الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي المقطع قصة أبي جندل بن سهيل الذي جاء مسلماً أثناء صلح الحديبية، فاشترط سهيل بن عمرو ردّه إلى قريش وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الشرط رغم استياء الصحابة. يستخلص العلماء من ذلك قاعدة تقديم الشرع على العقل والرأي الشخصي، كما قال سهل بن حنيف: «اتهموا رأيكم».
يؤكد المقطع وجوب انقياد المسلم لأحكام الشرع وعدم تقديم العقل أو الهوى أو العادات عليها، مستدلاً بموقف الصحابة يوم أبي جندل وقصة ظهير بن رافع في المزابنة وآية التحكيم. يبين أن الكمال الإيماني يتحقق بالتسليم الكامل لحكم الله ورسوله حتى لو خالف المصلحة الشخصية.
يبيّن المقطع أن الوصية لا تنفذ إلا في حدود الثلث وما زاد لا يُعمل به، ويحرم تبديل الوصية أو الشهادة بعد سماعها. يؤكد وجوب العدل والانقياد لشرع الله حتى على النفس والأقارب، مستشهداً بموقف عمر بن الخطاب ونصيحة أبي بكر.
يختتم المتحدث حديثه عن صلح الحديبية بالدعاء إلى الله بالتوفيق للخير والمعونة على طاعته واتباع شرعه. يختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى في صلح الحديبية، عندما جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو الجمحي القرشي. فجاء أبو جندل وأبوه كان يناظر النبي صلى الله عليه وسلم ويتفق معه في الصلح، فلما رآه قال: هذا أول ما عاهدتك عليه أو قاضيتك عليه يا محمد. وذكرنا في هذا الكلام مسألة، وهي مسألة انتهاء العقود، وأيضاً ما ينسخها، وعلى متى تفسخ العقود، ومتى تنتهي. أيضاً هنا في مسألة أخرى، وهي لما قال المسلمون: سبحان الله، أيرد الرجل إلى الكفار فيفتنوا في دينه؟ فلما ذكر هذا سهيل بن عمرو قال: من جاءنا منكم فإنا لا نرده، ومن جاءكم منا فإنكم تردوه إلينا. فكان اشترط هذا الشرط، ولم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، ولم يوافق عليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد. فجاء أبو جندل، فقال: هذا أول ما أقاضيك عليه. قال: إنا لم نفرغ من الكتاب. قال: إذن لا أصالحك في شيء. فحاول النبي عليه الصلاة والسلام أن يجيزه له، أنه يتنازل عن هذا حتى يقضى الكتاب، فلم يتنازل. فوافق النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الشرط، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يسألون خطة يعظمون فيها حرومات الله إلا أجبتهم عليها». فلهذا قال المسلمون: سبحان الله، أن يرد الرجل إلى الكفار حتى يفتن في دينه، أن صار عليهم أمر ثقيل، كيف هذا؟ وهنا مسألة عظيمة، سيأتي أثر هذه المسألة العظيمة في كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وكلام أبي بكر، وموقف عمر رضي الله تعالى عنه. فهذا اليوم، وهو يوم أبي جندل، كان من الأيام الصعاب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يوم صعب، كيف يرد الرجل إلى المشركين حتى يفتن في دينه؟ قد يفتن في دينه، فصار صعباً عليهم، صار أمر صعب: كيف إنسان منا وجاء إلينا ثم نرده إلى المشركين؟ لكن هنا الموقف العظيم، وهو الاستسلام للشرع، الاستسلام لشرع الله جل وعلا، مهما خالف ما يكون عند الرجل. كانوا يجدون في أنفسهم شيئاً لأجل الإسلام، ليس لأجلهم. كيف يرد مسلم، نرده إلى الكفار وقد جاء مسلماً؟ لكن الشرع أعظم وأعلم. فلهذا أخذ العلماء من هذا الباب قاعدة عظيمة: أن الإنسان لا يقدم عقله على الشرع، لا يقدم العقل على الشرع مهما كان، ولو رأى مثلاً في نفسه أن هذا مخالف للعقل، مخالف للواقع، مخالف لكذا، يقدم أولاً الشرع. ولهذا سهل بن حنيف رضي الله تعالى عنه، لما مات معاوية، وظن أن الناس سيحصل منهم شيء من الفتن والهرج وكذا، فقام في الناس خطيباً، وقال: يا أيها الناس، اتهموا رأيكم، اتهموا رأيكم. فإننا يوم أبي جندل، لو أردنا أن نرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددنا. كنا نستطيع أن نرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ما الذي منعهم؟ اتباع الشرع. فلا يقدم الإنسان عقله وما يعرف على الشرع. بعض الناس مثلاً يقول: لا، خلاص، أنا أعرف هذا، هذا الذي أعرفه. تأتي له بالأدلة من الكتاب والسنة، يقول لك: لا، أنا أعرف هذا. وبعضهم يقول: أدركت آبائي على هذا. أو بعضهم يقول: نحن تعلمنا من الصغر على هذا. طيب، قد يكون التعليم خطأ، هذا الذي تعلمته قد يكون خطأ أصلاً. فما دام أنه قد جاءك أمر من الشرع، يستدل بآية صريحة وحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالواجب عليك أن ترجع. فكيف إذا كان هذا الذي يعارض هو الهوى؟ لا يجوز للمسلم أن يعارض الشرع لا بعقل، ولا بهوى، ولا بأغراض من أغراض الدنيا، ولا أيضاً بشيء في نفسه. أحياناً مثلاً تكون هذه في الأحكام، الأحكام الشرعية أو المدنية التي تكون بين الناس، المعاملات الاجتماعية. فتجد مثلاً إنسان جاء الشرع كذا، وهو جاء في المسألة التي هو خصم فيها جاء ضده، فتجد أنه يجد في نفسه، ويجد في نفسه، ويتمنى أنه يتملص من هذا الشرع. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فمعنى الكمال العظيم هو أنك تسلم للشرع، تسلم للشرع. يقول ظهير بن رافع: كان لنا شيء في المزابنة، وكان لنا منفعة، فنهانا النبي عليه الصلاة والسلام عنه، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من كل شيء. كانوا لما يؤاجرون، يؤجرون الزراعة، ويؤجرون الزرع، في معنى في جهة من الجهات كان ينفعهم ذلك ويعود لهم بالثمن، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فامتثلوا شرع الله جل وعلا، وقالوا: طاعة الله ورسوله أحب إلينا من هذا. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يجعل نفسه تتقدم على الكتاب والسنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. قال ابن عباس: أي لا تتقدموا الكتاب والسنة. لا يتقدم الإنسان الكتاب والسنة بشيء يجعله يعارض الكتاب والسنة، مهما كان ذلك، حتى لو كان الإنسان في نفسه هذا الأمر مثلاً مضر عليه لو فعله، لكنه من شرع الله. أحياناً مثلاً يكون في المواريث، أحياناً يكون في الوصايا، أنها تكون وصية من ميت أنهم يعطون فلاناً كذا، ستجد بعضهم يقول: ليش نعطي هذا المبلغ الكبير؟ ما سنعطي، نعطي شيء يسير. وهذا لا يجوز، لأن تبديل الوصية لا يجوز. فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه. إلا إن كانت الوصية مخالفة للشرع، فوق الثلث، له الثلث، والثلث كثير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «له أن يوصي بثلث ماله». ما فوق الثلث لا ينفذ، لكن إذا كان دون الثلث تنفذ وصيته، وهذا واجب من الواجبات. فمن بدله كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. وهذه الآية سواء كان في الوقف أو الوصايا أو غير ذلك، لا يجوز الإنسان أن يبدل كلام الموصي أو كلام الواقف أو غير من هذه الأمور. فمن بدله بعدما سمع الشهادة وسمع البينات، فإنما إثمه على الذين يبدلونه. فلهذا لا يجوز مثلاً أن يعطي هذا الذي أوصاه وارثهم، أوصاه مثلاً بمئتي ألف، قال: نعطيه مئة فقط تكفيه. هذا خطأ. فلهذا لابد للمسلم أن يستسلم لشرع الله جل وعلا، وإن كان الأمر عليه. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. وأيضاً الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾. معنى العدل حتى من نفسك، أنك تعدل وتنصف في نفسك. إذا كان الأمر شرعاً وديناً، فلابد أن تقدم دين الله عز وجل على ما تهوى نفسك، وعلى ما تريد من المصالح. فلا تجعل مصالحك، ولا تجعل مثلاً عقلك، ولا تجعل هواك، ولا تجعل شيء من أغراض الدنيا، ولا أيضاً من الأمور التي تكون لك فيها منفعة، أن تصدك عن شرع الله وعن اتباعه. فلهذا الصحابة رضي الله عنهم، لما وجدوا في أنفسهم من هذا الشيء، لكنهم لم يستطيعوا أن يعارضوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي أن عمر سأل فقط، وأنب نفسه بعد ذلك. وسأل: لماذا نحن نعطيهم؟ هؤلاء رجل يأتي مسلماً نعطيه الكفار. فسأل عن ذلك، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لماذا نعطي الدنية في ديننا؟ كما سيأتي إن شاء الله وتعالى معنا في الدروس اللاحقة. أن عمر سأل عن هذا الشيء، وليس معارضاً، ولكنه سأل. ثم قال عمر رضي الله عنه بسؤال هذا: فعملت له أعمال، عملت أعمال خاص بهذا الفعل، أو هذا الموقف الذي وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لكنه لم يعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أذعن لكلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال أبو بكر لعمر: قال: إنه رسول الله، وليس بعاصيه. معنى أن هذا أمر من الله، إنه رسول الله، وليس بعاصيه. ثم قال: يا عمر، إنه على الحق المبين، فالزم غرزه. لا لا تميل أبداً عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مهما كلف الأمر. فهذا شيء يأخذ من هذا الموقف العظيم والعصيب، الذي حصل في هذا الصلح. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيننا على طاعته واتباع شرعه، والحمد لله رب العالمين.