الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آيات سورة البقرة مبيناً نوعين من الناس: من يسأل الله الدنيا فقط ولا نصيب له في الآخرة، ومن يسأل حسنى الدارين. ويؤكد أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، بينما لا يعطي الآخرة إلا لمن يحب، ويجازي كلا بحسب عمله ونيته.
يوضح المقطع أن الله يستجيب دعاء كل داعي سواء كان مسلماً أو كافراً أو فاسقاً، لكن استجابة الدعاء في أمور الدنيا ليست دليلاً على محبة الله أو قربه. بل القرب الحقيقي يظهر في استجابة الدعاء المتعلق بالآخرة، حيث يمنح الله الكفار نعم الدنيا الواسعة بينما تشمل حسنة الدنيا للمؤمن الرزق الحلال والزوجة الصالحة والذرية الصالحة والعلم النافع والعمل الصالح.
يبيّن المقطع أن حسنة الآخرة تشمل السلامة من العذاب ونيل رضا الله والنعيم المقيم، وأن دعاء «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» هو أكمل الأدعية وأكثرها إيثارًا. كما يروي حديث الرجل الذي سأل أن يُعذب في الدنيا عوضًا عن الآخرة، فنهاه النبي ﷺ عن الدعاء على نفسه أو أهله أو ماله وأمره بهذا الدعاء القرآني.
يؤكد المقطع أن طلب الحاجات الدنيوية من الله جائز ومطلوب، لكن ينبغي ألا يغلب على دعاء المسلم. بل يُقدِّم الدعاء بالمغفرة والرحمة ودخول الجنة وسائر خيرات الآخرة، وهذا خلاصة ما تضمنته الآية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. يقول رحمه الله: ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق، وأن الجميع يسألونه مطالبه ويستدفعونه ما يضره، ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا، أي يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته، وليس له في الآخرة من نصيب لرغبته عنها والقصر همته، يسأل الله عز وجل أمور الدنيا فقط. ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين، ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه. وكل من هؤلاء وهؤلاء لهم نصيب مما كسبوا من كسبهم وعملهم، وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم وهماتهم ونياتهم، جزاءً دائرًا بين العدل والفضل، يحمد عليه أكمل حمد وأتمه، فهو سبحانه جل وعلا تمت كلماته جل وعلا صدقًا وعدلًا، صدقًا في الأقوال، وعدلًا في الأفعال. وهذا أيضًا يدل على أن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، كما جاء في الحديث، حديث بكبشة، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب. قال: في هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داعي، مسلمًا أو كافرًا أو فاسقًا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاء دليلًا على محبته له وقربه منه، إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين. أنا قد يستجيب الله عز وجل لبعض، أولا قد يكون كافرًا، قد يكون فاسقًا، يعطيه من هذه الدنيا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾. فربنا جل وعلا قد يعطي هؤلاء أهل الدنيا، يعطيهم من هذه الدنيا، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي في الكفر ﴿لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ إلى آخر الآيات. فربنا جل وعلا يبين أنه يعطي هذه الدنيا، قد يعطيها الكفار، لهذا قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُم فِي الْبِلَادِ﴾، أي لا يغررك تقلب هؤلاء الكفار بالنعم، عندهم نعم كثيرة، عندهم أشياء ليست عند أهل الإسلام، فلا يغرّنك كما قال الله عز وجل: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾، تقلبهم أي بالنعم. فالله عز وجل يعطي هؤلاء الكفار في هذه الدنيا. قال رحمه الله: والحسن المطلوب في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد من رزق هنيء واسع حلال، وزوجة صالحة، وولد تقر به العين، وراحة، وعلم نافع، وعمل صالح، ونحو ذلك من المطالب المحبوبة والمباحة. وحسنة الآخرة هي السلامة من العقوبات في القبر والموقف والنار، وحصول رضا الله، والفوز العظيم، والفوز بالنعيم المقيم، والقرب من الرب الرحيم. فصار هذا الدعاء أجمع دعاء وأكمله وأولاه بالإيثار، ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من الدعاء به والحث عليه. لكن كما جاء في الصحيحين في حديث أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا. وأيضًا لما رأى رجلًا قد صار مثل الفرخ، فقال: ما كان يقول هذا؟ قالوا: كان يقول: اللهم إن كان لي عذاب في الآخرة فاجعله لي في الدنيا. فقال عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله، لا تستطيع، ولكن قل: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ». أن هذا الأفضل، لا ينبغي للإنسان أن يدعو على نفسه أن يعذبه الله، وعذاب الآخرة لا يستطيع الجسم البشري في الدنيا. فلذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يدعو على نفسه، أو يدعو على أولاده، أو حتى على بهائمه. فلذا ينبغي للمسلم أن يدعو بالخير، يدعو بالخير في كل أحواله، وإن أراد نعمة أو شيئًا من أمور الدنيا سأل الله. قد كان الصحابة رضي الله عنهم كما جاء في الأثر يسألون الله حتى شسع نعل، فلا كانت قلوبهم معلقة بالله، يسألون الله حتى شسع النعل، شسع النعل إذا قطع سأل الله عز وجل أن ييسر لهم شسعًا آخر. وهذا لكمال تعلقهم بالله جل وعلا، وليس هذا من سؤال الدنيا، وإنما هو صحيح أنه من أمور الدنيا، لكنه يطلب من الله سبحانه وتعالى، من يملكه، يطلب من من يملك الدنيا. ولكن لا يجعل الإنسان أكثر دعائه لأجل الدنيا، بل يدعو لنفسه بالمغفرة والرحمة ودخول الجنة، وغيرها مما يكون من الحسنات العظيمة في الآخرة. فهذا خلاصة ما ذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.