الدرس في كتاب الصلاة 79، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع حكم الكلام في الصلاة ناسياً أو جاهلاً، حيث ذكر أن صلاة الشخص لا تبطل عند ثلاثة من الأئمة إذا تكلم ناسياً أو جاهلاً. واستدل بحديث أبي هريرة الذي يدل على صحة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بعد تكلمه ناسياً.
استدل المقطع بحديث معاوية بن الحكم السلمي على بطلان الصلاة لمن تكلم عامداً، وذكر اختلاف العلماء في حكم من تكلم ناسياً أو جاهلاً. بينما يرى البعض بطلان الصلاة، يرى آخرون صحتها.
الكلام أثناء الصلاة بغير ذكر الله يبطلها عند جمهور العلماء إذا كان متعمداً، بينما أجاز الإمام مالك الكلام لمصلحة الصلاة. والدليل على بطلان الصلاة بالكلام المتعمد هو ما شرعه النبي من تسبيح عند نابته شيء في الصلاة.
اختلف الفقهاء في حكم الإشارة في الصلاة، فذهب أبو حنيفة إلى أنها تبطل الصلاة، بينما ذهب الجمهور إلى أنها لا تبطل، وهو الرأي الصحيح لأن الإشارة ليست كلاماً.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله المحلي في ذكره مبطلات الصلاة: قال وإذا تكلم أو سلم ناسيا أو جاهلا أو سبق لسانه لم تبطل صلاته عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة تبطل بالكلام دون السلام ناسيا، وقال ما لكلام العامد للمصلحة الصلاة لا تبطلها. فالآن دخل في بعض المسائل التي متعلقة بالصلاة، خاصة بمبطلاتها، فذكر مسألة الكلام إذا تكلم في الصلاة، فذكر إذا تكلم وهو ناسيا أو جاهلا فإنها لم تبطل صلاته عند الثلاثة، أي عند مالك والشافعي وأحمد، إذا تكلم ناسيا أو جاهلا؛ لأن جاءت الأدلة بذلك. فالناس استدلوا بحديث أبي هريرة، لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام وسلم من ركعتين، ثم قام إلى الجدار الأمامي في المسجد واتكأ به، فقال له ذو اليدين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم تقصر ولم أنس. فقال: إنك صليت ركعتين، قال: أصدق ذو اليدين، قالوا: نعم، قالوا: نعم، فهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام بعد السلام أو سلم ناسيا وتكلم، فصلى ركعتين ثم سجد للسهو بعد السلام، فهذا الحديث يدل على أن من تكلم أو سلم ناسيا فإن صلاته صحيحة ولا يضر صلاته. وكذلك إذا كان جاهلا، أنا ما يدري أن الكلام في الصلاة لا يجوز، رجل مثلا أعرابي أو بعيد إسلام، ما يدري أن الكلام في الصلاة لا يصح أو يبطل الصلاة، فإذا تكلم جاهلا فإنه صلاته صحيحة. استدلوا بحديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، لما شمت عاطسا -أنا عطس رجل عنده فشمت- فقال: يرحمك الله، فنظر الناس إليه إنكارا على ما فعل، ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. وجاء في حديث زيد بن أرقم أنها لما نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: أمرنا بالسكوت، وجاء في رواية مسلم ونهينا عن الكلام، وجاء في رواية أنه قال: «كان الرجل يكلم الرجل في الصلاة، فلما نزلت وقوموا لله قانتين قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام». وأيضا جاء في حديث عبد الله بن مسعود أنه لما جاء من الحبشة قالوا: كان الناس -وكنا- نكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، قال: فدخلت عليه فسلمت فلم يرد علي السلام، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن مسعود: «إن في الصلاة لشغلا»، وغيرها من الأدلة التي تبين أن من تكلم عامدا ذاكرا أنه في الصلاة فإن صلاته باطلة. وقد ذكر ذلك الإجماع على هذا الإمام ابن المنذر، محدثا أن من تكلم في الصلاة عامدا ذاكرا فصلاته غير صحيحة. وأما إن كان ناسيا أو جاهلا فمذهب جمهور العلماء أن صلاته صحيحة. وذهب جماعة من السلف كعبد الله المبارك، ونسب إلى بعض الصحابة كابن عباس، إلى أنهم يقولون أنها تبطل ولو كان ناسيا تبطل الصلاة، ولو كان ناسيا أو جاهلا. والصحيح كما ذكرنا من الأدلة أنه لا تبطل إذا كان ناسيا؛ أحيانا الإنسان يقرأ ويتكلم أو يرد عليه مثلا، فيقول مثلا إيش ينسى أنه في صلاة أو يقول ماذا تقول، فهذا يحصل، فهذا صلاة صحيحة ولا شيء عليه، وهذا قول جمهور العلماء، وهو الذي دلت عليه الأدلة. وهناك قول لمالك أيضا أنه يجوز الكلام في مصلحة الصلاة ولو كان عامدا، وأكثر العلماء على عدم جواز ذلك. على المذهب المالكي يقول: إذا كان لمصلحة الصلاة ما في شيء يتكلم ولو عامدا. ومثل إيش مصلحة الصلاة؟ مثلا إمام مثلا قام من السجدة أو سجد سجودا واحدا ثم قام، فأحيانا يحصل مثل هذا، فيقولون له: سبحان الله، فيجلس، يقول له: سبحان الله، فيقوم لأنه ما درى إيش الذي فاته، فهنا عند الإمام مالك لا بأس أنه يقال له: السجدة الثانية مثلا، وكذلك إذا نسي الفاتحة يقال له: الفاتحة، فأجاز الإمام مالك هذا لأجل أن لا يحصل توتر في الصلاة، فأجاز هذا. لكن الدليل على هذا ليس هناك دليل يخرج هذه الحالة من الكلام؛ لأن الذي شرعه النبي عليه الصلاة والسلام والذي بيّنه أن المصلي يسبح إذا نابه شيء في الصلاة، سبّح إذا نابه شيء في الصلاة سبّح. فلهذا فإن كان تكلم تعمدا فصلاته غير صحيحة عند جمهور العلماء. بل بعضهم يقول: حتى ولو كانت إشارة مفهمة، وهو عند أبي حنيفة ورواية عن أحمد، لكن قول الجمهور أنه لا تبطل إذا كانت إشارة مفهمة، لم يتكلم لكن أشار إليه إشارة مفهمة. وهذا كلام غير صحيح؛ بل النبي عليه الصلاة والسلام أشار في صلاة إشارات مفهمة، مثل ما قال لهم: اجلسوا، معنى أشار إليهم أن يجلسوا، فتبين أنه أشار إشارة مفهمة. فلو أشار الإنسان مثلا في صلاته لشخص أنه مثلا أراد منه أن يجلس مثلا قال له كذا لأجل أمر ضروري مثلا، فرآه سيخرج قال له هكذا أشار إليه، فهذا عند أبي حنيفة تبطل الصلاة، لكن عند الجمهور أنها لا تبطل، وهو الصحيح؛ لأنه ليس كلاما، وليس هناك ما يدل على أنه يبطل الصلاة. وهناك مسائل في مسألة الكلام إن شاء الله نتركها في درس اللاحق، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.