم يفعله الصحابة بعد موته، ولا في مضيبه. والنبي عليه الصلاة والسلام كانوا في مثل هذا يشفع لهم، داعية. ولهذا قال في الحديث: "اللهم فشفعه فيه". والشفاعة هي وساطة. والوساطة تكون بالقول. معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا، وهذا الدعاء صار واسطة لهذا العبد. قال: مثل ما يقال مثلا: "يا خلاد، فيدعو فيدعو الله، ويستجيب الله له". مثل ما جاء في هذا الحديث. حديث العباس، أنه قال: "كنا نتوسل بنبيك صلى الله عليه وآله وسلم، فتسقينا". فإن نتوسل بعم نبيك. ثم جاء في حديث المستسقي، قال: "قم يا عباس، واسأل الله، وانجاء في سعي المسلم". فإن نتوسل بعم نبيك. قال: وجاء كذلك عن معاوية، أنه قال لابن أسود بن يزيد: "قم يا بكاء، فضع الله". فالمراد إذا انتهت الدعاء لله، ثم هذا الدعاء استشفي له. وهكذا فعل المستسقي صلى الله عليه وسلم مع هذا العباس. قال: وهذا لم يخالف الصحابة بعد موته، ولا في مضيبه. والنبي صلى الله عليه وسلم. قال: لهذا جاء فعلهم دائما. ولهذا قال في حديث الأعمى: "اللهم فشفعه فيه". فعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام شفع له، فسأل الله أن يشفع فيه.