شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 2

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 2، الدرس الثاني :من(بسم الله الرحمن الرحيم ...فإنه إذا نظر إلى كل عضو من أعضائه علم أنه لا يصلح في غير محله ). ألقاها

مقدمة في شرح البسملة ومعانيها

يبدأ الدرس بشرح معنى البسملة والحمد لله، مع تفصيل الفرق بين الحمد والشكر والمدح، وتوضيح معنى اسم الله العلي الأرفق.

التوفيق بين قدرة الله وحكمته

يتناول الدرس التوفيق بين قدرة الله وحكمته في مسائل الهداية والإضلال، موضحًا أن إعطاء الهداية أو منعها هو من فضل الله وعدله.

التسليم لأحكام الله وبيان حكمة أفعاله

يؤكد الدرس على ضرورة التسليم لأحكام الله تعالى حتى وإن لم تظهر الحكمة منها، ويبين أن أفعال الله تعالى لا تخلو من حكمة ظاهرة أو خفية.

أحكام التخصيص بالعلة والحكمة وتطبيقاتها

يناقش الدرس مسألة التخصيص بالعلة والحكمة، ويوضح أن بعض الأحكام قد تخص بسبب كثرة وقوع الشيء أو شيوعه، بينما الأحكام التعبدية لا تخص.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله العلي الأرفق وجامع الأشياء والمفرق، فذكر رحمه الله في بداية هذا النظم فالمسملة اقتداء بكتاب الله جل وعلا، فإنه مقتداء بالبسملة، واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفتح رسائله بذكر البسملة، وإن كان هناك خلاف بين أهل العلم هل يفتتح الشعر بالبسملة، والصحيح أنه يجوز ذلك. وشرح ذلك الحافظ رحمه الله، فقال رحمه الله في الشرح: أما الحمد فهو الثناء على الله مع أو بصفات كماله، وسبوغ نعمه، وسعة جوده، وبديع حكمته، لأنه تعالى كامل الأسماء والصفات والأفعال، ليس في أسمائه اسم مذموم، بل كلها أسماء حسنة، كما قال جل وعلا: ﴿لله الأسماء الحسنى﴾، تدعوه بها، وكل أسماء الله سبحانه وتعالى حسنة، وهي في غاية الكمال في الحسن. قال: ولا في صفاته صفة نقص وعيب، بل هي صفات كاملة من جميع الوجوه، وهو تعالى جميل الأفعال، لأن أفعاله دائرة بين العدل والإحسان، وهو محمود على هذا وعلى هذا، فله أتم حمد وأكمله. فالحمد -ذكر رحمه الله- أن معنى الثناء على الله، ويزاد مع المحبة والتعظيم، الثناء على الله مع المحبة والتعظيم. إذن فالحمد لا يكون مجرد ثناء، بل لا بد مع اقترانه بالمحبة والتعظيم، ولهذا ذكر أهل العلم أن من الفروق أو من الفروق بين الحمد والشكر أن الحمد يكون خاصا باللسان، والشكر أعم، الحمد يكون باللسان، والشكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، كما قال القائل: أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي، ولسان، والضمير المحجوب. فالشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، وأما الحمد فلا يكون إلا باللسان، وكذلك أيضا من الفروق أن الحمد يكون عند النعمة وعند المصيبة، وأما الشكر فإنه لا يكون إلا عند النعمة، الحمد يكون عند النعمة وعند المصيبة، وأما الشكر فيكون عند النعمة، إذا أصابتك نعمة قلت: الحمد لله والشكر لله، لكن إذا أصابتك مصيبة ما تقول: الشكر لله، تقول: الحمد لله، تحمد الله سبحانه وتعالى. وهنا يعرف الفرق بين الحمد والمدح، فالمدح هو مجرد الثناء، المدح مجرد الثناء، فإن كان معه المحبة والتعظيم فهو الحمد، وإن كان بغير محبة وتعظيم فهو