الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حكم التوسل بالصالحين في الدعاء مستندًا إلى آراء علماء السلف ومذاهب الأئمة. يستعرض فتاوى العلماء حول جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبغيره.
يفرق بين التوسل بالطاعات والتوسل بذات الأشخاص أو جاههم أو بركتهم، ويبين أن التوسل بالطاعات هو التوسل الصحيح الشرعي. يشرح آراء بعض العلماء في هذا الشأن.
يشرح التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، ويبين أن السؤال يكون بالله وبصفاته. يستدل على ذلك بأحاديث نبوية وآيات قرآنية.
يتم ختام الدرس مع الإشارة إلى نية المتابعة في درس قادم. يُظهر المتحدث رغبته في الاستمرار في الشرح فيما بعد.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله: قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في الرد على البكري: وما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني عن كلام السلف، والعلماء: هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فعل ذلك أحد منهم؟ فما وجدته. ثم وقفت على فتيا للفقيه بمحمد بن عبد السلام، أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي عليه الصلاة والسلام. وأما النبي عليه الصلاة والسلام، فيجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك. قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه استقرأ كلام السلف، وبحث عن ما يدل على جواز التوسل بالصالحين، أي بذواتهم، قال: فلم أجد. فما وجدته. وشيخ الإسلام رحمه الله من العلماء المطلعين على مذاهب السلف، وكذلك أيضا على مذاهب الأئمة. فلهذا قال: لم أجد منذ زمن الصحابة والتابعين، وأتباعهم، وأئمة الإسلام. فكلهم لم يقل أحد بجواز التوسل بذات النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بذوات الصالحين. قال: ثم وقفت على فتيا للفقيه بمحمد بن عبد السلام. الذي قال له العز بن عبد السلام، وليس هو ابن أبي العز، لأن بعض طلبة العلم يخلط بينهما. هذا العز بن عبد السلام متقدم، وهو قبل شيخ الإسلام، يعتبر في طبقة مشايخه. أما ابن أبي العز، فهو من تلاميذ ابن القيم، وابن كثير، وأكثر من تلاميذ ابن كثير. وهو بعد شيخ الإسلام. وهنا الآن قصد العز بن عبد السلام، الذي يقال له سلطان العلماء. والعز بن عبد السلام عنده أشياء كثيرة خطأ في العقيدة، خاصة في الأسماء والصفات، فهو على طريقة الأشاعرة الذين اتبعوا الجهمية، فعقيدته غير صحيحة. لكن اشتهر لأنه كان في عهد المماليك، وقام بقومة مع المماليك، وهابه الناس، وهابه السلاطين، فارتفع. وهو كان فقيها من الفقهاء الشافعية. فيقول شيخ الإسلام رحمه الله، وهو مطلع: إنه لم يطلع على أحد قال قبل ابن عبد السلام: إنه يجوز للشخص أن يتوسل بالصالحين. يقول مثلا: أتوسل بفلان إلى الله، أو أتوسل بالنبي إلى الله، أو أتوسل بجاهه، أو بمنزلته، أو ببركته. كما يقول الآن كثير من الناس: أتوسل ببركة فلان من الصالحين. فهذا كله لم يكن يفعله السلف، ولم يكن معروفا عند السلف. فقال رحمه الله: ثم وقفت على فتيا الفقيه بمحمد بن عبد السلام، أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي عليه الصلاة والسلام. معناه يقول: لا يجوز التوسل بغير النبي، معناه إذا كان بالنبي يجوز، أما إذا كان بالصالحين لا يجوز. قال: وأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك. وهذا أيضا خطأ، لكن هو قيده بالحديث، معناه يريد حديث الأعمى. وقد تقدم الكلام على أن حديث الأعمى لا يدل على هذا. قال: وذكر القدوري -والقدوري هو من فقهاء الحنفية- قال: وذكر القدوري في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه لا يجوز أن يسأل الله إلا به. انتهى كلامه. أي لا يجوز أن يسأل الرب سبحانه وتعالى إلا به، لا يسأل بذات أحد أبدا، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا يدلنا على أن فقهاء الإسلام يحرمون هذا، ويمنعون من التوسل