حسن الظن بالله

الخطبة بعنوان حسن الظن بالله، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 12 ذو الحجة 1444هـ الموافق 30 يونيو 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل حسن الظن بالله تعالى وتأصيله الشرعي

يبدأ المقطع ببيان فضل حسن الظن بالله مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقول الله تعالى: "أنا عند حسن ظن عبدي بي". يُبين أهمية هذا العمل القلبي العظيم في حياة المؤمن.

حسن الظن بالله في حياة الأنبياء والصحابة

يتناول هذا الفصل كيف كان الأنبياء والصحابة يحسنون ظنهم بالله، ويظنون به الخير، وقد أكرمهم الله نتيجة لذلك. كما يبرز مواقف النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في حسن ظنهم بالله.

أثر إحسان الظن بالله على حياة المسلم

يُشدد على أهمية إحسان الظن بالله كعمل قلبٍ يجب على المسلم الحرص عليه، ويروي قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع رجل من الأنصار وأثر اجتمع الخوف من الله ورجاء رحمته في قلبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام، حفظكم الله تعالى، أخرج الإمام أحمد عن النظر أبي حيان قال: دخلت أنا وواثلة بن الأسقع على أبي الأسود الجرشي، يزيد بن الأسود، من سادات التابعين. قال: دخلت مع واثلة بن الأسقع رضي الله عنه على أبي الأسود يزيد بن الأسود الجرشي، قال: فأخذ بيدي واثلة وقبله ومسح بها عينيه؛ لأنه بايع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بها، ثم قال له واثلة: إني سائلك سؤالا، فقال أبو الأسود: وما هو؟ قال: كيف ظنك بربك؟ قال: كيف ظنك بربك؟ قال: أظن به خيرا، فقال: فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: قال الله عز وجل: «أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء». وجاء في حديث أبي هريرة عند أحمد وابن ماجة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال الله عز وجل: «أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن خيرا فله، وإن ظن شرا فعليه». عباد الله، فإن حسن الظن بالله جل وعلا من أعمال القلوب العظيمة التي يرتقي بها المؤمن درجات عند الله جل وعلا. فإن حسن الظن هو معاملة العبد بربه جل وعلا، ويقينه بالله سبحانه وتعالى، فلهذا كان الأنبياء من أفضل الناس في هذا الباب، يحسنون ظنهم بالله جل وعلا، ويظنون بالله عز وجل الخير. فإن سوء الظن بالله هو خدش في الاعتقاد، ولم يذكره الله عز وجل إلا عن المنافقين والكافرين، كما قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. فلهذا عباد الله، فإن حسن الظن بالله جل وعلا من أكرم الأعمال العظيمة التي يقوم بها التوكل على الله جل وعلا، فيظن العبد بالله عز وجل الخير، ويتفاعل بالخير، ويرجح الخير على الشر. فهذا إبراهيم نبي الله يلقى في النار، فكان حسن ظنه بالله، وقال: «حسبي الله ونعم الوكيل». قال الله عز وجل: ﴿فَقُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. وهذا نبي الله زكريا عليه السلام، قد اجتمعت أسباب كثيرة عنده على أنه لا يولد له، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾، فاستجاب الله عز وجل له، فوهب له نبي الله يحيى. فلهذا عباد الله، أولئك ظنوا بربهم الحسن، فأعطاهم الله عز وجل ما ظنوا به سبحانه وتعالى، وأكرمهم الله جل وعلا إكراما عظيما. وهذا نبينا عليه الصلاة والسلام كانت حياته كلها حسن ظن بالله جل وعلا، لم ييأس عليه الصلاة والسلام، ولم يتقاعس، وأيضا لم يدخله شيء من الهزيمة، بل كان حسن الظن بالله جل وعلا. وفي سيرته عليه الصلاة والسلام أمثلة كثيرة جدا، قد يطول علينا الأمر إذا ذكرنا بعضها، لكن نذكر شيئا مما قصه الله عز وجل علينا في كتابه العظيم، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِن لَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. جاء في الصحيحين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: «يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدمه لرآنا»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟». فإذا استعرضنا أيضا ما جاء عن الصحابة رضي الله عنه، تجد الكثير والكثير، فكان اعتقادهم وظنهم بالله جل وعلا لأنهم عرفوا أن الله عز وجل يعطي العبد على حسن ظنه به سبحانه وتعالى. وحسن الظن بالله جل وعلا ليس هو التكاسل والابتعاد عن الطاعات والتمني بالأمان من مغفرة الله وعفوه، فليس هذا حسن الظن عباد الله، وإنما حسن الظن أن يعمل العبد لله جل وعلا وهو يحسن الظن أن الله عز وجل يتقبل منه، لكن يخاف أن لا يتقبل منه. أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه». وأخرج الإمام أحمد عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس أنه قال: دخل النبي عليه الصلاة والسلام على رجل من الأنصار فقال: «كيف تجد قلبك؟» قال: أخاف الله وأرجو رحمته، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف». فلهذا عباد الله، فإن إحسان الظن بالله جل وعلا من أعظم الأمور، ومن أعظم الأعمال القلبية التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها، فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا، إنه هو الغفور الرحيم.