المدح، فلا يلزم من المدح المحبة، فالإنسان قد يثني على إنسان ولا يحبه، فرغم أنه يبغضه، لكنه صالح، كمن يثني على الأمراء والحكام لقصد شيء من عرض الدنيا، فهذا ثناء ليس بحمد، هذا يسمى مدحا، فالحمد لا بد فيه من اقتران المحبة والتعظيم. إذن فالحمد هو الثناء على الله مع المحبة والتعظيم، وأل في الحمد هنا للاستغراق، أي الاستغراق لجميع المحامد، وكل المحامد ثابت لله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا يحمد -كما ذكر رحمه الله- لأمرين: يحمد جل وعلا لكماله، يحمد لكماله المتضمن للكمال المطلق، كما ذكر أن الله تعالى كامل الأسماء والصفات والأفعال، ويحمد ويحمد كذلك على عدله وإحسانه وفضله، فيحمد على كماله، ويحمد على فضله وإحسانه. قال: والله هو المألوه المعبود الذي يستحق أن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به شيء، لكمال حمده، فروض الجلالة الله بمعنى المألوه المعبود، وهو -على الصحيح- مشتق من أله يأله إلهة إذا عبد، فلفظ الجلالة الله بمعنى المألوه المعبود، أي الذي يستحق العبادة وحده. واللام فيه للاستحقاق، الحمد لله، أي الحمد مستحقا لله سبحانه وتعالى. قال: العلي الذي له العلو التام المطلق من جميع الوجوه، علو بالذات، وعلو القدر، وعلو القهر، كما قال: ﴿وهو العلي العظيم﴾، فله جميع معاني العلو، علو بالذات، فهو في ذاته جل وعلا في جهة العلو، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، وهو عال كذلك بقدره، وعال بقهره، وهو القاهر فوق عباده، ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾، فله جميع معاني العلو، والعلي من أسماء الله سبحانه وتعالى. قال: الأرفق، أي الرفيق في أفعاله، فأفعاله كلها رفق على غاية المصالح والحكمة، وقد أظهر سبحانه لعباده من آثار رفقه ما يستدلون به على كماله وكمال حكمته ورفقه، كما في خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، مع أنه قادر على أن يخلقها في لحظة، وهذا من رفق الله سبحانه وتعالى، أنه خلقها في ستة أيام، والصحيح أن ستة أيام كأيامنا. ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قادر أن يخلقها في لحظة، لكن لبيان كمال قدرته جل وعلا، وخلقها في ستة أيام. قال: وكذلك خلقه الإنسان والحيوانات والنبات على اختلاف أنواعه، يخلقها شيئا فشيئا حتى تنتهي وتكمل، مع قدرته على تكميلها في لحظة، ولكنه رفيق حكيم، هذا من رفق الله سبحانه وتعالى. وكذلك من حكمته أنه يخلق المخلوقات شيئا فشيئا، هكذا خلق الإنسان، يطور من نطفة إلى مضغة، وهكذا يكون خلقه في أطوار، وهكذا الحيوان، وهكذا النبات، يبدأ شيئا فشيئا حتى يكبر، ثم يثمر، كل ذلك يدل على كمال رفقه وحكمته سبحانه وتعالى. قال: فمن رفقه وحكمته تطويرها في هذه الأطوار -يعني في خلقتها ونشأتها-. قال: فلا تنافي بين قدرته وحكمته، كما أنه يقدر على هداية الضالين، ولكن حكمته اقتضت إبقاءهم على ظلالهم، عدلا منه تعالى، ليس ظلما، لأن إعطاء الإيمان والهدى محض فضله، فإذا منعه أحدا لم يكن ظالما، لا سيما إذا كان المحل غير قابلا للنعمة، فكل صفة من صفاته تعالى لها أثر في الخلق والأمر، لا ينافي بعضها بعضا. ومن فهم هذا الأصل العظيم إنحلت عنه إشكالات كثيرة في معرفة أسماء الله وصفاته، ونزل كل اسم من أسماء الله في