بالذات والبركة، وكذلك الجاه. وإنما الذي يشرع به التوسل مثل ما تقدم، إما بالأعمال الصالحة، أو بدعاء الرجل الصالح، أو وهو أعظم التوسل بأسماء الله وصفاته. قال: وذكر ابن القيم رحمه الله عن أبي الحسن القدوري نحو ذلك. فقال رحمه الله: قال القدوري: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك. أن يتوسل بهذا. توسل بمعاقد العز من عرشك، أو يقول: بحق خلقك. والجواز قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك، هو الله، فلا أكره ذلك. وأكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام. فهذا قول أبي يوسف: أنه قوله بحق فلان هذا لا يجز. وإنما أنكر قول أبي حنيفة التوسل بمعاقد العرش، أو بمعقد العز من عرش. قال القدوري: المسألة لا تجوز؛ لأنه لا حق لمخلوق على الخالق، فلا تجوز. يعني وفاقا. فلهذا لا ينبغي المسلم أن يقول هذا. وقد كثر في المتأخرين التوسل بالذات أكثر من التوسل بالله عز وجل، وأسمائه وصفاته. فتجد يجعلون التوسل بالذات أصل، بل أنهم يجعلونه من أفضل القربات. فيجعلون التوسل بفلان وفلان، أو بجاهه، أو ببركته. فلهذا تجد في أدعيتهم دائما: ببركة فلان افعل كذا، أو ببركة فلان، ببركة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا جهل بنصوص الشرع، وكذلك بأقوال أهل العلم. وقال البلخي في شرح المختارة: ويكره أن يدعو الله إلا به، فلا يقول: أسألك بخلقك، أو بملائكتك، وأنبيائك، ونحو ذلك؛ لأنه لا حق لمخلوق على خالق. انتهى. قال أبو العباس بن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم: لفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك غلط. غلط بسبب من لم يفهم مقصود الصحابة. فإنه يراد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو لكون الداعي محبا له، مطيعا لأمره، مقتديا به. فيكون التسبب إنما هو بمحبة السائل، واتباعه له. وإما بدعاء الوسيلة، وشفاعته. ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته. فهذا هو الذي كرهه، ونهى عنه. أما التسبب إنما هو بمحبة السائل، واتباعه له. كما بمحبة النبي عليه الصلاة والسلام. ويقول مثلا: اللهم باتباعي لنبيك صلى الله عليه وآله وسلم اغفر لي، أو كذا. فهذا ما في شيء. هذا ما في شيء؛ لأنه توسل بالطاعات. وأما أن يقول: ببركة فلان، أو بالإقسام على فلان. أقسمت عليك بفلان. وهذا التجرى يقولها بعض المبتدعة: يا رب أقسمت عليك بفلان. فهذا خطأ. لا يقسم على الله عز وجل بخلقه. قالوا: كذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول، وهو التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب. وقد يراد به الإقسام. ومن الأول حديث الثلاثة الذين آووا إلى غار، عن التسبب بمحبة السائل، واتباعه له. فإنه يقول: بمحبتي لك يا رب، وأيضا بعبادتي لك يا رب، وبطاعتي لك. فهذا أيضا من التوسل الصحيح. ويدل عليه حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار. فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة. لما انطبقت عليهم الصخرة. قالوا: ليدعوا كل رجل منكم بأفضل عمل. فدعوا الله بصالح أعمالهم؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله، ويتوجه به إليه، ويسأله به. وهؤلاء يدعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح، وسؤاله، والتضرع إليه. ومن هذا ما يذكر عن الفضيل بن عياض: أنه أصابه عسر البول. يحتبس البول. فقال: بحبي إياك إلا فرجت عني. ففرج عنه. وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها لما قالت: اللهم إني آمنت بك، وبرسولك، وهاجرت في سبيلك. وسألت الله أن يحيى ولدها. وأمثال ذلك. هذا كله من التوسل بالعمل الصالح. قالوا: هذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾. توسل بالاستجابة لله ولرسوله. ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. الآيات. فسؤال الله، والتوسل إليه بامتثال أوامره، وباجتناب نواهيه. وأما قوله: فخلاصة ما ذكره الآن يبين أنه لم يقل أحد من السلف: اللهم إني أسألك بجاه فلان، أو ببركته، أو بذاته. قيل لرجل من هؤلاء الذين يجيزون التوسل بالجاه والبركة: قيل له: إنه لا دليل على هذا. قال: من أين لا دليل؟ عندنا دليل. فذكر ما جاء في الترمذي: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أصبح قال: «اللهم إني أسألك خير هذا اليوم، فتحه ونصره وبركته». اللهم إني أسألك خير هذا اليوم، فتحه ونصره وبركته. الآن هل هذا بركة ذات؟ ليست بركة ذات. وإنما يسأل الله عز وجل أن يسر له الخير في هذا اليوم. إيش هذا الخير؟ النصر والبركة، وكذلك أيضا الفتح. وهو لم يسأل الله عز وجل بذات شيء، ولا بذات الأيام كما ظنه. وإنما سأل الله عز وجل أن يفتح الله عز وجل، وأن يبارك له في هذا اليوم، وأن ينصر ينصره في هذا اليوم. وهو سؤال بالله جل وعلا. قال: والتوسل إليه بامتثاله لأمره. قال: وأما قوله في حديث: «أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي إلى المسجد». هذا حديث جاء عند الترمذي، لكن فيه عطية العوفي. كما ذكر المؤلف رحمه الله. قال: وهذا الحديث ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه «المشي إلى الصلاة، آداب المشي إلى الصلاة». ذكره في آداب المشي إلى الصلاة. لكن بين أن بحق السائلين ليس المراد أنه يسأله بحقهم، حقهم. وإنما أراد إجابته لهم. أي بصفة الله عز وجل. هكذا فسر. لكن الحديث لا يصح. قال: فهذا الحديث رواه عطية العوفي، فيه ضعف. لكن بتقدير ثبوته، هو من هذا الباب، أي من سؤال الله عز وجل بالأعمال الصالحة. فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم. فالسؤال لهم، والطاعة سبب لحصول إجابته، وإثابته. مثل القول عز وجل: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾. قال: أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبا. فهم توسلوا بالعمل الصالح باستجابتهم لله. وهنا التوسل ليس بحقهم، وإنما باستجابته له جل وعلا لهم، بإجابته لهم سبحانه، وإثابته لهم. فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به. أي بالله عز وجل. ولو قدر أنه قسم، لكان قسما بما هو من صفاته. فإن إجابته، وإثابته من أفعاله. فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك». قال: والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام محمد وغيره من الأئمة. استعاذة لا تصح بمخلوق. بل هي من الشرك. ولهذا استدل الإمام محمد بحديث خولة بنت حكيم. وهي ما جاء في مسلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا نزل أحدكم منزلا» -أي كان في سفر فنزل منزلا- فقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». فقال الإمام محمد: أعوذ بكلمات الله التامات، وهي صفاته. فلا يجوز أن يحلف بمخلوق. وهذا استدل به الإمام محمد على الجهمية. فقال: فاستدل بأن كلمات الله من صفاته. فلو كانت مخلوقة لم استعاذ بها النبي عليه الصلاة والسلام. مثل استعاذ صلى الله عليه وآله وسلم بعفوه ومعافاته من عقوبته. «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك». مع أنه لا يستعاذ من مخلوق. كسؤال الله بإجابته، وإثابته. وإن كان لا يسأل المخلوق. ولأن المعافاة من فعل الله عز وجل، وصفة له. والرضا كذلك. فلهذا فهو استعاذ بصفات الله جل وعلا. قال: ومن قال من العلماء: لا يسأل إلا به. لا ينافي السؤال بطاعته. كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله. ومن حلف بغير الله فقد أشرك. ومع هذا فالحلف بعزة الله، وبحياة الله، ونحو ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحلف به، لم يدخل في الحلف بغير الله. وأما قول بعض الناس: أسألك بالله، وبالرحم. وقراءة من قرأ: «تَسْأَلُونَهُ بِالْأَرْحَامِ». فهو من باب التسبب بها. فإن الرحم توجب الصلة. طيب إن شاء الله. فهذا في باب المسببات. وإن شاء الله نواصل كلامنا في درس قادم. فنكتفي بهذا. والله أعلم.