صلح الحديبية مسائل وأحكام 47

صلح الحديبية مسائل وأحكام 47

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قاعدة ترجيح المصالح ودرء المفاسد في صلح الحديبية

يستعرض المقطع كيف قبل النبي صلى الله عليه وسلم شرطاً مجحفاً في صلح الحديبية مراعاة للمصلحة الكبرى، ويستنبط العلماء من ذلك قاعدة فقهية تقضي بتقديم المصلحة الراجحة عند التعارض، وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما. ويضرب أمثلة عملية كتقديم الصلاة على حفظ القرآن أو العمل أو اللهو توضيحاً لهذه القاعدة.

تطبيق القاعدة في صلح الحديبية وحكم النساء المهاجرات

يوضح المقطع اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للمصلحة الكبرى بالتمسك بالصلح رغم شرط رد الرجال المسلمين، معتبراً ذلك مفسدة صغرى تدفع مفسدة كبرى، وكيف فرج الله بخروج أبي بصير وأبي جندل حتى تنازلت قريش. كما يبين استثناء الله للنساء المؤمنات المهاجرات من الشرط بآيات سورة الممتحنة وأمر امتحانهن وعدم ردهن للكفار.

التنازل عن الحقوق الدنيوية لصلة الرحم والجوار

يستنبط المقطع جواز تنازل المسلم عن حق دنيوي لا يضر دينه ولا نفسه لمنع القطيعة التي تعد من الكبائر، مستنداً إلى فعل النبي ﷺ بارتكاب مفسدة صغرى لدرء كبرى. ويؤكد على أمثلة الخلافات الأسرية والجوارية، مبيناً أن العفو والصلح يكسبان رضا الله وأجراً عظيماً بينما الإصرار على الحق مع الهجران يوقع في الإثم.

