فضل العشر الأواخر من رمضان

الخطبة بعنوان فضل العشر الأواخر من رمضان، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 16 رمضان 1444هـ الموافق 7 أبريل 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل العشر الأواخر واجتهاد النبي

يُبرز أهمية العشر الأواخر من رمضان لاحتوائها على ليلة القدر، ويذكر اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيها. يُنصح المسلمون باتباع نهجه لاغتنام هذه الأيام.

صلاة الليل وعدد ركعاتها

صلاة الليل سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لها عدد معين، لكن الأفضل إحدى عشرة ركعة كما كان يفعل النبي. السلف الصالح كانوا يجتهدون في قيام الليل بأعداد مختلفة.

قيام الليل في العشر الأواخر

كان النبي يجتهد في العشر الأواخر بقيام الليل، ويصلي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة. صلاة الليل مطلقة ولم يحددها النبي بعدد معين، فمن شاء زاد أو نقص.

الدعاء بالتوفيق للطاعات

ينتهي المقطع بدعاء الله بالتوفيق لقيام الليل وصيام رمضان والاجتهاد في الطاعة. يُظهر أهمية طلب العون الإلهي في العبادات وزيادة التقوى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة المؤمنون عباد الله، فإننا بحمد الله عز وجل في هذا الشهر الفضيل نستقبل أواخره التي هي أفضله وخواتمه التي هي خواتم خير، في هذا الشهر العظيم، وهذا الشهر الذي جعله الله عز وجل لأهل الإيمان فرصة ولأهل القربات تقربًا إلى الله جل وعلا، وكذلك ضاعف الله عز وجل فيه الأجور والثواب، فربنا جل وعلا رحيم بعباده لطيف بعباده جل وعلا. ولهذا عباد الله، فإننا نستقبل هذه الأيام العشر الأواخر من رمضان، وهي أيام فاضلة عظيمة، كان نبينا عليه الصلاة والسلام يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها»، وهذا لفضل هذه العشر ولأن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، من حرم أجرها فقد حرم. ففي هذه العشر كان النبي عليه الصلاة والسلام يحث الصحابة رضي الله عنهم على العبادة والطاعة، وكان يقول: «تحروا ليلة القدر، تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان»، ومعنى تحروها أي اجتهدوا في الطاعة، اجتهدوا في العبادة، اجتهدوا في القربات لعلكم توافقون تلك الليلة فتغنموا بالأجر، وأيضًا كذلك تفوزوا بذلك النعيم العظيم إذا كنتم من أهل الاجتهاد وأهل الطاعة في تلك الليلة. فلهذا من حرص العبد ومن حرص المؤمن على الأجر العظيم وعلى هذه الليلة، فإنه يتحرى هذه الليلة بالطاعة والعبادة، ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام كما في البخاري ومسلم عن عائشة قالت: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره واجتهد وأيقظ أهله وأحيا ليله». وفي رواية في مسلم قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر الأواخر من رمضان جد واجتهد وشمر وأيقظ أهله وأحيا ليله»، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يجتهد اجتهادًا عظيمًا أكثر من غيرها، وفي هذه العشر كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص على قربات لا يفعلها في أيام رمضان إلا في العشر تحريًا لليلة القدر. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعتكف في العشر الأواخر من رمضان تحريًا لليلة القدر، وكان يعتكف في العشر الأول ثم اعتكف في العشر الأواسط من رمضان تحريًا لليلة القدر، لأنه لم يكن يعلمها، ثم لما أراد أن يخرج من المسجد أعلمه الله عز وجل أن هذه الليلة هي تكون في ليالي العشر. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فخرجت ليخبركم بليلة القدر فتلاحى رجلان فنسيتها»، أي تلاحى رجلان بخاصم رجلان، والنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يخبر أمته بهذه الليلة، لكنها حكمة الله جل وعلا، ولكنها أيضًا كذلك لطف الله عز وجل بعباده، فلو أنه أخبرهم بهذه الليلة لاجتهدوا في ليلة واحدة وتركوا بقية الليالي. فلهذا عباد الله، كان النبي عليه الصلاة والسلام بعدما أراد أن يخرج لما اعتكف العشر الأواسط من رمضان فأراد أن يخرج فأعلمه الله عز وجل أنها في العشر الأواخر، فقال: «تحروها في العشر الأواخر»، وقال: «التمسوها في العشر الأواخر»، وقال: «التمسوها في أوتار العشر»، وقال: «التمسوها في ليالي العشر»، وكل ذلك جاء على النبي عليه الصلاة والسلام مما يدل على أهمية هذه العشر. وأن المسلم ينبغي عليه أن يجتهد أشد الاجتهاد أشد ما كان عليه من قبل كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام والسلف من بعدهم، فكانوا يجتهدون أكثر مما كانوا، ولهذا عباد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل العشر الأواخر جد واجتهد وشد مئزره عليه الصلاة والسلام. وقال العلماء: ومعنى شد مئزره إما كناية عن الاجتهاد في الطاعة والعبادة أو أنه المراد ترك النساء، وكذلك إنما ترك النساء ليتفرغ لعبادة الله جل وعلا، ولهذا كان يعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل. فلم يترك عشرًا إلا مرة واحدة لما اعتكف أزواجه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل أردتن البر أم التنافس»، فلهذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام تلك السنة من الاعتكاف ثم قضاها بعد العيد في شوال، فهذا كله عباد الله من حرص النبي عليه الصلاة والسلام على أن يغتنم هذه العشر الأواخر. وهو قدوة الأمة عليه الصلاة والسلام، فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على هذه العشر، فكما كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص عليها، فإن كان يرى أنه سيضيع وقته إذا لم يكن في المسجد، فأفضل له بل السنة أن يعتكف في تلك العشر الأواخر. وكذلك يغنم ما كان من الأجر، فإن المسجد غالبًا يحافظ الرجل على الطاعة والعبادة ويحافظ كذلك على وقته، فلهذا كان أبو هريرة كما قال عروة بن الزبير رضي الله عنه: «كان أبو هريرة وأصحابه إذا كانوا صيامًا جاءوا إلى المسجد قالوا نحفظ صيامنا»، وكان النبي عليه الصلاة والسلام في زمنه كان الرجال والنساء يأتون إلى المسجد لأجل العبادة والطاعة وحفظ صيامهم. فقد جاء في صحيح البخاري عن أم الربيع رضي الله عنها أنها قالت: «كنا إذا كان يوم عاشوراء أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام بالصيام، قال: فنأتي إلى المسجد فنجلس في المسجد ونحن صيام ونأتي بأولادنا معنا ونصومهم، فإذا بكى أحدهم أعطيناه لعبة من العهن يتلهى بها». فانظر إلى حرص الصحابة رضي الله عنهم، فإذا كانوا صيامًا جاءوا إلى المسجد يحفظون صيامهم، وهذا الذي عناه النبي عليه الصلاة والسلام بالاعتكاف، فإن المؤمن الصائم يحفظ صاعة صيامه باعتكافه في المسجد حتى لا يضيع هذا الصيام، فإنه كما قد علمنا أن الصيام ليس فقط عن الطعام والشراب والمنكحي، وإنما الصيام كذلك عن المحرمات. فلهذا عباد الله، فصلاة الليل صلاة مطلقة لم يحددها النبي عليه الصلاة والسلام إلا بفعله عليه الصلاة والسلام، فالسنة فعله صلوات الله وسلام عليه، لكن من أراد أن يزيد أو أراد أن ينقص فله ذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن قيام الليل، سأله رجل عن قيام الليل فقال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الفجر فأوتر ولو بواحدة». فإذا خشيت أن يدركك الفجر فأوتر ولو بواحدة، أي إذا خشيت أن يدركك الفجر فأوتر بأكثر من واحدة بثلاث أو بخمس، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى ست ركعات ثم أوتر بخمس مواصلة. وكذلك جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «صلى النبي عليه الصلاة والسلام تسع ركعات فلم يجلس إلا في الثامنة ثم قام ثم صلى ركعة وجلس وسلم»، أي صلى تسع ركعات مواصلة لم يسلم إلا في آخرهن عليه الصلاة والسلام. وكذلك صلى سبعًا وجلس في السادسة ثم سلم في السابعة، وكذلك أيضًا جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى أربع ركعات صلى أربع ركعات في أول الليل ثم نام ثم قام فصل خمسًا لم يجلس إلا في آخرهن وسلم، فكل ذلك كان هديه عليه الصلاة والسلام. فدل على أن الإنسان له أن يصلي ما شاء في الليل من الركعات، وكذلك له أن يصلي في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، فكل ذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن الأفضل أن الإنسان لا يجعل صلاته مرتين، هذا الأفضل أن لا يجعل صلاته مرتين يصلي أول الليل ويصلي آخره. وإنما الأفضل أن يجعل صلاة واحدة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، وجاء في حديث أبي ذر وجاء أيضًا عن أبي ذر جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى بهم في سبع خلون من رمضان، أي في الثالث والعشرين، قال: فصلى بنا عليه الصلاة والسلام ثم قام في خمس بقين من الشهر فصلى بنا. فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا ليلتنا هذه، أي لو أكملت بنا هذه الليلة، قالوا: يا رسول الله مع أنه قد قام قيامًا كثيرًا، إلا أنهم كانوا يحبون الصلاة ويحبون القراءة، فقال عليه الصلاة والسلام: «من صلى مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»، قال: ثم صلى بنا في ثلاث بقيت أي من الشهر، أي في ليلة سبع وعشرين، قال: فقام بنا قيامًا حتى خشينا أن يذهب علينا الفلاح، فقالوا: وما الفلاح؟ قال: السحور. أي خشوا أن يذهب عليهم السحور لأنه سيؤذن الفجر من طول صلاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فلهذا عباد الله، فصلاة الليل الأفضل أن تكون صلاة واحدة وتكون أيضًا طويلة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، وكما كان الصحابة رضي الله عنهم. وكان في زمان عمر يقوم الرجل بخمسين آية في ركعة واحدة، ثم إن عمر رضي الله عنه خفف على الناس فأمرهم أن يقوم الرجل بثلاثين آية، وإلا كانوا يقومون بعد ذلك في زمان عثمان بالمئين، قال: حتى يعتمد بعضهم على العصي، فلهذا عباد الله، كان السلف رحمه الله يجتهدون في قيام الليل اجتهادًا عظيمًا. لأن هذه الصلاة أفضل الصلاة بعد المكتوبة، وهي أقرب الصلاة التي تقرب إلى الله جل وعلا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن أفضل الصلاة، قال: «صلاة في جوف الليل»، ثم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. فلهذا عباد الله، فهذه كانت صلاة رسول الله والسلف رحمة الله عليهم، يجتهدون في قيام رمضان يجتهدون في قيام الليل، وكما قلنا أن الأفضل للرجل أن يصلي صلاة واحدة، وإن صلى صلاتين فلا شيء في ذلك، أي صلى في أول الليل وآخره فلا شيء في ذلك، وإن زاد في العدد أيضًا فلا شيء في ذلك. فقد كان الناس في زمن عمر يقومون بإحدى عشرة ركعة، وكذلك بعشرين ركعة، وكانوا في زمن عمر بن عبد العزيز يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بخمس، وكذلك كان في زمن مالك بن أنس رضي الله عنهم ورحمهم الله، فدل ذلك على أن العلماء عرفوا أن قيام الليل جائز وبأي عدد. لكن الأفضل أن يكون بإحدى عشرة ركعة، وقد كان السلف يقومون أربعة تراويح، فإذا كان أربعة تراويح والمراد بالترويحة أربع ركعات، كانوا يقومون ستة عشر ركعة ويوترون بثلاث أو بخمس، فلما تدخل العشر الأواخر كانوا يقومون بخمسة تراويح ويوترون بثلاث، أي بعشرين. وقد كانوا بعضهم يصلي ستة تراويح، ومنهم من يصلي سبعًا، فلهذا عباد الله، وهذا يدلنا على أن قيام الليل ليس له عدد معين، لكنه كما قلنا الأفضل أن يصلي الرجل كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخير الهدي هدي محمد صلوات الله وسلامه عليه. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا لقيام الليل، وأيضًا لصيام هذا الشهر والاجتهاد بالطاعة فيه والتقرب إلى الله جل وعلا، والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم قائد الغر الميامين عليه الصلاة والسلام. أما بعد عباد الله، فقد سمعنا في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله بالطاعة وبالعبادة، أحيا ليله بقيام الليل، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يحيي ليله. قال العلماء: أي معظمه، أي معظم الليل كان يحييه أو أنه يحييه في صلاة وفي غيرها، أي انحمل على معناه الظاهر أنه يحيي الليل كله، فالمراد أنه يحيي الليل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، وإلا فالمراد أنه كان يحيي معظمه، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: «ما صلى النبي عليه الصلاة والسلام صلاة ليلة كاملة قط حتى أصبح»، أي لم يكن من هديه صلى الله عليه وآله وسلم أنه يصلي ليلة كاملة من بعد العشاء إلى الفجر. يصلي كذلك لم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يصلي كذلك، كما قالت عائشة رضي الله عنها، فلهذا حمل العلماء أن المراد أحيى الليل أي أحيى معظمه بالصلاة، أي زاد في الصلاة، وإن كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان يصلي إحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشرة ركعة كما قالت عائشة رضي الله عنها. كما جاء في الصحيحين قالت عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في قيام الليل ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في صلاة الليل ولا ينقص أو قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في صلاة الليل في رمضان أو في غيره على إحدى عشرة ركعة»، وجاء كذلك على ثلاثة عشرة ركعة. وجاء في حديث أسامة بن زيد قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى ركعتين طويلتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم صلى ركعتين دونها ثم صلى ركعتين أيضًا دونها ثم صلى ركعتين ثم أوتر»، فهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وكذلك أحيانًا يصلي ثلاثة عشرة ركعة. وقال بعض أهل العلم أن الثلاثة عشر ركعة تدخل منها الركعتين التي قبل صلاة الليل، فإنه قد جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا قام أحدكم ليصلي في الليل فيصلي ركعتين يستفتح بهما صلاته»، فبعض أهل العلم قال: أن هاتين الركعتين هما التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي أحيانًا. وقيل أنها ركعتان بعد الوتر كما جاء ذلك عند أحمد وأبي داود عن أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ركعتين بعد وتره وهو جالس عليه الصلاة والسلام، فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أحيانًا يصلي إحدى عشرة ركعة وأحيانًا يصلي ثلاثة عشرة ركعة، وهي قيام الليل. ولم يأت عنه أنه كان يقوم بأكثر من هذا، ومن قال أن المراد بهذا الحديث الوتر خاص وليس صلاة الليل فقد أخطأ خطأً بينًا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أو لأن عائشة رضي الله عنها وصفت قيام ليله فقالت: «كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة»، وهذا كلام صريح أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يزيد في الليل على هذه الصلاة. ولو كانت هذه الصلاة هي الوتر فقط لكان النبي عليه الصلاة والسلام يقوم أكثر الليل أو كله، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يطيل في هذه الركعات، فلهذا جاء في رواية في البخاري وكذلك في مسلم قالت عائشة رضي الله عنها بعدما قالت: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة». قالت: «كان يصلي أربعًا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا لا تسأل عن حسنهن وطولهن دون تلك، قالت: ثم يوتر بثلاث»، قالت: «ثم يوتر بثلاث»، وهذا نص صريح على أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي ثمان ركعات صلاة الليل ثم يوتر بثلاث عليه الصلاة والسلام. وأحيانًا يوتر بأكثر، فقد قالت عائشة رضي الله عنها كما عند أحمد وأبي داود والنسائي أنها قالت: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يوتر بثلاث ويوتر بخمس ويوتر بسبع»، فهكذا كان يوتره عليه الصلاة والسلام، وكان يوتر أول الليل وأوسطه وانتهى إلى آخره، وهو أكثر ما كان يفعل عليه الصلاة والسلام. فلهذا عباد الله، فصلاة الليل صلاة مطلقة لم يحددها النبي عليه الصلاة والسلام إلا بفعله عليه الصلاة والسلام، فالسنة فعله صلوات الله وسلام عليه، لكن من أراد أن يزيد أو أراد أن ينقص فله ذلك، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن قيام الليل. سأله رجل عن قيام الليل فقال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الفجر فأوتر ولو بواحدة»، ومعنى ذلك أنك توتر بأكثر من واحدة بثلاث أو بخمس، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، فكل ذلك كان هديه عليه الصلاة والسلام، فدل على أن الإنسان له أن يصلي ما شاء في الليل من الركعات. وكذلك له أن يصلي في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، فكل ذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن الأفضل أن الإنسان لا يجعل صلاته مرتين، هذا الأفضل أن لا يجعل صلاته مرتين يصلي أول الليل ويصلي آخره، وإنما الأفضل أن يجعل صلاة واحدة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يوفقنا لقيام الليل، وأيضًا لصيام هذا الشهر والاجتهاد بالطاعة فيه والتقرب إلى الله جل وعلا، والحمد لله رب العالمين.