محله اللائق به. يقول: لا تنافي بين قدرته وحكمته، فالله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وكل شيء يقع فهو بقضائه وقدره، ﴿إن كل شيء خلقناه بقدر﴾، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، فقدرته لا تنافي حكمته. فكما أنه جل وعلا قدر على هداية الضالين، لكن حكمته اقتضت إبقاءهم على ظلالهم، هو يقدر على هدايتهم، لكن لحكمة اقتضاها جل وعلا أبقاهم على ظلالهم، أبقاهم على ظلالهم، وهذا ليس من الظلم، بل هو من كمال عدله، من كمال عدله، فكون هذا الظالم باق على ظلاله، وذاك المهتد هداه الله سبحانه وتعالى إلى الهداية والاستقامة، ليس في هذا تعارض، ولا تناقض بين قدرة الله سبحانه وتعالى وحكمته. قال: وهو يهدي من يشاء سبحانه وتعالى فضلا منه، ويضل من يشاء عدلا منه، لماذا؟ أن الهداية بيده، وهو المتفضل بها، وهو المالك للشيء، إذا أعطاه لأحد ومنع آخر، هل يوصف بالظلم؟ الجواب: لا، لا يوصف بالظلم، إنسان عنده مال، فأعطى إنسانا ولم يعط الآخر، هل يقول أنه ظالم؟ لا، لماذا؟ لأن هذا المال ملكه، هو تفضل به، فمن أعطاه لأحد فهو بفضله، وإن منعه من أحد فهو لعدله، فهو المالك وهو المتصرف، ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى. فإذا كانت الهداية من حق الله سبحانه وتعالى، فإن أعطاها لأحد فذلك من فضله، وإن منعها من أحد فذلك من عدله، فهو المالك لها، فلا يعد بذلك ظالما. لهذا قال رحمه الله: من فهم هذا الأصل العظيم إنحلت عنه إشكالات كثيرة في معرفة أسماء الله وصفاته، لأن هذا الباب ضل فيه كثير من أهل البدع، وباب القدر، حين أدخلوا عقولهم، وجعلوا هنا التعارض بين قدرة الله سبحانه وتعالى وبين حكمته، وظلوا في هذا الباب ضلالا عظيما. والرفق هو من صفات الله سبحانه وتعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه». قال: وقوله: وجامع الأشياء والمفرق، يعني أنه تعالى جمع الأشياء في شيء، وفرقها في شيء آخر، كما جمع بين خلقه في كونه، خلقهم ورزقهم، وفرق بينهم في الأشكال والصور، والطول والقصر، والسواد والبياض، والحسن والقبح، وغير ذلك من الصفات، كل هذا صادر عن كمال قدرته وحكمته، ووضع الأشياء مواضعها اللائقة بها، والله أعلم. وقوله: وجامع الأشياء والمفرق، هذا من باب الإخبار، يخبر أن الله سبحانه وتعالى يجمع بين الأشياء ويفرق بينها، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات، والله جل وعلا جمع بين أشياء وفرق بينها، كما أنه جمع بين خلق القلل وكل المخلوقات هي من خلق الله سبحانه وتعالى، لا يخرج منها شيء، وفرق بينها في صفاتها وأشكالها. فأجد بين الإنسان فرقا، هذا طويل، وهذا قصير، هذا نحيف، وهذا سمين، هذا أبيض، وهذا أسود، هذا من التفرقة، وهكذا، وهكذا أيضا فرق في أرزاقهم، هذا غني، وهذا فقير، وهكذا، إذن فالله جل وعلا جمع بين الأشياء وفرق بينها. والمؤلف رحمه الله أراد بذلك بيان أن القواعد الفقهية كذلك تجمع وتفرق، وهذا من براعة استهلال المؤلف رحمه الله، كما يسمى عند أهل البلاغة أن يذكر المؤلف في مقدمته ما يتضمنه موضوعه. فأراد أن يشير إلى أن القواعد الفقهية هي قواعد جامعة، تجمع المسائل، ثم كذلك تفرق بينها، والمعنى أنها تجتمع في أصل وتختلف في الفروع، تجتمع في أصل وتختلف في الفروع. قال: قولي ذي النعم