الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بيّن ابن رجب أن أئمة السلف تكلموا في الرجال وضعفوا الرواة بدافع النصيحة للمسلمين وحفظ الدين، لا للطعن أو الغيبة. فقد ميزوا بين أهل البدع، والمتهمين بالكذب، وأصحاب الغفلة والخطأ الكثير، معتبرين التثبت في شهادة الدين أوجب من التثبت في الحقوق الدنيوية.
يبيّن المقطع أن الغيبة جائزة في مواضع المصلحة كالتظلم للقاضي، والقدح في شهادة الزور، والنصيحة في النكاح والمعاملة، والرد على من يطعن في الدين أو يحدث فيه. استدل بإجماع السلف وأقوال الأئمة كابن أبي حاتم وبهز بن أسد، وبأحاديث النبي ﷺ في استشارة فاطمة بنت قيس وعلي وأسامة، معتبراً الجرح والتعديل علماً شرعياً لتمييز الصحيح من الضعيف.
يبيّن المقطع أن نقد علماء الحديث للرواة الضعفاء أو الكذابين ليس غيبة بل أمانة ونصيحة لحفظ السنة، كما صرح بذلك ابن المبارك وابن علية ويحيى بن سعيد القطان وأبو مسهر وأحمد بن حنبل. ويؤكدون أن سكوت العلماء عن بيان حال الرواة يضيع الحق على الجاهلين، وأن من يتهمهم بالغيبة جاهل بالحكم الشرعي.
يوضح المقطع أن الكلام في الجرح والتعديل كان شديداً على المبتدعة، وينقل عن الإمام أحمد بن حنبل جواز التحذير من الشيخ إذا كان إماماً في بدعة ويدعو إليها، وهو المذهب المشهور عند أحمد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه أما بعد قال العلامة ابن رجب رحمه الله: قال أبو عيسى رحمه الله: وقد عاب بعض من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد، لا بل أئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال، منهم الحسن البصري وطاوس، تكلما في معبد الجهني، وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب، وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور. وهكذا روي عن أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، وسليمان التيمي، وشعبة بن حجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا، فما حملهم على ذلك عندنا والله أعلم إلا النصيحة للمسلمين، وهذا أبين وأوضح. وتكلموا لأجل الدين، سواء كان في أهل البدع أو في الرواة. ولهذا قال ابن سيرين: لما حدثت الفتنة كنا نقول: سموا رجالكم، فنسمي رجالنا، فنأخذ من أهل السنة ونترك أهل البدع، والتحذير من أهل البدع، وكذلك التحذير من من يخطئ ويكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا قد جاء عن السلف لأن مصلحته أعظم، أعظم من الكلام في الشخص، فتكلم العلماء في هؤلاء أهل البدع وهانوهم. قال: لا نظن، لا نظن أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يعرفوا، لأن بعضهم من الذين ضعفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهما في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتبييناً، لأن الشهادة في الدين حقها أن يتثبت فيها أكثر من الشهادة في الحقوق والأموال، ولا شك. فما دام أنه أجيزت الغيبة في الحقوق والأموال، يجوز أن يتظلم الشخص فيذكر من ظلمه عند القاضي أو عند من يريد أن ينتصر له أو يكلمه، فما بالك بالذي يخل بدين الله ويطعن في دين الله، أو يأتي بأشياء ليست من الدين فيدعي أنها من الدين؟ فكل هذا غش ولا بد أن يزال مثل هذا الغش. قال رحمه الله: مقصود الترمذي رحمه الله أن يبين أن الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وإمامتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله. ولهذا لم يعرف عن أحد أنه أنكر هذا الباب إلا بعض الجهال، أو بعض المتصوفة ممن لم يعرف بعلم، وإنما عرف مثلاً بالعبادة أو زهده. قالوا: قد ظن بعض من لا علم عنده أن ذلك من باب الغيبة، وليس كذلك، فإن ذكر عيب الرجل إذا كان فيه مصلحة، ولو كانت خاصة، القدح في شهادة شاهد الزور جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أولى. ومسألة الإجماع قد حكاها غير واحد من الأئمة، حكاها ابن أبي حاتم ومن دونه. قال: وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بهز بن أسد قال: لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده، لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يؤخذ فيه بالعدول. وبهز بن أسد هو بصري حافظ، من حفاظ البصريين، ممن قال فيهم الإمام أحمد: إليه منتهى التثبت. قالوا: كذلك يجوز ذكر العيب إذا كان فيه مصلحة خاصة، كمن يستشير في نكاح أو معاملة، وقد دل عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت قيس: «أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه». فهذا في بضع امرأة، فما بالك إذا كان في أمر أمة وأمر الدين؟ وكذلك استشارى النبي عليه الصلاة والسلام علياً وأسامة في فراق أهله لما قال أهل الإفك ما قالوا. قالوا: لهذا كان الشعبي يقول: «تعالوا حتى نغتاب في الله ساعة»، يعني: نذكر الجرح والتعديل. وذكر ابن المبارك رجلاً فقال: يكذب، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، تغتاب؟ قال: سكت، إذ لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل؟ إذا لم نبين فكيف يعرف الحق من الباطل؟ وكذا روى عن ابن علية أنه قال في الجرح: «إن هذا أمانة، ليس بغيبة». فهذا أمر مهم، أن هذه أمانة. ولهذا قال يحيى بن سعيد القطان: لما قيل له: إنك تتكلم في الناس، فكيف لو جاء هؤلاء خصماؤك يوم القيامة؟ فقال: «لأن يجيء هؤلاء خصمائي يوم القيامة أحب إلي من أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمي يوم القيامة فيقول: لم لم تذب عن سنتي؟ لم لم تذب عن سنتي؟» فهذا أو لا، معنى يقول: أنه لو جاء هؤلاء خصمائي سهل، سأخرج منه، لكن كيف لو جاء النبي صلى الله عليه وسلم خصمي؟ فهذا أعظم. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يسأل عن الرجل يغلط ويهم ويصحف، فقال: بين أمره. فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك غيبة؟ قال: لا. وروى أحمد بن مروان المالكي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي، وهذا رجل متصوف، أي من أزهد أهل الزهد، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، وفلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ، لا تغتب العلماء، قال: فالتفت أبي إليه فقال: ويحك، هذا نصيحة، ليس هذا غيبة. وقال محمد بن بدار السباك الجرجاني: قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب، قال أحمد: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ لهذا قال بعض الجهال في أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها، والمليك شهيد، قال: فإن كان صدقاً فهي في الحكم غيبة، وإن كان كذباً فالعقاب شديد. هكذا يقول بجهله، معناه: يقول إذا كانت صدقاً فهي غيبة، وإذا كانت كذباً فمعنى سيكون افتراء. وهذا الكلام في الجرح والتعديل أقضى مضاجعهم، معناه: صار عليهم شديداً أنه يتكلم فيهم، وإلا لقال ما شاء أو لقال من شاء ما شاء، كما قال ابن المبارك. وقال إسماعيل الخطابي: حدثنا عبد الله بن أحمد، قلت لأبي: ما تقول في أصحاب الحديث يأتون الشيخ، لعله أن يكون مرجئاً، وتحذر عنه؟ قال أبي: إن كان يدعو إلى بدعة وهو إمام فيها ويدعو إليها؟ قال: نعم، تحذر عنه. وهذا المشهور بمذهب أحمد، وتحذر عنه.