حقوق الجار وأهمية التعاون والمودة بين الجيران

يؤكد المقطع على وجوب وجود تعاون ومودة وعلاقات طيبة تربط بين الجيران والأهل، معتبراً ذلك من الحقوق الواجبة في هذا المقام. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بما ذُكر من أحكام وآداب متعلقة بحسن الجوار وصلة الرحم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى بعض الفوائد مما حصل في صلح الحديبية، في الصلح وما قاله عمر رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام. وهناك فائدة ذكرها الإمام ابن القيم في فوائد صلح الحديبية في زاد المعاد، ذكر رحمه الله أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الصلح، في البند الأخير منه، أن من جاء من المسلمين إلى أهل الإسلام - ومعنى من جاء من المسلمين من عند الكفار ولو كان أسلم فإنه يرد إلى الكفار - ومن جاء من الكفار، ومن ذهب من المسلمين إلى الكفار فإنه لا يرد. وهذا الذي جعل كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم يعترضون على هذا البند، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قبله. فلهذا قبول النبي عليه الصلاة والسلام لهذا البند يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام ينظر إلى مصلحة أعظم ويذرأ مفسدة أكبر. ولهذا هناك عند أهل العلم قاعدة عظيمة عند تعارض المصالح أو تعارض المفاسد، لأن هذا الدين قائم على أوامره، أوامر هذا الدين قائمة على معنى أن تكون المصالح خالصة في الأمر أو راجحة، وكذلك في النهي إما تكون المفسدة خالصة ليس فيها شيء من النفع وليس فيها شيء من المصلحة، أو تكون هذه المفسدة راجحة على المصلحة. لكن أحيانًا تتعارض المصالح، تتعارض المصالح مثلًا على سبيل المثال: إنسان حضر عنده وقت الصلاة ويريد أن يكمل شيئًا مهمًا مثلًا من حفظ القرآن، هذه مصلحة وهذه مصلحة، فهنا الواجب علي أن أقدم المصلحة الكبرى وهو أنه يدرك الصلاة، لا يجعل مثلًا حفظ القرآن أو العلم أو غيره أن يجعله مثلًا يترك صلاة الجماعة أو يتأخر عن صلاة الجماعة. فكيف إذا كان هذا الشيء ليس مصلحة أصلًا بل قد يكون مضرة؟ مثلًا الآن بعض الشباب هداهم الله تجد أنهم يذهبون إلى الكرة ويتأخرون عن صلاة المغرب، وبعضهم إذا كان هناك مثلًا مباراة لفريقه ما يصلي العصر أو يصلي العصر بعد الأذان ما يصلي مع الجماعة ويذهب إلى الملعب، بل أخبرت أن بعضهم يدخل قبل الصلاة يصلي في الملعب إن كان صلى. وهذا كله من تقديم هذه المفاسد على المصالح العظيمة. كما قلنا الآن لو كانت هناك مصلحة من حفظ القرآن، من العلم، من العمل، أن إنسان يعمل عنده دكان عنده كذا، فلا يقدم مسألة الدكان هذا على الصلاة. إذا حضرت الصلاة يغلق الدكان، ولو مثلًا لا يتحصل مثلًا على كثرة الزبائن إلا في ذلك الوقت، لأن هذا غالبًا يكون من الشيطان فيكثر عليه الزبائن عند وقت الصلاة. فهنا يقدم الصلاة على غيره، يقدم الصلاة على غيره. فلهذا فهذه هنا مصالح أيضًا إذا تعارضت. وإذا تعارضت المفاسد، عنده مفسدة كبرى ومفسدة صغرى، فالقاعدة تقول أنه يرتكب - إذا كان ما في خيار إلا هذا - يرتكب المفسدة الصغرى لدرء المفسدة الكبرى. وإذا تعارضت مفاسد مع مصالح فذر المفاسد مقدم على جلب المصالح، ذر المفاسد مقدم على جلب المصالح. فلهذا قال الإمام القيم هنا أنها تعارضت مفسدتان: مفسدة ترك الصلح وهي مصلحة عظيمة للمسلمين - وقد معناه يخسروا أشياء كثيرة - ولأن الله عز وجل رتب على هذا الصلح فتحًا عظيمًا والأمور بيد الله جل وعلا. وأيضًا المفسدة الأخرى هو أن أهل الإسلام من جاء من الكفار إلى المسلمين يرد إليهم. هنا النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى مخرج من هذا الأمر فقال لأبي جندل: «يا أبا جندل سيجعل الله لك مخرجًا وفرجًا». معناه من جاء، ولهذا جاء في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة: «قال من جاء من الكفار إلى إلينا فرددنا فسيجعل الله عز وجل له مخرجًا وفرجًا». لماذا؟ لأن نيته صحيحة، نيته صالحة، والله عز وجل لا يخيب من كان مخلصًا له جل وعلا. فلهذا سيجعل الله عز وجل له مخرجًا. ولهذا أبو جندل أول ما سمع أن أبا بصير قد كان في - كما سيأتي إن شاء الله - قد جلس في ساحل البحر، بسرعة خرج إليه، خرج إليه أبو جندل وهرب إلى أبي بصير، وكل من خرج من مكة خرج إلى أبي بصير حتى تكونت جماعة في ساحل البحر، فكلما جاءت عير من عير قريش تقطعوها وأخذوا أموالها حتى صاحت قريش وتنازلوا، وتنازلوا عن هذا البند. قريش تنازلت عن هذا البند بعد ذلك، هم أنفسهم تنازلوا، قالوا: خلاص من جاءكم خذوه ما ترجعونه إلينا. فتنازلوا عن هذا، وهذا كله من الله سبحانه وتعالى، فرج الله عز وجل عن المسلمين. لكن أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يترك الصلح بسبب هذا البند، وصلح له همة كبيرة في دين الله، فلهذا اختار النبي عليه الصلاة والسلام المصلحة الكبرى على المصلحة الصغرى، ودرأ المفسدة الكبرى لأجل وارتكب مفسدة صغرى، ارتكب مفسدة صغرى وهو أن من جاءهم رد. قد يقول قائل: كيف بالنساء؟ أنا لو جاءت المرأة ضعيفة كيف ترد إلى الكفار؟ فهذا الله عز وجل حكم فيه، لأن الصلح صار على الرجال ولم يذكر النساء. ولما خرجت النساء من مكة خرجوا مهاجرات، أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ومهاجرات من مكة خرجوا معها، معنى نساء خرجوا مع أم كلثوم حتى وردوا المدينة، فصاح الكفار، قالوا: معنى على الصلح. فأنزل الله عز وجل الآيات التي هي آخر سورة الممتحنة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾. هناك أمر آخر في النساء وهو أنها ترجع إلى زوجها وهو كافر وهو لا يحل له أن يأتيها، فلهذا فالله عز وجل لم يدخل النساء في هذا الصلح، لم يدخل النساء في هذا الصلح، فلهذا بقيت المفسدة في الرجال، والرجال يستطيع أن يخرج نفسه مثل ما سيأتي إن شاء الله تعالى في قضية أبي بصير رضي الله تعالى عنه. فلهذا فهذه مفسدة درأها النبي صلى الله عليه وسلم وارتكب مفسدة صغرى لأجل أن يدرأ تلك المفسدة الكبرى. وأيضًا في هذا استنبطها بعض العلم أن الإنسان قد يتنازل عن شيء من الدين لكن لا يضر دين الله ولا يضره لأجل أمر أعظم منه، وهذا هو داخل في هذه القاعدة، يعني قد يتنازل الإنسان عن شيء لا يضره ولا يضر دينه لأجل مصلحة أعظم. مثلًا غالبًا هذا يحصل في مسائل المقاطعات والخلافات بين الأهل، بين الإخوان، بين الأقارب، بين الجيران، بين المسلمين، فتجد غالبًا على أمور دنيوية إما بيوت إما أراضي إما كذا. فهنا قد يتنازل الشخص وإن كان هو حقه، بعض الناس يقول لك: أنا ما سأتنازل عن حقي، أنا أريد حقي. هذا صح، الإنسان له أن يطالب في حقه، لكن له أن يعفو ويدرأ مفسدة أكبر وهي التقاطع. الآن الناس تقاطعون لأجل دنيا، يجلس سنوات مع أخيه لا يكلم أخاه، بل بعضهم مع أبيه، بعضهم مع أمه، كله لأجل إيش؟ لأجل دنيا. لو تركها ما ضرته ولا ضرت دينه، بل أحجزت له دينه لأنه بالتقاطع هذا يقاطع والده، يقاطع أخاه، يقاطع كذا، هو آثم حتى ولو كان مثلًا لأجل حقه. بعض الناس يقول: هذا حقي ما سأسامح فيه. طيب حقك لا تسامح فيه، فلماذا تقاطع؟ لماذا تقاطع أخاك؟ لماذا لا تكلم أخاك؟ هذا ما يجوز. والقطيعة إذا استمرت إلى سنة أنك قتلته معناه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من هجر أخاه سنة كسفك دمه»، كأنه سفك دمه، قتله. فالقطيعة أعظم، وهذه المفسدة أعظم، فقد يدرأ الإنسان هذه المفسدة بالتنازل، بالتنازل يقول: خلاص خذوا الذي تريدون، خذوه، هذا البيت الذي تريده يا أخي خذ، تريد نصف البيت، تريد أكثره، تريد كل البيت، خذوه، ما سيضرك أصلًا، الرزق من الله عز وجل. لا تضع في نفسك أنك إذا أخذت هذا البيت أخذت مالًا عظيمًا وأنه سيبقى وأنه كذا، لا، سيفنى هذا المال وما يبقى إلا ما كان رضا لله عز وجل. فإذا اكتسبت رضا الله لأجل الصلح فإنك اكتسبت أجرًا عظيمًا. هذا فقط مثال في هذه القاعدة أن الإنسان قد يتنازل عن شيء لا يضره أصلًا في دينه، وقد يحصل له مثلًا شيء من الضرر في دنياه لكن يكسب أمر دينه، ويكسب أيضًا مصلحة عظيمة وهي صلته بأقاربه، بأهله، بجيرانه، بكذا. حيانا يحصل خلاف بين الجار وجاره على أشياء بسيطة، لو تنازل أحدهم لكان له الأجر العظيم عند الله أنه أكرم جاره وأنه نفى القطيعة بينه وبين جاره. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، فليكرم جاره». وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»، من كثرة وصية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم بالجار، يدل على أن الجار له حق عظيم. كيف تتقاطع أنت وجارك على شيء بسيط، على مثلًا مجاري، على كذا، على كذا؟ فهذه الأشياء ينبغي أن يكون بينك وبين جارك شيء من التعاون، شيء من المودة، وشيء من غير من الأمور التي تربط بين الجيران وبين الأهل. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام، فنكتفي بذلك والله تعالى أعلم.