الواسعة الغزيرة والحكم الباهرة الكثيرة. وقوله: ذي النعم، أي صاحب النعم، فذو هنا معنى صاحب، ذي النعم، والنعمة ضابطها كل شيء يجلب للإنسان فرحا أو سرورا، النعمة كل ما يجلب للإنسان فرحا أو سرورا، ما يجلب للإنسان فرحا أو سرورا، سواء كان حسيا أو معنويا. والحكم جمع حكمة، وهي المصالح والمنافع التي تبنى عليها الأحكام، المصالح والمنافع التي تبنى عليها الأحكام، حكمة، نعم، الحكمة هي المصالح والمنافع التي تبنى عليها الأحكام. والحكم قسمان: الحكم قطعية، منصوص عليها من الشارع، قطعية منصوص عليها من الشارع، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم»، فهذه حكمة قطعية منصوص عليها، يعني أن العلة والحكمة بكون الهرة ليست بنجس أنها مما يتطوف على الناس، مما يتطوف على الناس، فيشق التحرز منها، هذه علة أو حكمة منصوص عليها. وهناك حكم ظنية، وهو التي يستنبطها العلماء، التي يستنبطها العلماء من الأدلة بالاجتهاد، يستنبط العلماء من الأدلة بالاجتهاد، وهذه غير ملزمة، لأنه قد يستنبط عالم آخر حكمة أخرى مستنبطة ظنية. وحكم ظنية، وهو التي يستنبطها العلماء بالاجتهاد، هذه غير ملزمة. والإنسان مع الحكم على حالتين: حالة محمودة، وهو أن يكون قابلا ومسلما لأحكام الله سبحانه وتعالى، وإن لم تظهر له حكمته، أن يكون قابلا ومسلما لأحكام الله، وإن لم تظهر له حكمته، أن يكون قابلا وسلم لهذا الحكم، والنوع الثاني أو الحالة الثانية هي الحالة المذمومة، وهو أنه لا يكون قابلا للحكم حتى يعلم الحكمة، أنه لا يقبل الحكم حتى تظهر حكمته، هذا مذموم. والواجب على الإنسان أن يكون عنده التسليم والانقياد بأحكام الله سبحانه وتعالى، وإن لم نعلم حكمتها. والذي عليه جمهور أهل السنة أن أفعال الله سبحانه وتعالى لا تخلو من الحكم، أن أفعال الله سبحانه وتعالى لا تخلو من الحكم، فكل فعل أو قول فإنه متضمن لحكمة، خلافا لما عليه بعض أهل البدع من الجهمية والأشاعرة، الذين نفوا الحكم، قولهم باطل، بل الصحيح أن أفعال الله سبحانه وتعالى لا تخلو من حكمة. لكن هذه الحكمة قد تظهر وقد تخفى، قد تظهر وقد تخفى، قد تكون ظاهرة، كمشروعية الله سبحانه وتعالى من الانتقال في الطهارة من الوضوء إلى التيمم، حكمته ظاهرة، وهي رفع المشقة، والتخفيف والتيسير، هذه حكمة ظاهرة، وهكذا أيضا من إيجاب الزكاة، تطهير للنفس والمال، وهكذا الصوم، الحكمة منه أنه يورث تقوى الله سبحانه وتعالى، هذه حكم ظاهرة. وقد تكون حكم غير ظاهرة، كالأمر بأن تصلى صلاة الظهر أربع ركعات، والعصر أربعا، والمغرب ثلاثا، والفجر ركعتين، فهنا قد تكون هذه الحكمة أو الحكمة غير ظاهرة، ومع ذلك فالواجب على الإنسان هو التسليم، الواجب والتسليم. قال رحمه الله في الشرح: هذا بيان لسعة فضله وعطاياه الشاملة لجميع خلقه، فلا يخلو مخلوق من نعمه طرفة عين، ولا سيما الآدمي، فإن الله فضله وشرفه، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، ولا يمكن تعداد نعمه، قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور الرحيم﴾. والمراد بنعمة الله: أي نعم الله، فنعمة مفرد مضاف، والمفرد إذا أضيف دل على العموم. قال: ولكنه تعالى رضي من شكر نعمه بالاعتراف بها والتحدث بها، وصرفها في طاعة الله، وأن لا يستعان بشيء من نعمه على معاصيه، وهذا هو حقيقة الشكر، النعم: الاعتراف بها في القلب أنها من عند الله سبحانه وتعالى، وأن المتفضل بها هو الله، والتحدث بها، أي باللسان، وتصرفها في طاعة الله، أي في الجوارح، تسخر هذه النعم في طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن لا يستعان بشيء منها على معاصي الله، وبذلك يكون العبد شاكرا لله سبحانه وتعالى. قال: وقولي: والحكم الباهرة، يعني أن حكمه تعالى كثيرة، تبهر العقول، يعني تجعل العقول تتحير في النظر في حكم الله سبحانه وتعالى، وتتعجب منها غاية العجب، فإن جميع مخلوقاته ومأموراته مجتمعة على غاية الحكمة، أي جميع خلق الله جل وعلا، وأوامره، فإنه مجتمعة على الحكمة، لا تخلو من حكمة. ومن نظر في هذا الكون وعجائبه، وسمائه وأرضه، وشمسه وقمره، وكواكبه، وخصبوه، وحيوانه، وأشجاره، ونباته، وجباله، وبحاره، وجميع ما يحتوي عليه، رأى فيه العجائب العظيمة، ويكفي الإنسان نفسه، يعني أن يتفكر في نفسه، فإنه إذا نظر إلى كل عضو من أعضائه، علم أنه لا يصلح في غير محله، وهذا من بيان عظم حكمة الله سبحانه وتعالى، جعل اليدين في هذا الموضع، والعينين في هذا الموضع، والأنف في هذا الموضع، والأذنان في هذا الموضع، يدل ذلك على عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى. وكذا في هذا الكون، إذا نظر في سمائه وأرضه، وشمسه وقمره، علم أن جميع هذه المخلوقات لها حكمة، لها حكمة، فالسماء مثلا رفعها الله سبحانه وتعالى، وسواها، وبناها بغير أعمدة، لها حكمة، ينتفع منها العباد في الأرض، من نزول الأمطار، ونزول كذلك من ينتفعون به، وهكذا الأرض، كيف أجعلها الله سبحانه وتعالى مستوية، حتى يستطيعون أن يعيشوا عليها، فلو كانت سهولة أودية، أو كانت كلها جبال، ما استطاعوا أن يعيشوا عليها، وهكذا كذلك الشمس، كيف أن الخلق ينتفعون بها، ويستضيئون بنورها، وهكذا الليل كذلك، كيف ينتفعون به، وهكذا القمر، كيف يستضيئون بضوئه، وهكذا سائر المخلوقات. علم الإنسان عظيم حكمة الله سبحانه وتعالى. وهنا أيضا أمر يتعلق بذكر الحكمة، كما ذكرناه قبل، قلنا: إن الحكمة منها ظاهرة، ومنها خفية، فالظاهرة التي علمت، فإنه يقاس عليها ما كان بمثلها، ومعناها، إذا كانت الحكمة ظاهرة، فيقاس عليها ما كان بمعناها، لأن القياس لا يجمع بين المتفرق، ولا يفرق بين المجتمع، فما علمت حكمته، فإنه يقاس عليه ما كان بمعناه. وما كان غير معلوم بالحكمة، فإنه لا يقاس عليه، هو الذي يسمى عند أهل العلم هذا بالأمر التعبدي، ما كان أمرا تعبديا لا تعلم حكمته، فهذا لا يقاس عليه، وإنما يكون القياس فيما علمت حكمته، فيما علمت حكمته، نعم يقاس عليه، كما ذكرنا في الحديث السابق: «إنها من الطوافين عليكم»، فكل ما كان مما يطوف على الناس، حكمه أنه طاهر، حكمه أنه طاهر، مما شق التحرز منه، ها، لا، كذلك ما يطوف على الناس، نادر، مع ذلك هو صحيح، لكل طاهر شعره طاهر، لكن مما يكثر طوافه، كالحمار مثلا، والبغل الذي يركبها الناس، ويكثر استعمالهم لها. قال: كذلك كالهر، كالفأر، أنه يكثر طوافه، فيشق التحرز منه، وكذا ما كان بمعناه، وما كان أمرا تعبديا، فإنه لا يخص عليه، لعدم ظهور الحكمة منه، كغسل الإناء إلى ولغته الكلب سبعا، هذا أمر تعبدي، لا تعلم حكمته، فيكون خاصا بولغ الكلب، لا تعبديا، لا تعبديا.

شاركنا على